الحزام الملتهب ، تتعدد النزاعـات وتتطابق المسـببات ( 2-2 )

نشرت يوم

 (photo: )

تقرير خالد فضل

" لقد ظل النوبة على مـر الدهور والحقب يستصـرخون صناع القرار فى الخرطوم ويلتمسون منهم العدالة الإجتماعية ... وبدلاً من ان ينال النوبة قسطاً مما طلبوه وجدوا شطط النمـيرى 69- 1985م، وصلف الصادق 86- 1989م واخيراً الحقد القاتل من جبهة الترابى ( 89-   ) الظلم فى الجبال موغل فى القدم واللهث وراء العدالة أقدم ... د. عمر مصطفى شركيان ، ضمن د. محمد سليمان محمد " السودان حروب الموارد والهوية ( ط 1 2000م ) .

 هكذا تبدأ دورة العنف فى جبال النوبة ، ويحتدم الصراع فى ذلك الجزء من السودان . ولتكون الجذرو الاوضح له وتوصيفه كذلك بأنه نزاع حول الموارد من أراضي زراعية ومرعى ومحاولات تأمين مسـار أنبوب النفط إلى صـراع الهوية والانقسام العرقى مؤخراً ... بينما نجد أن الفاعلين الرئيسين فى ذلك الصراع ومنذ العام 1984م هما الجيش الشعبى لتحرير السودان قطاع جبال النوبة – سابقاً – الجيش الشعبى بشمال السودان راهناً ، ضد الجيش الحكومى ومليشيات القبائل العربية والدفاع الشعبى والأجهزة الامنية المختلفة حالياً .، يقول د. عطا الحسن البطحانى فى كتابه جبال النوبة : الإثنية السياسية والحركة الفلاحية 1924م – 1969م ، وهو عبارة عن رسالة لنيل درجة الدكتوراة ( ط 1 ، 2001م ) . يقول : إن السمة التى تميز العلاقات السياسية بين المجموعات العربية الغالبة فى السودان الشمالى وبين المجموعات الإثنية غير العربية ، هو التوزيع غير المتكافئ للسلطة والموارد الإقتصادية ، وهذه المقولة رغم ما يمكن أن تثيره من جدل إلا أنها تستحوذ على مزاج ومشاعر الكثيرين من مواطنى جبال النوبة من السياسيين ومزارعى القطن والطلاب إذ يرون أن الدافع المشترك للآحزاب السياسية الشمالية على الرغم من اختلاف توجهاتها هو الابقاء على سيطرتها على الساحة السياسية مع تهميش الهوية الثقافية والوطنية للمجموعات الإثنية غير العربية .. وعن قضايا التهميش يطول الحديث ويتشابه وان تعددت مصادره ، ففى إفادة للمحرر من السيد دانيال كودى القيادى السابق بالجيش الشعبى والحركة الشعبية لتحرير السودان .. أوضح أن أسباب انضمامه للجيش الشعبى فى منتصف الثمانينيات قد جاء متوافقاً مع ما كان يراه من مظالم وتهميش واهمال وقع على مناطق جبال النوبة من جانب  حكومات الخرطوم مما استوجب حمل السلاح لنيل الحقوق والدفاع عن الهوية وتأكيد الذات ...

 إن الصراع على الهوية يبدو فى غالب النزاعات المسلحة كتطور طبيعى لاستمرار النزاع ، وفى حالة الهامش السودانى  ، نلحظ أن الصراع ذى الطبيعة العرقية ، او الصراع على الهوية قد استخدم كأحد الاسلحة الحكومية لقمع تطلعات المواطنين فى تلك المناطق ، ولجهة سيطرة العناصر العروبواسلامية على مقاليد السلطة والثروة فى البلاد فإنه يسهل تمرير مثل تلك المفردات فى أوساط ثقلهم العرقى  والإجتماعى مما يسهم بصورة واخرى فى حشد التأييد ولو المعنوى للحملات والإجراءات القمعية المنظمة التى تقودها الحكومة ضد تلك المجموعات ، وفى ردة فعل يأتى التقوقع كذلك والتمترس خلف الهوية والاثنية كأحد الخيارات المتاحة للحركات المناوئة ..

 وفى منطقة الجبال يلحظ د. البطحانى أن النخبة النوبية المنتمية للبرجوازية الصغيرة قد أسست حركة سياسية إقليمية مناوئة لسيطرة التجار من غير النوبة ( الجلابة ) وكبار موظفى الدولة مستندة على تظلمات فئة صغار الفلاحين فى المنطقة . فيما يرى د. محمد سليمان ( السودان حروب الموارد والهوية ) أن أسباب النزاع المسلح فى المنطقة يعود لجملة عوامل منها ، منح أخصب الاراضى لاقطاعى الأرض مى الجلابة المتغييبن عن المنطقة ، والجفاف الذى دفع بأعداد كبيرة من البقارة ومواشيهم الى منطقة الجبال وحرصهم على تحويل وجودهم المؤقت الى دائم ، والحصار الذى تعرضت له المسارات التقليدية للماشية شمالاً وشرقاً تحت راية ما سمى بمشروعات التنمية وتوسع مشاريع الزراعة الآلية ، تراكمات سياسات الحكومات المركزية الجائرة وتنفيذ أذرعها الإقليمية الشائهة وعسف وكلائها المحليين ، وضرورة تأمين خط أنابيب النفط العابرة جبال النوبة فى طريقها الى ميناء التصدير .

