مشروع الحداثة وضرورة استشراف ثقافة نوع جديدة: الجنس ما بين التّسامي والانحطاط ..الحلقة (4)

نشرت يوم

محمّد جلال أحمد هاشم

مقدّمة

تُرى ما هو الخطّ الفاصل بين الجنس كممارسة حيوانيّة وبين الجنس كممارسة إنسانيّة؟ ثمّ هل هناك فعلاً خطّ فاصل بينهما؟ أوليس الجنس في كلا الحالتين هو هو؟ وهل هناك فرق بين الجنس في طبيعته البشريّة وبين الجنس في تدرّجه الإنساني، بفهم أنّ الأخير أرقى درجةً؟ .

ثمّ هل الأساس الإخضاعي للعمليّة الجنسيّة سمة مبثوثة في البنيان الحيواني للإنسان؟ بالطّبع ليس في مقدورنا أن نقدّم إجابات شافية لهذه الأسئلة وغيرها ممّا يمكن أن نستمرّ فيه. ولكن لا بأس من إجراء مناقشة لهذه الأسئلة استشرافاً لمحاور أساسيّة تخدم كأساس لإجابات محتملة. في سبيل الإجابة على هذه الأسئلة، وغيرها، عادةً ما تُتّخذ الحيوانات كأساس حُكمي؛ فما يجري عليها يتمّ تعميمُه على الحيوان النّاطق، أي الإنسان. ولكنّ هذا قد يصدق في بعض الحيوانات دون أن يقبل التّعميم عليها جميعها. فهناك بعض الحيوانات العنكبيّة التي تقوم فيها الأنثى بافتراس الذّكر بعد العمليّة الجنسيّة. فإذا جئنا إلى الثّديّيات، هناك الضّباع التي لا تقوم فيها الأنثى بالتّسيّد على الذّكر المستضعف فحسب، بل ينمو عندها البظر فيفوق في حجمه أحياناً كثيرة قضيب الذّكر. لهذا علينا أن نحذر التّعميماتالجنس ما بين التّسامي والانحطاط

