قايتانو لي: انا خائفة

نشرت يوم

استيلا قايتانو

كانت فرحتها مثل فرحة طفل، نقية ومتجاوزة للاحتمالات المتشائمة، وذلك

عند استلامها لحقوق زوجها النقدية والذي قتل في الحرب، وهي تستلم

الجنيهات من شباك احد البنوك، علت ابتسامة اقرب الى الضحك وجهها وهي

تتخيل فرحة اطفالها عندما تلبي لهم بعض طلباتهم الصغيرة والساذجة واصبح

عقلها وقلبها يسبق خطواتها في تخطيط لمستقبل صرف المال الذي في يدها،

 

اولا مدارس العيال، ثانيا شراء مؤن الشهر من دقيق وزيت وسكر وكيموت

(الفول السوداني المسحون) وبعض اللحوم الجافة من شرموط والاسماك الجافة،

ثالثاً التفكير في مصدر دخل للبيت شراء بودا (دراجة بخارية تستعمل

كمواصلات في جوبا) او ابتكار تجارة مربحة تقيها واطفالها شر مد الايدي

للناس.

اما هو فكان هناك، تتحرك عيناه مراقبا يدها وهي تحتضن الجنيهات كأنها

تحتضن شيئاً مقدساً، وتفجرت في رأسه اكثر الافكار شراً وانانية، لقد قرر

ان يستولي على ذاك المال باي ثمن. وتحركا معاً خارج البنك هي تطبق على

حقيبتها اليدوية المصنوعة من السعف بالوان قديمة وباهتة مرتدية فستاناً اسود، سواداً حرقته الشمس حتى الاحمرار يوحي بحزنها القديم المتجدد على زوج

خرج ذات يوم دون وداع ولم يعد، تاركا لها اطفالاً صغاراً في ظروف النزوح

والمجاعة، كانت خطواتها حذرة وخائفة، وهي تعلم خطورة مدينتها التي امتلأت

باخطر المجرمين والذين لا يترددون في قتل الناس ونهبهم كما تسمع وتشاهد،

ولكن فرحتها كانت اقوى من كل تلك المخاوف، استقلت المركبة العامة متجهة

الى حيها في اطراف المدينة، اما هو فكان خلفها، مراقبا كل شاردة وواردة

منها حتى رمشة عينيها ينتظر سانحته ليغدر بها ولكنها كانت حريصة كل الحرص

.

نزلت بعد رحلة طويلة من تلك المركبة الضيقة ذات المقاعد غير المريحة

والشوارع الخربة، كانت ضمن ركاب كلهم كانوا بمزاج قابل للعطب، ونفسية قابلة

للانفجار في وجه اقرب الناس لهم لاتفه الاسباب، إلا هي كانت على استعداد

ان تفتح حوارا متفائلا مع كل الناس، وعلى استعداد للاعتذار حتى ولو

اخطأ الاخرون في حقها، وعلى استعداد لمواساة الناس بمآسايهم وتبشرهم

بالخير والامل المختبئ خلف كل هذه الكآبة واليأس.

اتجهت بخطوات راقصة وهي تنحدر في شوارع حيها الذي نحتته جريانات مياه

الامطار فاصبحت مثل الامواج ترتفع حينا وتنفخفض احايين اخرى، اما هي

فكانت خفيفة الظل والروح والخطوات، تسابق الزمن والمسافات للحاق

باطفالها، وفي الطريق اشترت لهم بعض الحلويات والموز وكسوة لكل طفل من

الـ ( الي وارا ) القريب (سوق لبيع الملابس المستعملة) اعجبها فستانا

زاهيا، تخيلت نفسها وهي ترتديه مستعرضة انوثة دفنت تحت الثوب الاسود

ومعها دفنت كل افراحها واصبح جسدها مقبرة لغرائز مازالت متقدة، فكرت

لحظة في شرائه ولكنها احست بوخزة تخرتق ضميرها عندما تذكرت زوجها، اعادته

بسرعة كمن اشتعل شيئ في يده، ملتزمة تماما بوفاء لانسان لم يعد هناك

ولكنه يحتل صميم قلبها.

