بابكر فيصل بابكر

طرحت الحركة الإسلامية السودانية نفسها في الساحة الفكرية و السياسية والإجتماعية كحلقة رئيسية من حلقات التجديد الإسلامي و كدعوة تُجسِّد ظاهرة الإنتقال من مجتمع الجمود والعشائر والطوائف والتخلف إلى مجتمع الحياة والمدنية والتحديث والتقدم.

وكثيراً ما سعت الحركة الإسلامية لتمييز نفسها عن الأحزاب الوطنية الكبيرة بدمغها بصفات ” الطائفية ” و”الرجعية” وبوصف قيادتها بالجمود ودمغ جماهيرها بالتبعية والإنقياد الأعمى للبيوتات الدينية التقليدية.

وقد نجحت الحركة  في الفترة الديموقراطية الثالثة وهي الفترة الذهبية التي عاشتها تحت مسمي ” الجبهة القومية الإسلامية” في الفوز بواحدٍ وخمسين مقعداً من مقاعد البرلمان مما أهَّلها لتصبح الكتلة الثالثة فيه.

ولطالما فاخر أنصار الجبهة بأنَّهم حصدوا جل مقاعد الخريجين في ذلك البرلمان وهو الأمر الذي ميَّزهم عن الأحزاب الوطنية الكبرى التي إنحصر معظم كسبها البرلماني في الدوائر الجغرافية في الأرياف والمدن.

ولأسبابٍ كثيرةٍ لا يتسِّعُ المجالُ لذكرها قرَّرت الجبهة الإنقلاب علي النظام الشرعي الديموقراطي الذي كانت جزءاً منه حيث نجحت في الإستيلاء علي السلطة بواسطة ذراعها العسكري في الثلاثين من يونيو 1989.

ومنذ وقوع الإنقلاب العسكري طرحت الجبهة بمُسماها الجديد “الإنقاذ” ما عُرف “بالمشروع الحضاري” وطفقت تعملُ على “إعادة تشكيل وصياغة الإنسان السوداني” وفقاً للرؤية التي تستند إلى شعار “الإعتماد على الذات” من أجل تحقيق النهضة المنشودة ومن ثم قيادة العالم الإسلامي.

وبعد مرور حوالى ثلاثة عقود من الزمن على سيطرة الحركة وإنفرادها الكامل بمقاليد السلطة والدولة, تبدى جلياً فشل المشروع الحضاري في تحقيق أهدافه المعلنة على أصعدة الثقافة و السياسة والمجتمع والإقتصاد.

المشروع  الذي هدف إلى قيادة النهضة , ليس في السودان فحسب ولكن في العالم الإسلامي, إنتهى إلى حالة بائسة من الرِّدة الحضارية دلت عليها الكثير من الشواهد المتمثلة في تزايد الحروب وإرتفاع نسب النزوح والهجرة وإنتشار الفقر وتدهور الخدمات وإزدياد واردات الغذاء وغياب الحريات بصورة غير مسبوقة.

وفي هذا الإطار يُمكننا أن نورد بعض المؤشرات التي توضح مآلات المشروع الذي رفع شعارات النهضة الحضارية والإعتماد على الذات :

إرتفعت نسبة الأميِّة خلال سنوات المشروع الحضاري من 37 % الى 57 % , مع ارتفاع نسبة الأمية وسط المرأة الى 72 %، و بلغ عدد اليافعين واليافعات الذين يُعانون من الأمِّية في سن المدرسة ثلاثة ملايين ومائة وخمسة وعشرين الف بحسب إحصاءات المجلس القومي لمحو الأميِّة !

كذلك لم يتعد إنفاق دولة المشروع الحضاري على “التعليم” الذي يُمثل الرافعة الأساسية لأي عملية نهضة حقيقية 3 % فقط من الميزانية طوال سنوات الحكم الممتدة منذ يونيو 1989.

