تعقيباً على مصطفى البطل: عمر القراي وصحافة (حكومة الأخوان المسلمين) 1-2!

نشرت يوم

علاء الدين بشير

كتب الاستاذ مصطفى عبد العزيز البطل في الحلقة الثانية من رده على الدكتور عمر القراي بصحيفة (الرأى العام) يوم الاحد 26 يناير وتحت عنوان (عمر القراي : لف شمال)، "ان الاخير سعى للكتابة فى صحف (حكومة الاخوان المسلمين) وانه حصل فى زمن مضى على عرضين للكتابة فيها فاستجاب لهما لفوره".

وزعم البطل ان العرض الاول جاء للقراى من "السيد\ عبد الرحمن اسحق،عضو برلمان النظام وعضو حزب المؤتمر الوطنى واحد اثرياء سودان ما بعد الانقاذ" وذلك فى صحيفة (الحرية) التى كان يملكها والتى كتب فيها القراى "لعهد طويل واستوفى اجور كتابته".

ويضيف البطل : "اما العرض الثانى الذى استجاب له القراي فقد جاءه –صدق او لا تصدق- من صاحبي الكوز الاستاذ عادل الباز اثناء رئاسته تحرير صحيفة (الصحافة) حيث كتب القراى لعهد طويل فى تلك الصحيفة وقبض ثمن كتابته ايضا. وقد كانت الصحافة عهد كتابة القراي فيها وما تزال مملوكة للملياردير الانقاذوي الضخم وعضو حزب المؤتمر الوطنى السيد صديق ودعة".

ولأننى كنت داخل المجتمع الصحفى فى ذلك الوقت وعلى صلة بالملابسات التى جاءت بالقراي للكتابة في الصحف اليومية التي تصدر من الخرطوم فإننى اود ان اصحح بعض المعلومات الخاطئة التى اوردها البطل فى مقاله. 

لم يكتب عمر القراي في صحيفة (الحرية) التى صدرت حسبما اعتقد فى العام 2001 ولم يكن القراي قد عاد الى السودان من مهجره فى امريكا بعدُ رغم ان الوجود فى امريكا لا يمنع اى شخص من المداومة على الكتابة الراتبة فى الصحف التى تصدر فى الخرطوم فى زمن الوسائط التكنلوجية المتقدمة. فتحت صحيفة (الحرية) صفحاتها اقصى ما امكنها فى ذلك العهد تطوعا وبدون اجر لعدد قليل من الاخوان الجمهوريين كانوا ينشطون فى الكتابة وفى العمل العام حيث كان يقوم على الادارة والتحرير فيها الاساتذة امال عباس والحاج وراق والشاعر سعد الدين ابراهيم وصديق الجمهوريين الراحل المقيم نزار ايوب.

اما مالك الصحيفة، السيد عبد الرحمن اسحق فقد كان صديقا للحاج وراق وكان منخرطا معهم فى صفوف اليسار وقد عمل مستشارا للسوق الاوربية المشتركة فى السودان واثرى ثراءً كبيراً ورغم عضويته المتأخرة فى المؤتمر الوطنى والبرلمان إلا ان الخط التحريرى لصحيفته كان جانحا نحو المعارضة بشروط سودان ما قبل اتفاقية السلام لدرجة ان المعارضة السياسية كانت تطغى فى احيان كثيرة على التقاليد المهنية حسبما كان يراها الصحفيون فى ذلك الوقت وكانت الصحيفة والقائمون عليها دائمى الصدام مع السلطة وذراعها الامنى.

اما بخصوص سعي القراي للكتابة في صحيفة (الصحافة) ابان رئاسة الاستاذ عادل الباز لتحريرها ورئاسة صديق ودعة لمجلس ادارتها فهو غير صحيح واود هنا ان اسرد الملابسات الكاملة لانني كنت طرفاً رئيسياً فيها في ذلك الوقت.

 فقد قررت صحف (الصحافة والحرية والصحافي الدولي) ان تندمج ثلاثتها فى مؤسسة صحفية واحدة وبحلم كبير ان تصبح مؤسسة اعلامية كبرى ترفد الساحة بعدة اصدارات فى المجالات المختلفة كما تطمح فى اقتحام مجالى البث الاذاعي والتلفزيونى مستقبلا.. دواعى الاندماج كانت اقتصادية في المقام الاول حيث كانت الصحف الثلاثة تعانى من متاعب اقتصادية كبيرة وكنت انا شاهداً على ذلك من خلال عملي في صحيفة (الصحافي الدولي).