وانطلقت نحو بيتها لتفرح اولادها، هو كان خلفها في كل شاردة وواردة،

حفظ خطواتها المضطربة خطوة خطوة وحفظ شوارع حيها الضيقة والمحفورة شارعاً

شارعا، وحفظ موارد المياه دونكي دونكي وحفظ تماما الدروب المؤدية الى

دارها وحفظ دارها بكامل الاصرار والترصد.

ولجت الى بيتها الصغير المتواضع، المسور بسور من الاشجار القصيرة

الصغيرة شديدة الاخضرار والازدحام لتصنع جدارا نباتيا بسيطاً وجميلاً

ولكنه غير آمن ولا يمنع الداخل والخارج ليتحول بيتها ساحة مرح للكلاب

المتشردة والقطط الليلية المزعجة وممراً للمتجولين ليلاً مختصرين الدروب

والمسافات. استقبلها الصغار فرحين، خطفوا من يدها طلباتهم الصغيرة

والساذجة فرحو بها حد الاحتفال، وعلت ضحكاتها معهم، تحت سمع وعين

الجيران الغارقين في همومهم الخاصة لدرجة عدم المبالاة بفرح او حزن

الاخرين من من حولهم.

هو ايضا كان يسمع فرح وضحك الصغار عندما تحرك مبتعدا عن السور دون ان

تذوب تلك الضحكات الخطط الشريرة في قلبه.

دخلت قطيتها الكبيرة وهناك في الحقيبة الوحيدة في الغرفة، الحقيبة

الحديدية المتينة، فتحتها ووضعت حصاد سنين زوجها، حصاد عرق ودماء وروح، حصاداً ثمناً للحنين والحرمان يشكل املا ليتامي صغار يحاولون فهم لماذا

غاب والدهم كل هذه المدة وتركهم وحيدين؟ ولماذا كل هذا الحزن البائن في

عيني امهم وتصرفاتها.

تبعها الصغار محلقين حولها كفراشات تبحث عن رحيق، كانت تنظر بعيون حانية

تراقب سعادتهم وتقول في سرها، لن ادعكم تشقون بعد اليوم ابدا.

انسدل الليل، ليلاً شديد الظلام والصمت، صمتاً يجعل كل الاصوات واضحة حد

الضجيج فحينا تسمع اصوات رصاص تمزق سكون الليل تنطلق من حين لاخر واصوات

كلاب تنبح نباحا اقرب الى العواء بطريقة كئيبة ومحزنة ترسب في النفس

التشاؤم وعدم الشعور بالراحة والاطمئنان، كأنت هناك ارواح شريرة تجوب

المكان وتسعى للانتقام وزئير سكارى وعويل نساء يضربن وضجيج مولدات

الكهرباء.

نام صغارها، نصبت لهم النواميس اتقاء شر البعوض وحشرات الليل والفئران

الضخمة التي تجوس على الجدران الدائرية والسقف المخروطي بحثاً عن اي شئ

يؤكل.

اغلقت بابها جيدأ، بابها المصنوع من الزنك الرخيص والالواح الخشبية

التي تآكلت بسبب الارضة والرطوبة، وانزلقت وسط اطفالها بقلب واجف وخائف

من لصوص الليل والرصاصات الطائشة، كل يوم تنام دون خوف لانها لا تشعر

بالاستهداف لانها ببساطة لا تملك شيئاً اما اليوم فهو يوم مختلف وهناك شبه

ثروة في غرفتها لذا تنتظر انبلاج الفجر بفارغ الصبر، اطفأت مصباحها

اليدوي، ونامت عيناً مغلقة وعيناً مفتوحة.

وفي منتصف الليل سمعت خطوات ثقيلة بالخارج، والتي اخذت تقترب وتقترب،

ازاحت عن قلبها الخوف والتشاؤم وقالت لنفسها لابد انهم المارة، ولكن وجف

قلبها بقوة عندما سمعت طرقاً خفيفاً على الباب، خفق قلبها بشدة، تسللت من

وسط اطفالها واقتربت من الباب بخفة تسترق السمع، كان هناك نفر يهمسون

خارجا بلغة لم تعتدها اذناها، فطرقو الباب بشدة، حتى استيقظ الاطفال

مرعوبين صارخين، هدأتهم الام بحضنها وامرتهم بالسكوت، ولكن استمر الطرق

باصرار وشر، ثم قال احدهم : افتحي وإلا اطلقت النار عليكي واطفالك من

خلال الباب.