أمَّا شعار الإعتماد على الذات فقد كانت محصلتهُ النهائية هى إنهيار الزراعة وغياب الصناعة, وتحوُّل شعار “نأكل مما نزرع ونلبس مما نصنع” إلى “نأكل ونلبس مما تزرع وتصنع الصين”, حيث صار السودان الذي كان بمثابة سلة غذاء العالم يستورد 84 % من إجمالي إستهلاكه السنوي من القمح البالغ 2.2 مليون طن !

الشواهد التي تدلل على فشل المشروع كثيرة, ولكن خبراً أوردته صحيفة “الصيحة” الأسبوع الماضي شكل  صفعة جديدة في وجه دعاة المشروع الحضاري والمدافعين عنه. جاء في الخبر :

( كشفت كتلة برلمانية عن وجود “109” نواب بالمجلس الوطني أميُّون “لا يجيدون القراءة والكتابة” واعتبرت أن ذلك أحد إفرازات التسويات والترضيات التي درج عليها المؤتمر الوطني. وقال عضو بارز بالكتلة لـ “الصيحة” إن هناك أكثر من “109” نواب برلمانيون أميون لا يعرفون القراءة ولا الكتابة من جملة (426) هم كامل أعضاء البرلمان، موضحاً أن قانون الانتخابات يشترط أن يكون المترشح لأي من المجالس التشريعية ملماً بالقراءة والكتابة. و أقرت النائبة البرلمانية عن المؤتمر الوطني د. عفاف عبد الرحمن بوجود نواب أميين واعترفت بحدوث تجاوزات في ترشيحهم ). إنتهى

لا تكمن المأساة فقط في إقرار النائبة البرلمانية “عفاف عبد الرحمن” بحدوث تجاوزات في قوانين الترشيح بما سمح بدخول هؤلاء النواب الأميون للبرلمان, وهو أمرٌ جلل, ولكن الطامة الكبرى تتمثل في أنَّ دولة المشروع الحضاري التي كان أصحابها يسخرون من برلمانات الحكومات الديموقراطية في الماضي جاءت ببرلمان ربع نوابه لا يقرأون ولا يكتبون, وهذا العدد الهائل لا شك غير مسبوق في تاريخ المجالس النيابية.

ولذا يتوجب علينا في هذا الخصوص الإجابة على السؤال التالي : كيف إنتهت إدعاءات التجديد والتغيير وشعارات التحديث والنهضة التي ظلت ترفعها الحركة الإسلامية منذ تأسيسها إلى إفراز مثل هذا البرلمان ؟

بداية نقول أن المجالس النيابية في ظل الأنظمة الشمولية عموماً لا تلعب الدور الرقابي المنوط بها بصورته المُثلى ( حتى وإن كان جميع النواب من حملة الشهادات العليا ) نسبة لغياب مبدأ الفصل بين السلطات وسيطرة السلطة التنفيذية على السلطتين الأخريين (التشريعية والقضائية), وهذه المجالس تشكل فقط عبئاً مالياً إضافياً على موازنة الدولة بسبب المُخصصات والإمتيازات الكبيرة التي يتمتع بها النواب دون أن يكون لهم دور يذكر.

قد أثبتت فترة الحكم الطويلة فشل الحزب الحاكم في أداء تمارين تداول السُّلطة وتدوير النخب والتعاقب الدوري في إبراز القيادات مما أدى إلى ” تكلس” القيادة كما أدى إلى إضعاف المؤسسية والديموقراطية الداخلية وبروز ظواهر مثل ” شخصنة السلطة” و” مراكز القوى” داخل الحزب والحكومة معاً.

و يبدو أنّ إختبار السلطة قد أجبر الحركة التي نشأت وترعرعت في أوساط الطلاب والمثقفين والقطاعات الحديثة علي التخلي عن شعاراتها وإتجاهاتها الأولى فارتدَّت متوسلة للسلطة “بالقبيلة والعشيرة” وهو الأمر الذي يناقض رسالتها الأصلية كحركة تدَّعي التحديث وتحارب الجمود والإنغلاق وتسعي لتغيير الواقع.

