مستقبل دارفور بعد عشرة أعوام من النزاع : الفوضى الشاملة أم الانفصال؟

نشرت يوم

موقع (ق):

في مثل هذه المخيمات يعيش اكثر من 4 ملايين لاجئ ونازح دارفوري (photo: )
في مثل هذه المخيمات يعيش اكثر من 4 ملايين لاجئ ونازح دارفوري

قراءة: صالح عمار

الآن وبعد عشر سنوات من الحرب الطاحنة، وصلت كل الأطراف في صراع دارفور لمرحلة مايمكن تسميته بـ "الافلاس الشامل"، ولم يعد بامكان اي طرف: حسم المعركة عسكريا على الارض، أو التوافق علي حل سياسي.

فالحكومة بقيادة المشير البشير فشلت في اعادة الامن للاقليم، وحسم التمرد عسكريا، كما أعلنت في عدد من المرات، او كسب ثقة أهله، بل وتتحمل وفقا للمحكمة الجنائية الدولية المسؤولية عن تهم بارتكاب ابادة جماعية ضد الاهالي.


ويعد اسناد الملف للدكتور امين حسن عمر؛ وهو من قيادات الصف الثاني في تركيبة السلطة بالخرطوم، مؤشراً علي الشلل الذي اصاب الحكومة في مواجهة الازمة الاخطر في تاريخها والتي تحول بسببها الرئيس البشير لمتهم جنائي في سابقة هي الاولى في العالم لرئيس دولة يمارس صلاحياته.

وتدير الحكومة الآن ملف دارفور بعقلية تكتيكية وبسياسة مايعرف بـ "رزق اليوم باليوم" السودانية المشهورة، ومن حين لآخر تلجأ وبتواطؤ من قوى اقليمية ودولية لها مصلحة في استمرار الصراع لاطلاق بالونات لشغل الرأي العام المحلي والدولي مثل : الاتفاقيات مع بعض الحركات المسلحة، واستحداث ولايات جديدة، وربما ايضا تشجيع شخصية مثل د.التجاني السيسي لخوض انتخابات رئاسة الجمهورية القادمة.

اما الحركات المتمردة فقد فقدت هي الاخرى زمام المبادرة بسبب انقساماتها المستمرة، وغياب الرؤية السياسية الواضحة والشاملة لمعظمها بحيث لم يعد يعرف الكثيرون: ماذا تريد بالضبط وكيف ستحققه؟ ومصداقيتها في ماتنادي به. وليس من المتوقع - في ظل هذا الحال – اثبات مقدرتها علي القيام بخطوات عسكرية او سياسية تستطيع من خلالها احداث اختراقات او انتصارات جوهرية تؤثر على موازين القوى بالاقليم.

ولايبدو أن الشعب السوداني في بقية الاقاليم والمجتمع المدني احسن حالا، فهو الغائب الاكبر  والأبعد عن مايجري في دارفور، ولم يكن له تأثير يذكر حتى بشكل رمزي مثلما ظلت تقوم به الشعوب العربية من دعم للقضية الفلسطينية علي سبيل المثال، ويظل هذا الوضع سببا لغضب الدارفوريين الصامت والمعلن.

المجتمع الدولي من جهته يبدو وكأنه قد تحول ايضا لمراقب للاحداث وادار ظهره للازمة، بعد ان اسهم في رفع مستوى الاهتمام بها في سنينها الاولى. ومن مؤشرات الانصراف وقوفه خلف اتفاقية الدوحه كمنبر واتفاقية وحيدة للحل، بينما يُدرك حتى من لامعرفة عميقة له بالازمة أن حلها اكبر بكثير من مقدرات قطر واتفاقية الدوحه. وأثبت فشل مؤتمر المانحين الاخير لدعم دارفور بالدوحة مطلع ابريل الماضي ان دارفور لم تعد مثار اهتمام العالم.

ومن الثابت ان اهتمام المجتمع الدولي ومن خلفه الولايات المتحده تحول لحل النزاع بين دولتي شمال وجنوب السودان، ولم تعد دارفور ترد في تقاريره الا كملف انساني يحاول من خلاله ضمان وصول الاغاثات لسكانها. وبهذا الوضع، فمن الممكن ان تجد القضايا المعقدة لجنوب كردفان والنيل الازرق طريقها للحل قبل دارفور، لارتباطها المباشر بالازمة بين السودانيين.

ليس هذا فحسب، بل ان هناك شبهات بوجود مصالح لقوى عظمى في الحفاظ علي وضع التوازن الحالي بالاقليم بين الحكومة والحركات المتمردة، ويعتقد مراقبون ان رئيس حركة العدل والمساواة د.خليل ابراهيم دفع حياته ثمنا لتهديده حالة التوازن التي تحافظ عليها هذه القوى الدولية، ونتيجة هذا الوضع المنطقية استمرار الازمة في الاقليم لسنين قادمة.

 المدنيون: معاناة مستمرة وغياب المساندة

مع استمرار الحرب وتكلفتها الباهظة وغياب اي آفاق للحلول، فان المتضرر الاول كعادة كل الحروب هم المدنيون، حيث تُشير الاحصائيات الي ان هناك مايقارب 4 ملايين نسمة مابين نازح ولاجئ من دارفور بسبب الحرب.

وفي وصف الحالة الانسانية التي يعيشون فيها يقول احد النازحين بمعسكر ابوشوك بشمال دارفور: "نحن نعانى فى هذا التوقيت بسبب البرد وعندما يأتى الصيف تزداد معاناتنا، وفي الخريف لا تقوى هذه البيوت المتهالكة على الصمود".