ما هو الجنس

هل يمكن حصر تعريف الجنس في تلك العمليّة التي تجمع إثنين، أحدهم يولج عضوه الذّكري في العضو الأنثوي للآخر؟ ألا يقتضي مثل هذا التّعريف طرفين متباينين نوعاً، ذكراً وأنثى؟ فماذا عن الجنس في أوضاعه المثليّة، حيث يكون هناك ذكران يمارسان الجنس، أو أنثيان تمارسان الجنس؟ فمن المعروف في مثل هذه الحالات تماثل النّوع، ولهذا أُطلق عليها مصطلح "المثليّة". ففي حالة المثليّة الذّكوريّة لا يوجد غير عضوين ذكرييّن، بينما لا يوجد عضو أنثوي من أصله؛ وفي حالة المثليّة الأنثويّة لا يوجد غير عضوين أنثويّين، بينما لا يوجد عضو ذكري من أصله. ولكن، ألا يمكن الاحتجاج بأنّ المقابلة (أنثى ــــ ذكر) موجودة في كلا الحالتين الجنسيّتين، بدليل الأدوار التي تُلعب؟ ففي حالة المثليّة الذّكوريّة يقوم أحد الذّكرين بلعب دور الأنثى إلى درجة قد يتماهى فيها فيصبح سلوكه أشبه بسلوك المرأة وبخاصّةٍ في مجال الغنج والتّدلّل؛ هذا مع توظيفه لجهاز الشّرج كيما يخدم كعضو جنسي أنثوي. وهذا أيضاً يمكن أن يُقال عن المثليّة الأنثويّة، حيث تقوم إحداهنّ بلعب دور الذّكر، وقد تصطنع لها عضواً ذكريّاً. فهل يعني هذا إمكانيّة الرّكون إلى التّعريف أعلاه؟ كنّا سنأخذ بهذه الإمكانيّة باطمئنان كبير لولا قصور ذلك التّعريف عن الإحاطة بموضوعة الجنس في وظائفه الحيوانيّة، أي تلك التي تتجاوز حالة الإنسان. فلدى بعض الأنواع لا تقوم العمليّة الجنسيّة على أيّ وضعيّة تستلزم إيلاج العضو الذّكري في العضو الأنثوي، مثل العقارب على سبيل التّدليل. هذا بينما هناك ممارسات جنسيّة يقوم بها الإنسان منذ لحظة تشكّل وعيه الجنيني والطّفولي، هي التي وصفها فرويد بالمراحل الخمسة. فهنا ليس بالضّرورة أن يكون هناك عضو جنسي وما شابه. ولكن، بما أنّنا نتعامل مع الحالة الإنسانيّة المستقلّة تحديداً، أي عندما يصبح الإنسان شخصاً ذا استقلاليّة وغير محتاج إلى جسد أمّه أو أيّ إنسان آخر، هل يجوز لنا أن نركن إلى التّعريف أعلاه، حتّى ولو باحتراز وتحفّظ؟ تبدو الإجابة كما لو كانت بنعم، إلاّ أنّ المسألة أكثر تعقيداً من هذا. فبحسب التّحليل النّفساني اللاكاني (نسبةً إلى جاك لاكان  Jacques-Marie Lacan، الطّبيب النّفساني والفيلسوف الفرنسي، 1901م-1981م، أحد أشهر من طوّر منهج فرويد في التّحليل النّفسي؛ يُنطق الاسم "لاكو")، هناك "الحاجّة"، وهي حالة بيولوجيّة تتحقّق في حالة نفسيّة يسمّيها "المطالبة"؛ هاتان الحالتان تختلفان عن حالة ثالثة هي "الرّغبة". بينما يمكن إشباع "الحاجّة" عبر المطالبة، لا يمكن إشباع الرّغبة كونها عمليّة دائريّة وظيفتها الاستمرار في توليد الرّغبة إلى ما لا نهاية؛ تتشكّل الرّغبة عبر رمزيّة اللغة، أي بنطقها، أي بتجسيدها عبر كلمة أو لفظة. للمطالبة وظيفتان، الأولى تحقيق الحاجّة، بينما الثّانية المطالبة بالحبّ. تكمن علاقة ما يقوله جاك لاكو بالجنس كونه يندرج تحت نظريّته المسمّاة "الدّلالات القضيبيّة" Signification of the Phalus، وهي دلالة تختصّ بالنّوعين، الذّكر والأنثى، فالمرأة في حاجتها إلى الرّجل، تستبطن رغبةً قضيبيّة إزاءه كما لو كانت ذكراً؛ وكذا الحال مع الرّجل في احتياجه للمرأة، يستبطن رغةً قضيبيّة كما لو كان أنثى. تتّصف هذه الأدوار التّبادليّة بدرجة عالية من التّناقضات الجدليّة المتعلّقة بالصّراع حول السّلطة التي تُحسم عبر اللغة التي تتيح لنا فضاءً رمزيّاً وبالتّالي تتطوّر إلى أشكال خطابيّة يقسّمها لاكو إلى أربعة أقسام (جاك لاكان: 2006). وهكذا نرى أنّه ليس من السّهل حسم هذه القضايا ضربة لازمٍ؛ فحتّى الطّفل وهو يعيش مراحل رغباته الجنسيّة الأربعة (الفمّيّة، الشّرجيّة، القضيبيّة، ثمّ مرحلة الكمون)، يمثّل لأمّه إشباعاً جنسيّاً معاوضاً لقضيب والده؛ وكذلك الرّجل وهو يمارس الجنس، تمثّل المرأة له إشباعاً جنسيّاً معاوضاً لقضيب متمثَّل.

