“سلطة الاعتقال بما تنطوي عليه من حرمان لمواطن من حقه في الحرية يجب أن يتم استخدامها بطريقة منصفة، ومسؤولة، ودون تحيز” لوريتا ليننش

تبدأ الدعوى الجنائية بإجراءات تسبق المحاكمة الفعلية وهذ الإجراءات تتصل بجمع البينات بغرض تقديمها في المحاكمة لاحقاً، ولكن طبيعة الدعوى الجنائية تفرض ان تتضمن هذه الإجراءات أحياناً تقييداً لحرية المشتبه فيهم الشخصية، والإنتقاص من حقهم في الخصوصية، مما يلزم معه ضبطها حتى لا تؤثر سلباً على حقهم في المحاكمة العادلة.

سلطة القبض

القبض هو إعتقال شخص ووضعه تحت حراسة السلطات “الشرطة عادة”، وذلك بإحتجازه لفترة من الزمن كافية لتحقيق الغرض من القبض. ونحن هنا معنيين بالقبض على الأشخاص بسبب إشتباه معقول في أن لأولئك الأشخاص صلة بجريمة وقعت بالفعل، أو يعتقد أنها وقعت. وغني عن البيان أن القانون هو الذي ينظم المسائل المتعلقة بالقبض، فيحدد من له سلطة إصدار أمر القبض على المشتبه فيهم، ومن الذى ينفذ ذلك الأمر، وما هي الأسباب التي تدعو لذلك، وماذا يترتب على القبض، ولأى مدى يمكن أن يستمر الإحتجاز. وهذا كله تم تننظيمه بشكل أساسى فى قانونى الإجراءات الجنائية، وسنحااول أن نرى مدى تتوافق تلك الأحكام مع الدستور ومع المستوى المطلوب دولياً.

الحق في الحرية والأمان

القبض السابق للمحاكمة ما لم يتم ضبط أحكامه يتعارض مع إفتراض البراءة فى المادة 34 والخاصة بالمحاكمة العادلة فى الدستور، وكذلك مع الحق في  الحرية الشخصية الذى كفلته المادة “29” من الدستور حين نصت على أن (( لكل شخص الحق في الحرية والأمان، ولا يجوز إخضاع أحد للقبض أو الحبس، ولا يجوز حرمانه من حريته أو تقييدها إلا لأسباب ووفقاً لإجراءات يحددها القانون)) . ويلاحظ أن المادة “29” من الدستور لا تقتصر على حماية الحرية الشخصية، بل تلزم الدولة أيضاً بتوفير الأمان لمن هم على أرضها، وذلك بمنع ما يهدر أمنهم الشخصي من أي مصدر كان، بما في ذلك قوات الضبط في الدولة التي يجب عليها أن أن تمتنع عن تهديد المواطنين وإفقادهم للشعور بالأمان. و منح أجهزة الدولة سلطات تحكمية في القبض يخرق الحق فى الأمان لما ينطوي عليه من تجريد الأفراد من الإطمئنان.

لذلك فقد رأت لجنة حقوق الإنسان الأفريقية في دعوى دياس ضد أنقولا أن الحكومة الأنجولية قد أهدرت حق المدعى في الأمان عن طريق قواتها الأمنية، حين إعتقلته تعسفياً.

ورغم أن المادة تجيز تقييد حرية الشخص لأسباب ووفقاً لإجراءات ينص عليها القانون، إلا أن هذا لا يعني أن للسلطة التشريعية أن تحدد وفق هواها تلك الأسباب، أو تلك الإجراءات. بل عليها أن تحدد ذلك وفق الحدود الدستورية للتشريع، حسبما جاءت في المادتين “27” (3) أو (4) من الدستور، فعليها أن تراعي عندما تحدد أسباب القبض المواثيق والعهود والإتفاقيات الدولية التي صادق عليها السودان، كما ويجب على المشرع حين ينظم سلطة القبض أن يراعي أنه لا يجوز له أن يمس الحق في المحاكمة العادلة، ولا أن ينتقص من الحق في الحرية الشخصية، وإنما يجوز له فقط  أن يخضعه إستثناءاً لقيود مؤقتة، بشرط أن تكون تلك القيود ضرورية لتطبيق العدالة .