 اما الداعى الثانى للاندماج فكان مبنيا على قراءة للواقع السياسي المتجدد حيث كانت رحى مفاوضات السلام بين الحكومة والحركة الشعبية تدور فى منتجعات كينيا وكان واضحا انها ستفضى الى اتفاق سلام سيجلب قدرا من الانفراج فى الساحة السياسية واراد ناشرو الصحف الثلاثة من ذوى الخلفيات السياسية المتباينة (اسلاميون ويساريون واتحاديون) ان يرسلوا عبر خطتهم فى العمل المشترك رسالة مؤداها بأن هناك امكانية للتعايش السياسى وبالتالى اذا نجحت التجربة الصغيرة و (تطايبت النفوس) فيمكن للفرقاء السياسيين ان يتعايشوا معا تحت سقف الوطن وان يقودوا التعبئة والضغط وتهيئة المناخ من اجل توقيع اتفاقية السلام التى كانت تحتاج الى عمل فى جبهات متعددة حتى يتم استيلادها وسط احراش وتضاريس الوضع السياسى الداخلى وخاصة داخل النظام وما يحتوشه من مراكز قوى وجماعات مصالح ومتشددين يرون فى اتفاقية السلام خصما على مصالحهم ونفوذهم ورؤاهم.

ايضا كان منوطاً بالمؤسسة الاعلامية الوليدة وعبر اصداراتها المختلفة وبتشكيلتها المتباينة ان تقود التعبئة والتوعية والضغط من اجل حمل طرفي اتفاق السلام على العمل من اجل ترجيح كفة وحدة السودان خلال فترة ست السنوات الانتقالية التى تنفذ فيها اتفاقية السلام.

وقد كان هناك هدف آخر غير معلن فى تقديرى وهو انهم ايضا كانوا يتخوفون من الحركة الشعبية التى كانت الحكومة وجزء كبير من المعارضة معا يعتقدون انها قادمة وخلفها سند دولى كبير مع قوتها السياسىة والعسكرية بغية تفكيك وإعادة هيكلة الدولة السودانية وحرف هويتها الى افريقانية معادية للتوجهات العروبية والاسلامية (والله اعلم).

المهم وبناءً على اجواء الانفراج هذه وبعد الدعاية الكبيرة التى رافقت المؤسسة الاعلامية الجديدة (شركة الوسائط الاعلامية المتعددة) واصدارها صحيفة (الصحافة) وشعارها الجديد من اجل (الديمقراطية والسلام والوحدة) وبعد نشر سياستها التحريرية على الملأ وكذلك طاقم تحريرها وكتابها المتنوعين من مختلف الاتجاهات السياسية والفكرية وحتى الجهوية اشار علىّ الاخ والناشط الجمهورى الدكتور معتصم عبد الله محمود بان الدكتور القراي يمكنه ان يساهم بمقال اسبوعى فى الصحيفة ان وافقت هيئة التحرير على ذك وثنى اقتراح الدكتور معتصم الاخ الجمهورى الناشط وقتها،عبد الله فضل الله الذى كان يكتب مقالات متفرقة بصحيفة (الحرية) وذلك بدون التشاور معه ولم اكن في ذلك الوقت قد التقيت بالدكتور القراي ولا تحدثنا الى بعضنا عبر الهاتف.