ولكن ما هي وظيفة الجنس؟ وفي الحقِّ، يكمن التّحفّظ المشار إليه أعلاه في عدم تغطية التّعريف لوظيفة الجنس. وبالطّبع قلّما يختلف إثنان في أنّ وظيفة الجنس هي الحفاظ على النّوع، أي التّناسل. ولكن، هل فعلاً يمارس النّاس الجنس لتحقيق المحافظة على الجنس؟ ربّما في أعماق لاشعورهم! ولكن، ألا يمارس النّاس الجنس في سبيل معايشة ونيل اللذّة والنّشوة؟ فإذا كان الحفاظ على النّوع هو الوظيفة الوحيدة للجنس، فلماذا يستعمل النّاس العديد من الأساليب للحيلولة دون الإنجاب؟ حلاًّ لهذا الإشكال يذهب كولين ويلسون (1986: 14) إلى أنّ الحفاظ على النّوع هو الوظيفة الطّبيعيّة، بينما تحقيق ومعايشة اللذّة هو الوظيفة الإنسانيّة. وهذا يعني ما ذهبنا إليه في منهج التّحليل الثّقافي بخصوص الأصالة والمعاصرة، وكيفيّة استقلال القوالب السّلوكيّة عن وظائفها الأوّليّة تحقيقاً لوظائف جديدة، حادثة. ولكن هذه الحالة تختلف في كون اللذّة والنّشوة المصاحبة للعمليّة الجنسيّة هي نفسها مبثوثة في بنية الفعل، وليست شيئاً طارئاً ولاحقاً. ولكن، مهما كان الاختلاف، فهذا لا يبعد بنا كثيراً عن مشارف الاستقلاليّة في الفعل الجنسي. إذ إنّ الجنس ليس فقط مشروعاً لعمليّات الإعلاء والتّسامي بحسب، بل في تحقيق هذا الإعلاء يكمن تحقيق درجات أعمق من الإنسانيّة، كأن يصبح الجنس وسيلة للتّعبير عن الحبّ، وفقما سيأتي أدناه. ولكن هذا لا يعني أنّ اللذّة والنّشوة المتَحصّلة من العمليّة الجنسيّة تمثّل حالةً من الإسماء والإعلاء. فالشّخص الذي يمارس الاغتصاب، إنّما يفعل هذا بغية معايشة هذه اللذّة ولو كانت على حساب شخص آخر سوف يتأذّى منها أيّما أذى. هذا فضلاً عن أنّ طلب الجنس عند الحيوانات نفسها لا يخلو من سعي محموم لنيل هذه اللذّة وهذه النّشوة. على هذا، لا يمكن الرّكون إلى خلاصة أنّ وظيفة اللذّة ذات بعد إنساني على إطلاقها. إذن، لا تزال المشكلة تراوح مكانها.

ولكن، لا زالت أمامنا فرصة كبيرة للأخذ بما قاله كولين ويلسون، ذلك أنّ العاطفة المبثوثة في الجنس، من حيث وظيفته البيولوجيّة المتمثّلة في الحفاظ على النّوع، إنّما تتحقّق عبر مؤسّسة الأسرة التي ليست سوى جماع لأرقى العواطف الإنسانيّة ألا وهي عاطفة الأمومة والأبوّة (مع وجودها في الحيوانات). وما يميّز هذه العاطفة في إطارها الإنساني عن تلك الحيوانيّة، كون الأولى تنهض على تكريم وتشريف الإنسان بمحضه الحبَّ صافياً لمحض بشريّته وإنسانيّته، وهو ما تعرّضنا له لدى حديثنا عن الأسرة وفق مفهومنا الثّقافي. وهذا ما يعني عندنا تحويل الجنس إلى وسيلة للتّعبير عن احتياج عاطفي قوامه الحبّ لإنسان آخر. وعندي، ما نفر الإنسان من جماع المحرّمات إلاّ كون الجنس فيه، كحالة من حالات وسائل التّعبير عن الحبّ المحض، يصبح منتقضاً بموجب علاقة القرابة التي تنهض في أصلها على حبّ من نوع آخر هو الرّباط الأسري. إذن، يجوز لنا أن نأخذ برأي كولين ويلسون القائل بأنّ اللذّة والنّشوة وظائف إنسانيّة يحقّقها الإنسان (وفق منظوره الوجودي الذي نأخذ به أيضاً) بمحض إرادته الحرّة.