قفز قلبها من صدرها وقالت بصوت اختلط فيه الخوف والغضب معاً فخرج باكياً

ومرتجفاً : ماذا تريد ؟

قال : افتحي وستعريفين ؟

قالت : لا ؟

فجأة سمعت دوي طلقة قرب الباب، صرخت وصرخ اطفالها في رعب من شهد القتل

من قبل، نادت على الجيران ولكن لا احد يخرج بعد سماع اطلاق عيار ناري،

فموت ارملة واطفالها خير من موت الحي كله لان بوم الليل هؤلاء لا يترددون

في قتل اي احد يقترب من موقع الحدث كما حدث كثيراً لذا لم يعد احد اي احد

يجرؤ على تلبية نداء جاره، وبتكتيك خبير عايش الحرب، رصت اطفالها

وارقدتهم على الارض وامرتهم بالصمت مهما حدث، وزحفت نحو الباب، وفتحته

وخرجت وحدها، وهكذا اصتدمت بهم كانوا كتل بشرية يرتدون السواد كأنهم

ابناء الليل يحملون اسلحة في مواجهتها، وهي تواجههم فقط بأمومتها،

الامومة التي تريد بها حماية اطفالها مهمها كانت الخسائر.

امسكها احدهم من تلابيبها، سألها عن المال سؤال العارف، وإلا سيدخلون

ويبيدون اطفالها، قالت : سوف احضر لكم المال ولكن لا تروعوا اطفالي.

قال احدهم: لن نروعهم سوف نقتلهم اذا لم تعطينا المال.

واجبرها على الدخول، دخلت واتجهت نحو الحقيبة الحديدية الوحيدة في

الغرفة، رفعتها واتجهت الى الخارج، كانت تبكي بصمت، وقلبها يشتعل غضبا

ليتها تمزق هؤلاء المجرمين باسنانها لو كان باستطاعتها ذلك، او فقط لو كان

لديها سلاح تدافع به عن نفسها واطفالها، لان ليس هناك منقذ، فقد صرخت

واطفالها حتى بح صوتهم، ودوى صوت رصاص يطن في بيتها، ولم يسأل عنها احد

حتى الآن لا الجيران ولا حتى الشرطة.

اقتلعوا من يدها الحقيبة ومن ثم مزقها احدهم بقوة، واخرجوا حصاد سنين

زوجها، حصاد عرقه ودمائه وروحه حصاد حرمانها وحنينها ومستقبل اطفالها.

وذهبوا غير عابئين بدموعها وصراخ اطفالها كأنهم ليسوا بشراً، احتضنت

اطفالها الذين كانوا يرتجفون من الخوف، اما هي فكانت ترتجف من الغضب،

بالذات عندما نطقت اصغر طفلاتها بهذه الجملة: امي انا خائفة جداً.

تركت كل شئ في مكانه، وفي الصباح عندما اتى الجيران ليتعرفوا مجرد

التعرف على الخبر، لم تكن ترد على اسئلتهم، كان لديها حزنها الخاص

وجرحها الخاص، وغضبها على الجميع دون استثناء على الجبن الذي مورس ضدها

.

كانت تفكر في شئ يجلب لها المال باسرع ما يمكن حتى ولو تبيع نفسها، ولكن

.. لا لتلحق اطفالها بالمدارس.. ولا لتشتري مؤناً تكفي لشهر.. ولا

لتشتري بودا (دراجة بخارية تستعمل لمواصلات) او التفكير في تجارة تقيها

واطفالها شر مد الايدي للناس.. وانما لتشتري سلاحا لتدافع بها عن نفسها

واولادها في مدينة مظلمة وظالمة.

شارك علي الفيسبوك