وبناءً على المقدمات اعلاه ذهبت الى رئيس التحرير وقتها الاستاذ عادل الباز قبل ان تبدأ الصحيفة فى الصدور وكان ذهابى اليه بعد استدعائي للعمل ضمن فريق التحرير فى الصحيفة الوليدة ومن اجل الاتفاق معي على الاجر والمهام وذلك بمكتبه فى شركة الاعلانات التى يمتلكها (نسق) فى الطابق الثالث بعمارة كوبتريد بشارع البلدية وبعد ان فرغت من موضوعى الخاص طرحت عليه ان ينضم القراي الى طاقم الكتاب ويساهم بمقال اسبوعى ليصبح اضافة الى التنوع الذى تقول الصحيفة انها تسعى الى توطين السودانيين على قبوله، لم يعترض الباز ولكنه اشترط ان تنحصر مساهمات القراي فى التعليق والرأي على الاحداث السياسية فقط وان يتجنب الخوض فى المسائل الدينية كما تطرحها الفكرة الجمهورية وشعرت ان ذلك ليس رأي الباز الشخصى وانما هى محددات مرسومة لهم من الجهات العليا اضافة الى قيد قانون الصحافة الذى يتضمن نصاً صريحاً بألا تنشر الصحيفة "ما يتعارض مع ما هو معلوم من الدين بالضرورة" و المقصود هنا طبعا المعلوم لدى "اهل السنة والجماعة" كما ذكر الاستاذ البطل فى مقالاته انه يريد ان يحشر فى ذمرتهم. المهم اننى قلت للباز انه وحسب فهمى فإن الرؤية السياسية للفكرة الجمهورية متطابقة مع رؤيتها الدينية وهى حزمة واحدة لا يمكن تبعيضها ولكن ما ارى ان القراي يمكن ان يلتزم به هو ان يكتب وفقا للاحداث الجارية فى الساحة لانه قطعا ككاتب لا يريد ان يكون في حالة عرضة خارج الزفة رغم ان له تقديراته ورؤيته للزاوية التى سيتناول بها تلك الاحداث الجارية، ولم نتفق وخرجت من عند الباز وكان ذلك على الارجح فى شهر يناير 2003 حيث ان الصحيفة صدرت فى ابريل من ذات العام.

كرت مسبحة الايام والسنين.. وتم توقيع اتفاقية السلام في يناير من العام 2005 وعاد القراي الى البلاد فى نوفمبر من ذات العام وفى ظهيرة أحد الايام هاتفنى الاخ الجمهوري الاستاذ عيسى ابراهيم وكان يعمل فى صحيفة (السودانى) التى عاودت الصدور لتوها ليطلب منى النظر فى امكانية نشر مقال للدكتور القراى فى (الصحافة) بعد ان أخرت نشره بلا مبرر صحيفة  (السودانى). واخبرته بثقة سيتم نشره... كان مصدر ثقتى نابع من صراع دائر من ادارة وهيئة تحرير صحيفة (الصحافة) مع ناشر ورئيس تحرير صحيفة (السودانى) محجوب عروة الذى كان ضمن مجلس ادارة صحيفة (الصحافة) وخاضت معه الصحيفة معركته من اجل اعادة اصدار (السودانى) ولكنه حينما اخذ الاذن بإعادة اصدارها اتفق مع عدد مقدر من كادر تحرير الصحيفة وكتابها الكبار خاصة عثمان ميرغنى وزهير السراج . ولم يرض صنيع عروة اهل (الصحافة) وصار جهدهم ان لا يسمحوا له بالتفوق عليهم خاصة وان الخط التحريري للسودانى كان شبيها بالخط التحريرى للصحافة.

حضر الىّ الدكتور القراي فى مقر (الصحافة) ومعه المقال وقابلت به رئيس التحرير عادل الباز ومدير التحرير –وقتها- حيدر المكاشفى، استقبله الباز بحفاوة ودعاه للكتابة فأخبره القراي بأنكم لن تستطيعوا تحمل التبعات التى يمكن ان تجرها عليكم مقالاتي فصمم الباز على ان يكتب ويترك لهم الامر وتم نشر المقال فى الصحافة. لم ينتظم القراي فى الكتابة الراتبة كل اسبوع حيث لم يكن متفرغا ولكنه كان يصدف ان يكتب كل اسبوع او كل اسبوعين او ثلاثة حسبما يتفق له وكان ما يكتبه يجد حظه من النشر ولكن لم تكن (الصحافة) ملتزمة ماليا تجاه  القراي الذى لم يطالب بدوره بذلك، وكانت اغلب كتاباته تنحصر فى الرد على من يتعرضون بالنقد للفكرة الجمهورية او للاستاذ محمود ومواقفه السياسية وكان يقول لى انه فى حقيقة امره لا يرد على الشخص المنتقد بقدر ما انه يريد استغلال المساحة فى نشر وشرح ما يتيسر من الفكرة الجمهورية عسى ان يلتقطها بعض من شباب اليوم الذين شوهت عندهم الفكرة وحجبوا عنها وحجبت عنهم.

شارك علي الفيسبوك