 إذا كان هذا كهذا، فماذا عن الرّغبة الجنسيّة في قوامها الطّبيعي الغريزي البيولوجي؟ هنا أيضاً يسعفنا كولين ويلسون (المرجع السّابق: 18)، إذ يقول: "وينبغي هنا أن أُشير إلى حقيقة أساسيّة، وهي أنّ الرّغبة الجنسيّة في أبسط صورها هي أحد مطالب العضو التّناسلي، وهي ملازمة له تماماً ...". إذن، هل يمكن أن نخلص إلى أنّ هناك الوظيفة الطّبيعيّة للجنس، وهي حفظ النّوع عبر التّناسل؛ ثمّ هناك اللذّة والنّشوة وهي الوظائف الإنسانيّة التي يحقّقها الجنس للإنسان في حالة تساميه وفق إرادته الحرّة في أن يظلّ حيواناً ناطقاً أم إنساناً أسمى؛ ثمّ هناك الرّغبة الجنسيّة التي تجعل العضو التّناسلي في حالة من التّكهرب والشّحن المستمر ما لم يتمّ تفريغه؟ فكما يقول ويلسون (المرجع نفسه: 19): "وقد يُفاجأ رجل منغمس في أفكار بعيدة عن الجنس برعشة داخليّة حين يحتكّ بجسمٍ ما، ذلك أنّ كهرباء جنسيّة سرت في جسمه حينذاك". ولكن، ألا يمكن النّظر إلى الوظيفتين الأخريين على أنّهما شيء واحد؟ فكلاهما ينطلقان من مشروعيّة اللذّة والنّشوة التي أساسُها هذه الكهربيّة التي تعتري العضو التّناسلي (ليس بالضّرورة حالة الانتصاب بالنّسبة للرّجال). وبالفعل، هذا ما نركن إليه في هذه الجزئيّة، ألا وهو النّظر إلى وظائف الجنس من عين الزّاويتين اللتين يحدّدهما كولين ويلسون ابتداءً، فكلاهما تشتغلان بالرّغبة الجنسيّة المنتشرة في كلّ الجسم، بينما يتطلّب تفريغُها أن تتمركز في العضو التّناسلي. وإنّما لهذا جاز النّظر إلى الختان على أنّه جريمة، كونه يقوم بإحداث تدمير متعمّد في العضو الجنسي الذي تقع عليه عمليّة التّفريغ. فالشّحن الجنسي الرّغبوي يمكن أن تلعب فيه النّظرة أو اللمسة أو الذّكرى، بينما لا مناص لتفريغ هذه الشّحنات من التّمركز في العضو التّناسلي.

إذن، نخلص، في هذه العُجالة، إلى نتيجتين ممكنتين بخصوص الجنس وإمكانيّة التّسامي الإنساني به، ذلك بإدخال تعديلٍ طفيف في فهم كولين ويلسون، اتّباعاً للمبدأ الوجودي القائل بأنّ الإنسان هو الذي يصنع وجوده، أي فعل الإرادة الإنسانيّة الواعية. الإمكانيّة الأولى هي التّسامي بالجنس ليصبح وسيلة للتّعبير عن الحبّ انطلاقاً من وظيفته البيولوجيّة الطّبيعيّة، كأن يتزوّج إثنان دونما سابق معرفة، وربّما دون أن يريا بعضهما، فإذا بهما يتمكّنان من تحقيق هذه التّسامي في مقبل أيّامهما. الإمكانيّة الثّانية هي التّسامي بالجنس ليصبح وسيلة للتّعبير عن الحبّ انطلاقاً من وظيفته الإنسانيّة المتمثّلة في معايشة اللذّة؛ إذ قد يلتقي إثنان بطريقة غير مدبّرة، فيمارسان الجنس طلباً للذّة الجسديّة، فإذا بهذا يتدرّج ليبلغ مراقي التّسامي والإعلاء. فاجتماع إثنين لا يعرفان بعضهما على رغبة جنسيّة بحتة قد ينجم عنها درجة عالية من الوجد والسّعادة، ومن ثمّ القرب بينهما بما يسمح لاحتمالات كبيرة للتّسامي وإعلاء هذه العاطفة الوليدة إلى حب محض يستدعي بدوره عمليّات جنسيّة لاحقة للتّعبير عنه. كلّ هذا ممكن ومحتمل، بيد أنّا نحمل إمكانيّة ثالثة لتحقيق هذا السّموّ والإعلاء، يقوم أساساً على استكناهٍ جماليٍّ لمفهوم العفّة والطُّهر، وذلك بأن يرتفع السّلوك الجمالي بخصوص الجنس فلا تهتاج له رغبة إلاّ تعبيراً عن الحبّ، وهو ما سوف نتناوله أدناه، لكن ليس قبل أن نناقش، أوّليّاً، جزئيّة البعدين الحيواني والإنساني في العمليّة الجنسيّة.