تلك هى “أعراض” الأزمة التي طالت الحزب الحاكم, ولكن “المرض” يكمُنُ في طبيعة الحكم الشمولي ودولة الإستبداد, فمن المستحيل إنجاز أي مشروع للنهضة الحضارية في غياب “الحرية”, فهي القيمة صاحبة الأثر الأكبر على إمكانيات الفرد وقدراته على التميز والإبداع، و لولا الحريات التي أتاحتها دول الغرب لمواطنيها، بغض النظر عن خلفياتهم الدينية أو الثقافية والعرقية، لما نهضت حضارتهم وتسيدوا الدنيا.

الشعب الحرّ تكون تحركاته منضبطة بضابط ذاتي وأخلاقي, وهو يتحرك بدوافع داخلية و بدون تأثير خارجي يفرض عليه ما يُريد، بعكس الشعب الذي يعيش تحت الطغيان, فهذا الأخير يكون عاجزاً وضعيفاً، وغير قادر على الإبداع والإنتاج إلا في الحدود التي يسمح بها الطغاة.

لذلك فإنَّ أي حديث عن نهضة حضارية في ظل الإستبداد لن يكون سوى سرابٌ كبير و حرثٌ في البحر, ولا يُمكننا فهم الفشل الذريع الذي مُنيت به تجربة الحركة الإسلامية حتى بلغت درجة من السوء جعلتها تُفرز برلماناً ربع أعضائه من الأميين, دون أن نفهم الأثر العميق للإستبداد على جميع مناحي الحياة ، وكيف أنه يقلبُ الفعالية ضعفاً والقدرة عجزاً، ولا يخلق إنسان حضارة، وإنما يربي آلة تدور في فلك نظام سياسي و تفعل كل شيء من أجل الحفاظ على بقاءها العضوي والبيولوجي.

يقول الكواكبي في “طبائع الإستبداد” ( إنَّ الإستبداد داءٌ أشدُّ وطأة من الوباء، أكثر هولاً من الحريق، أعظمُ تخريباً من السيل، أذلُّ للنفوس من السؤال. داءٌ إذا نزل بقومٍ سمعت أرواحهم هاتف السماء ينادي القضاء القضاء والأرض تناجي ربها بكشف البلاء. والإستبداد عهد أشقى الناس فيه العقلاء والأغنياء ، وأسعدهم الجهلاء والفقراء، بل أسعدهم اولئك الذين يتعجلهم الموت فيحسدهم الأحياء ).

ويُضيف ( الاستبدادُ أعظم بلاء، يتعجَّل الله به الانتقام من عباده الخاملين، ولا يرفعه عنهم حتَّى يتوبوا توبة الأنفة. نعم, الاستبداد أعظم بلاء, لأنَّه وباء دائم بالفتن وجَدْبٌ مستمرٌّ بتعطيل الأعمال، وحريقٌ متواصلٌ بالسَّلب والغصْب، وسيْلٌ جارفٌ للعمران، وخوفٌ يقطع القلوب، وظلامٌ يعمي الأبصار، وألمٌ لا يفتر، وصائلٌ لا يرحم، وقصة سوء لا تنتهي ). إنتهى

ختاماً نقول : يتوجبُ على أهل الحُكم من الذين مازالوا يتوهمون أنهم يقودون مشروعاً حضارياً أن يدركوا أنَّ الحرية هي القاسم المشترك بين جميع الأمم التي تمكنت من بناء نهضتها، وأنها – على المستوى الفردي والجماعي – تشكل القوة الدافعة الكبرى لتطوير القدرات التنموية وتشجيع الأفكار الإبداعية وتحقيق التميز.

boulkea@gmail.com