ويقول آخر من سكان نفس المعسكر: " نقيم فى رقعة ارض لا تتجاوز مساحتها عشرة امتار، لم نعد نحتمل البقاء هنا ولو ليوم واحد، ولكننا لا نستطيع العودة إلى مناطقنا دون التأكد من توفر الأمن والخدمات وتعويضنا عن الاضرار التى لحقت بنا وبممتلكاتنا، اذا تم توفير هذه المطلوبات فلن يبق شخص واحد داخل المعسكر"،  ويضيف: " هناك نقص فى الغذاء والدواء والمياه، هذه الاوضاع تضطر حتى الاطفال للعمل فى اسواق المعسكر فى مهن هامشية لتوفير المستلزمات اليومية"، نقلا عن وكالة شينخوا الصينية .

ومع استمرار حياتهم بهذا الشكل لسنين طويلة، والعدد الكبير من افراد عائلاتهم القتلى والجرحى، وغياب الدعم والمساندة من سكان السودان الآخرين، وقيام الحكومة بدعم المجموعات العربية ضد الاهالي من الاصول الافريقية، بجانب وجود جذور تاريخية للصراع بين الدارفوريين وسكان وسط وشمال السودان المسيطرين علي السلطة في الخرطوم، فمن المنطقي والمتوقع أن تنتاب اهالي الاقليم حالة من فقدان الثقة في الدولة برمتها ومكوناتها.

وهي الحالة السائدة في الاقليم الآن ولاتجد من يعبر عنها بشكل اعلامي موسع، بسبب الحصار الاعلامي الذي تفرضه الحكومة، وعدم رغبة الحركات المتمردة الرئيسية في تبني خطاب العزلة والانفصال اعلاميا. ولكن من الثابت ان حالة العزلة للسكان الدارفوريين عن السياق المركزي هي الآن في اقصى درجاتها.

 الفوضى الشاملة أم الانفصال ؟

خلال الشهور الماضية غيرت الحركات الثلاثة الرئيسية المتمردة (بقيادة د.جبريل ابراهيم وعبدالواحد ومناوي) طريقة عملها وطرحت ميثاقا موحدا جمعها مع قوى سياسية اخرى تقودها الحركة الشعبية، وتُشارك مع الحركة الشعبيه في المعارك الدائره الآن باقليم كردفان.

وهي خطوة لايمكن التقليل من شأنها ولها نتائجها في ميزان الصراع لمصلحة التحالف المعارض، غير أنها محكومة بمعادلات محلية ودولية تضع خطوطا وفواصل صلبه بين القضايا الاقليمية تعوق تقدمها.

وتشير كل الدلائل الي ان الحركة الشعبية ستضطر في نهاية المطاف للاستجابة للضغوط الدوليه الهادفة لاعادتها للتفاوض في اديس ابابا حول قضايا منطقتي جبال النوبة والنيل الازرق فقط وتجريدها من الصبغة القومية، وسيواجه تحالف الجبهة الثورية وضعا حرجا.

ومع غياب اي امل لحل الازمة عاجلا او خلال فترة زمنية قريبة، فالنتائج المتوقعة لا تخرج من احتمالين: الحرب والفوضى الشاملة، او طرح مطلب دولة جديدة.

خيار الفوضى الشاملة يعني الغياب الكامل للحكومة والحركات السياسية المتمردة، وانحسار الطرفين في نطاق ضيق، مقابل سيطرة القبائل والمجموعات المسلحة علي كل شئ. وهو وضع مؤشراته ساطعة ويمضي في تزايد كل يوم، ويبدو انه الخيار الارجح.

اما خيار الانفصال فهو رغبة لدى شرائح لها وزنها، ويجتذب اليه اعدادا من ابناء الاقليم الذين يجدون في النموذج الجنوبي حلا واملا للفكاك من قبضة المركز.

وبشكل عام يعيش قطاعٌ عريض من الدارفوريين عمليا حالة انفصال "وجداني صامت" عن باقي السودانيين، وفي حال بادر اي فصيل لتبني هذا الخيار ومضى فيه بجدية فسيجد قاعدةً جماهيرية في انتظاره.

ومايعوق خيار الانفصال والدعوة اليه غياب القيادة الموحدة لكل الاقليم، وانقسام اهله الذين تتحالف مجموعات منهم مع المركز؛ حتي من داخل القبائل الافريقية. ولكن ورغم هذه العوائق، فان بذرة الامل "الانفصالي" موجودة وليس من المستبعد في لحظة ان تجد تأييدا داخليا وخارجيا يجعل من الانفصال طريقا اوحد لحل الازمة.

اما الطريق الثالث والامثل للحل في اطار وحدة السودان - وحتي للمتطلعين للانفصال- فيقوم بحسب مراقبين على تكرار تجربة الامم المتحده في كوسوفو، بتوقيع اتفاقية دولية يصحبها مساعدات مالية ضخمة لتنفيذ برنامج تنموي متكامل، وقوة مسلحة وقضاء مستقل للفصل بين الاطراف المتصارعة وتحقيق العداله، وبرنامج لتدريب وتاهيل ابناء الاقليم لادارة شؤونهم، وهو مايبدو ابعد مايكون في هذه المرحلة.

 

 

 

 

 

 

 

شارك علي الفيسبوك