 

الجنس بين الحيوانيّة والإنسانيّة

هل هناك فرق أدائي، ذي أساس جمالي، في العمليّة الجنسيّة ما بين الحيوان والإنسان؟ فالعمليّة الجنسيّة عند الحيوان يمكن وصفها بإجمال أنّها محكومة بالفرق النّوعي، وربّما، بدرجة كبيرة، بمواعيد النّتاج والتّزاوج. فحتّى في غالب مجتمعات القرود، بما لها من صلة تطوّريّة بالإنسان، يقوم الذّكر الأبوي patriarch بمجامعة كلّ الإناث اللائي يقعن في داخل دائرة عصمته بوتائر يمكن وصفها بأنّها متساوية إلى درجة كبيرة. هذا ما يمكن وصفه بالإجمال بخصوص الحيوانات، الثّديّات منها على وجه الخصوص. فهل يا ترى هذه هي الطّريقة نفسها التي يمارس بها الإنسان الجنس؟ ربّما نعم؛ وربّما لا!

نعم، هي نفسها الطّريقة التي يمارس بها الرّجال الجنس في حال تعدّد الزّوجات وجوباً؛ أي أنّه من الواجب على الذّكر في هذه الحالة أن يتحرّى مضاجعتهنّ بطريقة قائمة على المساواة، وهذا ما يعرف بمفهوم العدل بين الزّوجات في الفقه الإسلامي. بالطّبع، لا يمكن أن يتحقّق هذا العدل بهذا الفهم مهما جهد الرّجال متعدّدو الزّوجات. وهذا نفسه ما يقوله القرآن: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النّساء مثنّى وثلاث ورباع فإن خفتم ألاّ تعدلوا فواحدة﴾ [النساء: 3]؛ وفي نفس السّورة يقول القرآن: ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النّساء ولو حرصتم﴾ [النساء: 129]. فإذا كان هذا هو الوضع في حال وجوب العدل، إذن فنحن كأبعد ما نكون في أيّ حال أخرى. والحالة الأخرى هي الانتقائيّة والاصطفائيّة، والثّانية أرقى من الأولى. فالإنسان، ذكراً كان أم أنثى، معروف بأنّه انتقائي. فالرّجل ــــ وهو الذي يعنينا هنا ــــ في مواجهة أيّ مجموعة من النّساء، ينحو جماليّاً وجنسيّاً لانتقاء واحدة منهنّ بعينها؛ وهو بالطّبع الحال نفسه مع المرأة إزاء مجموعة من الرّجال. عمليّة الانتقاء هذه قد تبدو على أنّها حسابيّة بحتة، أشبه ما تكون بعمليّة انتقاء الأحصنة أو الحمير لشرائها؛ ومن قبل كان الحال نفسه مع العبيد. إلاّ أنّ المسألة محكومة بجملة معايير جماليّة مبثوثة داخل بنية النّفس. ومناط الانتقائيّة هذه هي إعمال النّظر المادّي. أمّا الاصطفاء فهو عمليّة أكثر تعقيداً كونه لا يعتمد على، أو يتجاوز، إعمال النّظر، لينبع من أعماق اللاشعور، وربّما دون وعيٍ من صاحبه. فجرثومته تتخلّق في سياق التّفاعل الثّقافي واالجتماعي الحرّ والعفوي، ليجد الإنسانُ نفسَه، بعد فترة من الزّمن، تميل إلى شخص بعينه؛ وربّما ما كان ليستوفي الشّخص المصطفَى هذا الشّروط الجماليّة الواعيّة في حال إعمال النّظر. ولهذا وسمنا هذه العمليّة بأنّها أكثر رقيّاً وتعقيداً.