 بالنتيجة ، وكما هى الصورة للنزاع فى دارفور ، نلحظ أن الموارد بما فيها الارض ، مع الهوية ، قد شكلا بالفعل جذراً متحداً لصراع ما زال مستعراً فى جبال النوبة من تنظيم كومولو الى الحركة الشعبية . ولعل فترة الإنتخابات التكميلية التى أجريت فى 2011م وما تلاها من أحداث قد وضع كل تلك الجذور على الواجهة بصورة سافرة ، وما خطاب رئيس الجمهورية أثناء الحملة الإنتخابية لمرشح حزبه " احمد هارون  " لمنصب الوالى ، إلاً إشهار رسمى لما ظل يدور من ممارسات فعلية ، وفى تحريض الرئيس على صعود الجبال والكراكير بالحصان والبندقية والدبابة .. إشارة كذلك الى نوع التحالف ذى الطبيعة الإثنية الذى يدير الحرب فى مواجهة ما وصفه مواطن نوباوى اسمه فاروق اسماعيل من منطقة ارض كينان فى جبل ليمون : ( نحن نحارب من اجل إستعادة كرامتنا ، والمحافظة على ثقافتنا ، كمسيحيين  نقاوم نظام الجبهة لأسلمتنا ، وكأفارقة نقاوم التعريب ، نحن ننتمى الى شعب جبال النوبة ونود ان نحافظ على تراثنا التاريخى ، العرب يريدون أرضنا لأنها ذات إمكانات كامنة غنية ولمعادنها وخصوبتها وثروتنا الحيوانية ..

 أما الامتداد الثالث لحزام اللهيب السودانى ، منطقة الانقسنا ، أو جنوب النيل الأزرق .، والتى اشتعل القتال فيها منذ العام 1984م عبر كتائب الجيش الشعبى لتحرير السودان قطاع الفونج ، وبحسب د. محمد سليمان ، فانه نزاع حول الموارد من أراضىٍ زراعية ورعوية وثروات معدنية ، شابه انقسام عرقى مؤخراً .، ولطبيعة المنطقة المنبسطة نوعاً ما ، قويت أواصر التداخل القبلى حتى أصبحت منطقة النيل الأزرق تعج بمجموعات متبانية تمتد جذور بعضها الى خارج الحدود ، الى ذلك فإن أول مملكة إسلامية فى السودان قد نشأت على تخوم تلك المنطقة مما جعل من عنصر الدين الاسلامى من العوامل الحاسمة فى مسيرة تلك المناطق ، جنباً الى جنب مع  العادات والتقاليد المحلية الراسخة . وبانضمام بعض قادة النيل الأزرق للجيش الشعبى إبتدأ فصل جديد من النزاع المسلح وعلى خلفية المناداة بازالة التهميش والحيف التاريخى الذى لحق بالمواطنين وحرمهم بالتالى من حقوقهم فى المواطنة الكاملة ، وحرم مناطقهم من ادنى الخدمات كمياه الشرب والتعليم والصحة والطرق والمشروعات الزراعية والصناعية رغم أن المنطقة تعتبر ثرية بكل المقومات المادية والبشرية لتكون فى وضع أفضل ..

 هكذا إذاً ، دخلت منطقة جنوب النيل الأزرق ضمن حزام اللهيب السودانى ، وفى إشارة ياسر عرمان الامين العام للحركة الشعبية لتحرير السودان بجمهورية السودان رداً على تصريح منسوب للصوارمى سعد خالد الناطق الرسمى باسم القوات المسلحة الحكومية عقب استيلاء مقاتلى الجيش الشعبى على منطقة ( مقو ) بالنيل الأزرق  ، عندما توعد ياسر عرمان " بأن على الصوارمى أن يستعد لصيف طويل طول المسافة ما بين دارفور والنيل الأزرق " وبالطبع لا يفوت على المراقب أن يشمل ذلك الامتداد مناطق جنوب كردفان – جبال النوبة – خاصة وأن تحالفاً سياسياً وعسكرياً قد نشأ حديثاً باسم جبهة القوى الثورية قوامه الأساسى هو الجيش الشعبى فى منطقتى جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق وبعض الحركات المسلحة فى دار فور ....

 

شارك علي الفيسبوك