عيسى إبراهيم *

 

في أمر “أبْ سنين”

* أوردت صحيفة السوداني بعددها الصادر بتاريخ الجمعة 30 يونيو 2017 في الصفحة الأولى خبراً بعنوان: “مصر ترفع سعر البنزين 55% وغاز الطهي 100%”، وفي الصفحة الرابعة بالعنوان التالي: “الحكومة المصرية ترفع أسعار الوقود بشكل مفاجئ”، مضمون الخبر يحكي عن رفع الحكومة المصرية للمرة الثانية خلال ثمانية أشهر اسعار البنزين بنسبة 55% وغاز الطهي بنسبة 100%، حيث كانت قد رفعت تلك الاسعار في المرة الأولى – في نوفمبر الماضي 2016- بنسب تراوحت بين 30 و47%، كما أنها رفعت سعر اسطوانة غاز الطهي “التجارية” بنسبة 100% أي من 30 جنيهاً للاسطوانة التجارية إلى 60 جنيهاً، (أرجو أن يلاحظ القارئ الفطن إلى كلمة “التجارية المربوطة مع الاسطوانة” إذ يشير ذلك إلى أن هناك – بداهة – اسطوانات غير تجارية!)، كل ذلك في اطار خطتها لالغاء الدعم بحلول العام 2018 والعام 2019، بهدف اعادة هيكلة دعم المواد البترولية وفقاً لبرنامجها المتفق عليه مع صندوق النقد الدولي الذي بشرها – وفقاً لذلك – بقروض قيمتها الاجمالية 12 مليار دولار (شريف اسماعيل رئيس الحكومة المصرية قال: الدعم وصل 110 مليارات جنيه وكان سيصل 150 مليار جنيه لو لم يتم رفع دعم أسعار الوقود)، ثم عادت صحيفة السوداني لتورد قول وزير البترول المصري طارق الملا الذي نفى أن تكون مصر ترمي لالغاء دعم الوقود بشكل كامل وانما هي تسعى إلى خفضه فقط خلال ثلاث سنوات!!..

* وفقاً للأسعار الجديدة – حسب صحيفة السوداني – تحرك لتر بنزين 80 (هنا اشارة للنوعية) من 2.35 جنيه إلى 3.65 جنيه، وارتفع سعر لتر بنزين 92 (النوع) من 3.5 جنيه إلى 5 جنيهات، وارتفع لتر غاز السيارات من 1.6 جنيه إلى جنيهين، وارتفع سعر الغاز المنزلي من 15 جنيهاً إلى 30 جنيهاً، (توقعت الصحيفة أن يكون سعر السوق الأسود بين 40 جنيهاً و50 جنيهاً للأنبوبة)، وعزا وزير البترول والثروة المعدنية الأمر واستفحاله إلى زيادة استيرادهم للوقود والمحروقات بسبب تأخرهم في دعم البنية التحتية لقطاع البترول وتطويرها (باضافة معامل تكرير وموانئ)، وأضاف هناك مشروعات كثيرة خلال الفترة المقبلة تغطي 90% من احتياجاتهم للوقود في السوق المحلية، وأشار إلى أنه بحلول العام 2018 سيكون لدى مصر اكتفاء ذاتي من الغاز الطبيعي، ولفت إلى أن تحرير أسعار الوقود ضرورة من ضرورات الاصلاح الاقتصادي، وأشار إلى أن الحكومة خصصت (شايفين كيف؟) جزءاً من الأموال الناتجة عن رفع اسعار الوقود لبطاقات التموين وزيادة المعاشات وزيادة الأجور بنسبة 7% للمخاطبين بقانون الخدمة المدنية، رئيس جهاز التعبئة العامة والاحصاء قال إن السيسي حريص على معرفة تاثير قرار تحريك اسعار الوقود على المواطنين خاصة محدودي الدخل، وأكد – وفق دراسة أجريت – أن أقصى زيادة يتحملها الراكب لن تتجاوز الـ 10% من قيمة الرحلة!..

أها “أبْ سِنْ” كيف؟

* كان من الممكن أن تعطي صحيفة السوداني القارئ خلفية عما حدث في السودان من زيادات تشابه ما حدث في مصر الآن من زيادات في أسعار المحروقات والتي تكررت خدمة للقارئ ليربط ويقارن، ولكن الصحيفة آثرت ألا تفعل ذلك ولا أعتقد أنه كان في امكانها أن تفعل للمفارقة الكبيرة بين ما حدث عندنا (غياب الدولة)، وما حدث في مصر (وجود الدولة العميقة التي أطاحت بـ”سي مُرسي”)!..