ينماز الإنسان، بإجمالٍ، عن الحيوان بكلا هاتين العمليّتين: الانتقاء والاصطفاء. وقلنا "بإجمال" لأنّ هناك أناساً يعجزون عن أن يتساموا بنزعاتهم الجنسيّة إلى هذا المستوى الإنساني، لينزلقوا نحو درك الحيوانيّة. فالرّجل من هذا النّوع (وكذلك الحال مع المرأة) تتساوى عنده النّساء جميعاً كونهنّ إناثاً يمتلكن جهازاً تناسليّاً أنثويّاً. هؤلاء بشر حيوانات؛ والآخرون بشر إنسانيّون. وبهذا تصبح وحدانيّة الزّوجاتmonigamy  تحقيقاً لإنسانيّة البشر في مضمار عروجهم نحو الكمال المطلق، وهو ما عنته الآية القرآنيّة ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النّساء مثنّى وثلاث ورباع فإن خفتم ألاّ تعدلوا فواحدة﴾ [النساء: 3]، وبما أنّ الرّجال لن يستطيعوا، فلا مناص من واحدةٍ إذا أرادوا العدل، وليس أرقى من العدل. ولكن أين يكمن العدل في حال كونها زوجة واحدة؟ يكون العدل في الإخلاص وذلك بأن يتمّ تنزيه النّفس في خلجاتها الخفيّة، غير المعلومة، من نزعة التّعدّديّة، شرعيّةً كانت (أي وفق الفقه التّقليدي) أم غير شرعيّة (عبر الخيانة). فالإخلاص الحقّ ليس هو فقط انتفاء العموميّة الجنسيّة داخل بنية النّفس الواعية وغير الواعية، بل انتفاء الانتقائيّة أيضاً جرّاء الإشباع الجمالي التّام المتحقّق من أصالة الاصطفاء. فلا مجال هنا لانبثاق الرّغبة لإعمال النّظر تمليّاً رغبويّاً في الحسناوات، دع عنك العموميّة الجنسيّة. وما الرّغبة، خفيّة أو قويّة، للتّعدّديّة الجنسيّة، في حال الزّوجات أو حال العلاقات غير الشّرعيّة، إلاّ الحبل السُّرّي الذي يربطنا وبالتّالي يشدّنا إلى حيوانيّتنا الغابرة. وبما أنّ الإنسان، مهما أوغل في العموميّة الجنسيّة، لا يمكن أن ينكص تطوّريّاً ليعود حيواناً كما كان في الزّمن الغابر، لذا تراه يترنّح ما بين العموميّة الجنسيّة، والانتقائيّة، والاصطفائيّة دون رشادٍ أو سداد. فإذا كان هذا الإنسان رجلاً (كما هو غالب الحال)، أصاب المرأةَ منه ظلمٌ فادح لا يمكن وصفه؛ والعكس بالعكس صحيح.

 

