خالد فضل
من عناوين صحف الخرطوم الاسبوع الماضي ما ورد على لسان د.علي الحاج الامين العام الجديد لحزب المؤتمر الشعبي (إسقاط النظام يعني سقوط الوطن) و هي عبارة يتم ترديدها كثيراً و إن اختلفت لغتها , و غالباً ما يستخدمها سدنة النظام و الموالون لهم لتثبيط همم دعاة التغيير , او للجم اي تحركات سياسية و شعبية في اتجاه التغيير بل حتى بعض المعارضين المفترضين يرددون فحوى هذه العبارة فالامام الصادق المهدي مثلاً ضد (اسقاط النظام بالقوة) . في الواقع لا تبدو هذه العبارة دقيقة في توصيف الحال إذ يطفر السؤال الموضوعي اين هو الوطن؟ فالوطن كما هو معلوم يعني ارض و شعب و موارد , الان نعيش في واقع نقصان ارض الوطن منذ انفصال الجنوب لقد سقطت فرضية الوطن بذلك الحدث , كما تتعالى دعوات حق تقرير المصير في الادبيات السياسية للحركة الشعبية لتحرير السودان في اقليم جبال النوبة / ج كردفان , مثل ما دعا لذلك عبد الواحد محمد النور رئيس احد فصائل حركة جيش تحرير السودان بدارفور , هذه دعوات تؤشر إلى وصول حالة وحدة التراب الوطني إلى حد التمزيق .
اما الشعب فامره عجب ففضلاً عن انقسامه إلى شعبين مع القابلية للمزيد فإن ما يدور في اوساطه يشير بجلاء إلى الفرقة و الشتات و غياب مفهوم الوطن و الوطنية في معظم الحالات , يكفي ان عناوين التعاش بين المجموعات في السودان تكللها متلازمات الحرب و القتل و سفك الدماء و الاغتصاب الجماعي و الابادة و التطهير العرقي و احتلال الاراضي و الاستعلاء العرقي و الديني و التفاوت الطبقي و الاجتماعي , شعب السودان سقط في بناء دولته الوطنية بفضل قيادته السياسية و الاجتماعية منذ الاستقلال , و تفاقمت الازمة بوصول الحركة الاسلامية السودانية للسلطة عن طريق غير شرعي و دستوري , إن الدم المسفوح بين القبائل السودانية لم يسفح واحد بالمئة منه في صد عدو خارجي , مئات القبائل دارت بينها مئات المعارك الحربية و قتل منها الاف من الشباب و الرجال حتى الاطفال و النساء و الشيوخ و العجزة , و لم تشهد علاقات المجموعات السودانية المختلفة استقراراً طيلة فترة حكم الانقاذيين بصورة اخص , و لعل اخر فصول هذه المأساة الوطنية المتواصلة ما يدور حالياً من حرب طاحنة بين قبيلتي الكبابيش و الحمر في اقليم كردفان المتاخم لحدود الخرطوم العاصمة , و هي نفسها لم تسلم من نزاعات القبائل و حروبها مثل ما دار بين الجموعية و الهواوير في غربي ام درمان .
اما الموارد فحدّث و لا حرج لقد باتت الموارد الطبيعية و ثروات الوطن الظاهرة و الباطنة تشكل احد اقوى اسباب النزاعات و الحروبات بين السودانيين خاصة في المناطق الريفية , فالمراعي و المزارع تعد من اسباب النزاع الطويل و المستمر في اقليم دارفور و دخل الذهب كأحد العناصر المؤججة للقتال الاهلي هناك كما في حالة حرب المحاميد وبني حسين حول منطقة جبل عامر بشمال دارفور و تعدد النزاعات حول الموارد الشحيحة حولها إلى نقمة عوضاً عن كونها نعمة , و في كل هذه النزاعات ظل دور السلطة الحاكمة ظاهراً بسياساتها الرعناء وخططها المدمرة للنسيج الاجتماعي , و انحيازاتها المؤقتة لهذا الطرف او ذاك من اطراف النزاع ثم الانقلاب عليه لاحقاً واتباع سياسة فرق تسد , و ممارسة الحيل و التدابير قصيرة الاجل , و البطش و القمع لكل حركات التغيير التي تهدف إلى تغيير شامل و بناء دولة جديدة و وطن حقيقي يسع كل السودانيين .
نسأل د. علي الحاج عن النظام الذي باسقاطه يسقط الوطن , اليس هو النظام نفسه الذي اسقط الوطن اصلاً يوم سطوه على الحكم و استفراده بمفاتيح الثروات و تحويل الوطن إلى اقطاعية خاصة بعضوية حزب الجبهة الاسلامية القومية , هل يمكن لعلي الحاج ان يكذب و يكابر حول ما مارسه هو شخصياً من ادوار قذرة في تفتيت النسيج الاجتماعي و اثارة الفتن بين القبائل و بين افراد القبيلة الواحدة في اقليم دارفور مثلاً إبان فترة صولجانه و نفوذه , ما هي نتائج ما سمي بتقليص الظل الاداري و الحكم الاتحادي , الم تكن من نتائج ذلك قيام الولايات و المحليات على اسس عرقية و قبلية و بدون مقومات موضوعية مما زاد من حدة الاستقطاب الاثني و الجهوي مما يشكل عوائق حقيقية لمستقبل عملية بناء الوطن من جديد , ذلك الوطن الذي اسقطه حكم الكيزان , فهجره ملايين السودانيين و السودانيات بحثاً عن ادنى اسباب الحياة , بل اعاد آلاف السودانيين توطين انفسهم في اوطان بديلة لم تسقط لحسن الحظ في براثن النظام الاسلامي الذي اقامه علي الحاج و اخوته في التنظيم , فخربوا به الوطن . إن عبارة إسقاط النظام يعني سقوط الوطن عبارة فارغة المضمون يعرف ذلك كل من في عقله ذرة تفكير , الصحيح ان إعادة بناء الوطن تبدأ بإسقاط النظام .