* إستهدفت الانقاذ – حين تدفق البترول في أيامه الأولى – حماية غطاءنا النباتي باعلان سعر غاز الطهي المنزلي بـ “9” جنيهات للأسطوانة 12.5 كيلو، تحفيزاً وترغيباً للمواطنين للتحول من الفحم النباتي والأخشاب إلى غاز الطهي، وتدافع المواطنون لشراء الأنابيب والغاز لقضاء حوائجهم المنزلية وحتى التجارية، وكانت النقلة الطيبة بأهدافها الخيرة المعلنة، ومن “ديك وعيك”، ارتفعت الأسعار بصورة تدريجية واحدين قالو “ترحيل”، وواحدين قالو “ما بغتي معاهم وزادوهو حبتين”، وشوية شوية فات “الرُكَبْ”، لغاية ما دخل السوق الأسود، وأصبح أصحاب الرقشات هم ملوك السوق الأسود “تدفع وانت ساكت”، و”رقشة رقشة الغاز نجيبو”، تستلم وما تقول “بِغِم”، وإلا أصبحت عنصر عكننة وتقطع عنك منحة السوق الأسود “السُكَّيتي”، لغاية هنا بلغ سعر السوق الأسود 50 جنيهاً والحال ماشي، والناس ساكتين وحالم ماشي، وفجأة “نسمع جعجعة ولا نرى طحنا”، (اللهم إلا طحناً في الغلابة)، “ورجغة” اجتاحت الجهات الفاعلة والكابحة، كلام غريب يطالب باعادة النظر في تسعيرة غاز الطهي الحالية وتولى كبرها أبَّان حلاقيم، وأبَّان كروش وقروش أثرياء الغفلة والفساد المستشري، وتم فرض تسعيرة بحجج واهية، وغير واقعية، رفعت أسعار الغاز بصورة فلكية، ليس لها أي علاقة بدراسة أو سياسة أو مِراسَة، تستصحب معها حال الغبش وامكانياتهم في التطبيق والتنفيذ (السعر الرسمي في 2016 قبل الرفع كان 25 جنيهاً للانبوبة 12.5 كيلو ارتفع إلى 75 جنيهاً بعد الرفع ثم إلى 135 جنيهاً، ثم إلى 150 – 160 – 170 ويتوقع أن يصل إلى 200 جنيه في الأقاليم، والبديل – الفحم ارتفع الجوال إلى 400 جنيه، يعني “دا حار ودا ما بنكويبو”) والساقية لسَّا مدوِّرة!!..

مقارنات غائبة

* أول ما يمكن أن يقال أن الجنيهين السوداني ورصيفه المصري متقاربان في السعر أمام الدولار، فكلاهما يتأرجح بين حدي الـ 17 والـ 19 أمام الدولار، وبمقارنة بسيطة بين الأسعار عندنا والأسعار عندهم، نعرف الفرق بين ما يكابده المواطن السوداني عما يكابده المواطن المصري، أكثر من ذلك فموارد مصر من العملة الحرة كثيرة ومتعددة ويكفي ما حدث في توسيع غاطس قناة السويس لتستوعب سفناً أضخم تدر دخلاً أكبر لخزينة الدولة (ألا أيها النوام ويحكموا هبوا!!)، ومصر ما زالت تحتفظ بالسكة حديد (أم خطين ذهاباً وإياباً)، وما زالت تملك سفناً بحرية، ومعديات وشاحنات نهرية، والمواصلات في غالبها الأعم (بصات ومتروهات وتروللي بصات وترماجات ومتروهات أنفاق الكثير منها يعمل بالكهرباء )، ونحن هنا سنجعل من سعر غاز الطهي في السودان ومصر عامل مقاربة بين البلدين والشعبين، فسعر الغاز في مصر بعد رفع الدعم الجزئي هو 30 جنيهاً للأنبوبة (سوق أبيض) ومن   40 – 50 جنيهاً للأنبوبة (سوق أسود)، وفي السودان بعد فرض التسعيرة الجديدة: 135 جنيهاً للأنبوبة (سوق أبيض) ومن 150 – 170 جنيهاً للأنبوبة (سوق أسود)، معنى ذلك وكما هو معلوم عن “المال – الجنيه”، أن الجنيه هو مايشتريه الجنيه، أي قوته الشرائية، ومن هنا تمتنع المقارنة بين السودان الذي يعاني تنموياً ولا توجد فرص عمل نهائياً في اقتصاده “الريعي” حيث فارق الاقتصاد “الانتاجي” منذ زمن ليس بالقليل،  ومصر التي مازالت في عمومها تنتج زراعة وصناعة وتجارة، وتعِد مواطنها برفده قريباً بالاكتفاء الذاتي من الغاز، ولم شعث شعبه، والاهتمام به وبمواطنه، هذا يكفي وعلى القارئ الكريم أن يواصل المقارنة!!..

مجرد ملاحظة

* ماشايف أي ذكر لرفع أسعار “الجازولين” في ما رفعته مصر من أسعار محروقات، ياربِّي الكلام دا صاح واللا أنا “دقست ساهي” وما دققت النظر؟!، وإذا صحَّ ما قلت ماذا يعني؟!..

 

*eisay@hotmail.com