علاقة النّوع ونزعة امتلاك القطيع

تحلم المرأة بأن تكون محطّ إعجاب جميع الرّجال ما أمكنها ذلك بنفس القدر الذي يسعى فيه الرّجل لأن يكون محطّ إعجاب جميع النّساء. فما هو يا تُرى المصدر القديم لهذه النّزعات؟ في الواقع يصدر كلا المرأة والرّجل عن نزعة نفسيّة عميقة وموغلة في القدم تنحو إلى استتباع الآخر. فالمرأة لا تسعى فقط إلى نيل إعجاب الرّجال، بل تسعى في الحقيقة إلى امتلاكهم، باستتباعهم ــــ أي أن يكونوا تُبّعاً لها ــــ حسبما كان عليه الحال إبّان المجتمعات الأموميّة، حيث كانت النّساء الأمّهات matriarchs يتنافسن في استتباع أكبر قدر من الرّجال وضمّهم لقطيع الأزواج. كما توجد في الرّجل نفس هذه النّزعة، ذلك منذ سيادة النّظام الأبوي حيث قام الأب الأكبر patriarch باحتكار جميع النّساء في القبيلة، طارداً أيّ ذكر يبلغ مبلغ الرّجولة ويمكن بالتّالي أن يشكّل له خطراً. وهكذا تشكّل قالب سلوكي في مرحلة لاحقة بعد، مؤدّاه تنافس الرّجال الكبار patriarchs في استتباع وضمّ أكبر عدد من النّساء لقطيع الزّوجات. والآن لا تزال مخلّفات هذا القالب السّلوكي ماثلة للعيان فيما يُعرف بتعدّد الزّوجات poligamy عند الرّجال، هذا بينما رقّ وخفّ تجلّيه عند المرأة جرّاء انهيار النّظام الأمومي. ومع هذا، لا تزال مخلّفاته موجودة، وما سعي المرأة لتكون محطّ أنظار الرّجال إلاّ من آثاره الآبدة. فهذا القالب السّلوكي قد كمُن في أعماق اللاشعور عند المرأة، بينما برز منه الجزء المتحوّل جرّاء استقلاليّة القالب، ليتكرّس عبر تجمل المرأة وتزيّنها، لا جذباً لأنظار الرّجال حصراً، بل لاستعادة تماسكها النّفساني مقابل انتهاك حقوقها وانهيار مملكتها.

تمثّل هذه العمليّة جانباً مهمّاً من الخلفيّة النّفسية التي تقوم عليها العلاقة بين النّوعين، وما ينجم عنها من شدّ وجذب، تأرجحاً بين العلاقة العابرة، أو حبّاً كان أم زواجاً. وقد بدأت هذه العلاقة متناقضة وغير جدليّة كونها تقوم على الإخضاع، ثمّ نجم عنها وضع جدلي جديد باستقلاليّتها. وهكذا قد يؤدّي هذا القالب السّلوكي في حال تكامله إلى علاقة زوجيّة متوازنة. ولكن قد يؤدّي في حال انفصامه و/أو تقاصره عن تحقيق هذه الاستقلاليّة إلى علاقة زوجيّة قائمة على الخيانة؛ وليس فقط في طور خيانة علاقات الحبّ خارج مؤسّسات الزّواج الاجتماعي المتعارف عليه، بل في مستوى الفكرة والنّيّة. ومناط تكامليّة هذه العلاقة الجدليّة هو التّوازن في عمليّة التّأرجح بين الاستتباع (بين الطّرفين) من جانب، والاستقلاليّة من الجانب الآخر. وهذا أيضاً مناط الإحساس بالثّقة بالنّفس، وليس ثقةً بالطّرف الآخر بالضّرورةً. دعونا نضرب مثلاً بالزّوج الذي يشعر بأنّ زوجته المحبّة له لا تسيطر عليها أيّ نزعة لاستتباعه، كونها قد حقّقت استقلاليّتها من كلا روح القطيع الأنثويّة (استتباعها للرّجل) والذّكوريّة (استتباع الرّجل لها)، وأنّها شخصيّة واثقة من نفسها بحكم استقلاليّتها، وأنّ ما يجمعهما من حبّ ليس مشروعاً استتباعيّاً، بل يقوم في لُحمته وسَداه على التّكامل والمشاركة المتوازنة. هذا الرّجل يمكن أن يعيش في أزمة ماحقة إذا لم يكن بالمثل قد حقّق هذه الاستقلاليّة التي نجحت فيها زوجته المحبّة. فهي غير مسستتبِعة له ولا مستتبَعة من قبله، كونها قد حقّقت استقلاليّتها. مثل هذه المرأة لا مناص من أن تكون وظيفة الحياة عندها الخلق والإبداع، لا التّعيّش على ما أبدعه الآخرون ـ أي أن يكون لديها مشروع إبداعي كيفما كان، منه تستمدّ العزم على المُضِيّ قُدُماً في هذه الحياة. كما مثل هذا الرّجل غالباً ما يشعر بالانجذاب إلى امرأة أخرى، أو يُعمل كلّ ما في رصيده الفحولي لجذب امرأة أخرى (على أقلّ تقدير)، أكان ذلك انجرافاً منه وراء نزعة ذكوريّة لخلق قطيعه النّسوي، أو انصياعاً منه لنزعة أنثويّة لامرأة أخرى تسعى لتكوين قطيعها الرّجالي، أو لكليهما تنافساً فيما لا شرف فيه. من المؤكّد أنّ هذا السّلوك سوف يسبّب ألماً كبيراً لزوجته المحبّة في حال انكشاف أمر هذه العلاقة. ولكن، مع كلّ هذا، فإنّ زوجته، مع كلّ الصّدمة والإحساس بالخذلان، لن تصاب بانهيار عصبي وتنشلّ حياتُها؛ إذ لن تعمد إلى أكثر من اطّراحه جانباً (مضمّدةً من جراحها دون اجترارها) لتواصل مشروعها الإبداعي الخلاّق المتمثّل في إنتاج الحياة وإنمائها، لا على اعتلاف ما أنتجه الآخرون. فهي هنا أشبه بالقطار الذي يواصل سيره  في طريقه دون تأخير أو تغيير لمساره بسبب نزول الرّكّاب. فمثل هذا الرّجل الذي يعيش مع امرأة من هذا النّوع يقف بإزاء تحدّيات خطيرة؛ فهو إمّا أن يسقط في الاختبار فيفعل ما أشرنا له أعلاه فيفوته القطار، أو أن يدخل في معمعمة معارك ضارية داخل ذاته، ليخرج منها منتصراً بتحقيق استقلاليّته وذاته بمثل ما عليه حال زوجته، مكرّساً بذلك من حبِّه لها، لينطلقا معاً في سبيل تحقيق مشاريعهما الإبداعيّة سويّاً. لا مشاحة من أن نُشير إلى أنّ هذا المثال الذي ضربناه بالرّجل يمكن أن يُضرب أيضاً بالمرأة.

وبعد؛ لا بدّ من التّنويه إلى عدّة محذورات منهجيّة. فممّا لا شكّ فيه أنّ بين هاتين الدّرجتين من الوعي (درجة القطيع الحيوانيّة ودرجة الاستقلاليّة الإنسانيّة الخلاّقة) توجد درجات ودركات هي ما يتوزّع عليها أغلب قطاعات المجتمع؛ كما بينهما سحائب رحمة وسخائم نقمة، وعذابات وجراحات تتراوح. أي أن المجتمع لا ينقسم رياضيّاً بين هاتين الدّرجتين؛ كما إنّ الوصول إلى إحداهما لا يعني موقفاً صمدانيّاً لا يأتيه الباطل، فالتّقلّب والتّحوّل من صفات النّفس البشريّة لديناميكيّتها واشتمالها على عدد غير محصي من المتغيّرات. كما لا بدّ من محذور منهجي آخر، ألا وهو افتراضيّة أموميّة وذكوريّة المجتمع. فهذه البُنى النّظريّة لا يجوز الرّكون إليها بوصفها مسلّمات وقائعيّة، بل بوصفها نماذج نظريّة لتقريب الشُّقّة بين التّجريد والواقع، بين الماضي من جانب، وبين الحاضر من جانب آخر، ذلك لاستشراف المستقبل. ومثل هذا ما أشار إليه فرويد فيما يتعلّق بعقدة أوديب (اشتهاء الابن لأمِّه وتنافسه الكامن مع والده عليها) في مقابل عقدة أليكترا (اشتهاء البنت لأبيها وتنافسها مع أمِّها عليه). فهذه البُنى تكون أكثر فائدة لدى التّعامل معها بوصفها نظريّات تجريديّة ربّما كانت تقوم على وقائعيّةٍ ما في زمن سحيق وضارب في القدم. ومثل هذا المحذور قد وردت الإشارةُ منّا إليه في أكثر من موضع من هذا الكتاب، فليؤخذ هذا الأمر على محمل الجدّ. ولتبيان ما نذهب إليه، دعونا نتصوّر الكيفيّة التي كنّا سنفهم بها دلالات عقدة أوديب لو لم يقم فرويد باستقرائها من تلك الأسطورة اليونانيّة!

شارك علي الفيسبوك