 

التقيد بالمستوى المتطلب دولياً

“القانون الظالم هو في حد ذاته هو نوع من العنف، والاعتقال لانتهاكه هو مزيد من العنف” مهاتما غاندي

وهذه الأحكام يجب أن تتقيد أيضاً بالعهود الدولية الخاصة بالحريات العامة،  ليس فقط تلك التي صادق عليها السودان والتى جعلها الدستور ضمن أحكامه، بل أيضاً العهود الدولية التي لم يصادق عليها السودان، متى كانت تقنيناً للعرف الدولي أو أصبحت جزءاً من العرف الدولي، كإتفاقية مناهضة التعذيب مثلاً، فهذه العهود تظل أحكامها ملزمة للمشرع السوداني، سواء صادق السودان على تلك الإتفاقيات  أم لم يصادق.

 في دعوى كيمانش ضد فرنسا ذكرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، أن القبض يجب أن يكون متفقاً مع القواعد التي وضعها القانون الداخلي للدولة المعنية، ولكن القانون الداخلى يجب أن يتفق مع الأسس التي وضعها العهد الأوروبي لحقوق الإنسان بحيث لا يكون القبض صحيحاً إذا تم وفقاً لقانون داخلي يتعارض مع ذلك العهد. وهذا المبدأ هو مبدأ عام لا يتصل بالعهد الأوروبى فقط ، إذ أن القوانين الداخلية يجب عليها أن تتقيد بالمستوى الدولي المطلوب وفقاً للعهود الدولية العامة الخاصة بحقوق الإنسان، والتي أصبحت ملزمة للجميع .

سلطة القبض وفقاً لقانون الإجراءات الجنائية

قسم القانون الجرائم إلى نوعين نوع يجوز فيه القبض دون أمر، والثاني لا يجوز فيه ذلك، والجرائم التي يجوز القبض فيها بدون أمر تكاد تكون نصف الجرائم المنصوص عليها في القانون الجنائي، وهي ليست بالضرورة جرائم خطيرة، فبعضها معاقب عليه بالسجن الذي لا يجاوز ثلاثة أشهر (الإزعاج العام)، أو بالجلد والسجن الذي لا يجاوز شهراً (78 “1”) .

سلطة إصدار أمر القبض

منح القانون سلطة إصدار أمر القبض في الجرائم التي لا يجوز القبض فيها بدون أمر لوكيل النيابة أو القاضي. أما بالنسبة للجرائم التي يجوز القبض فيها بدون أمر، فيجوز فيها لأي شرطي أو إداري شعبي أن يقبض على أي مشتبه فيه أو متهم بإرتكاب أي من تلك الجرائم. و بالنسبة لسائر الجرائم  فإن الشرطى والإدارى الشعبى يجوز له القبض على أى شخص إرتكب في حضوره فعلاً قد يشكل جريمة، ورفض إعطاء إسمه وعنوانه الصحيح، وكذلك أى شخص يكون قد وجده في ظروف تدعو إلى الريبة ولم يقدم أسباباً معقولة لوجوده، أو وجد في حيازته ممتلكات يشتبه في أنها مال مسروق، أو إرتكبت بشأنها جريمة. بالإضافة لذلك فقد منحت المادة “68” (3) من قانون الإجراءات الجنائية للأشخاص العاديين سلطة القبض فى هذه الحالة الأخيرة بحيث يجوز لهم أن يقبضوا على أى شخص يجدونه فى الظروف المذكورة .

وهذه الأحكام تخرق المستوى الدولي المتطلب في تحديد المسئولين الذين يكون لهم سلطة حرمان المواطنين من حريتهم، فالمادة “12” من الإعلان الخاص بحماية كل الأشخاص من الإختفاء القسرى، الذى تبنته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1992م، تلزم الدولة أن تصدر تشريعات تحدد الرسميين الذين لهم سلطة حرمان الناس من حرياتهم، وتحدد الشروط التي يجوز لهم فيها إصدار تلك الأوامر. وحكم المادة “68” (3) من قانون الإجراءات الجنائية يمنح سلطة الإحتجاز لغير الرسميين من المواطنين العاديين، وهى سلطة تتضمن حرمان للناس من حرياتهم، كما وضع القانون أسباباً غامضة وفضفاضة للقبض على الناس .

أسباب القبض بدون أمر

يجب أن يحدد القانون أسباب القبض على الأشخاص و يجب أن يلتزم في ذلك بالحدود الدستورية. والأسباب التي أوردها القانون للقبض بدون أمر قبض هي أسباب غامضة تمنح الشرطة سلطات ترقى لأن يحددوا لأنفسهم أسباب القبض على الناس، إذ لا يوجد معنى محدد لوجود الشخص في ظروف تدعو إلى الريبة، وما يريب زيد قد يجده عبيد أمراً عادياً . وقد ذكرت المحكمة العليا الأمريكية فى دعوى باباخريستو ضد مدينة جاكسونفيل فى شرح حكم مشابه يستخدم نفس هذه العبارات فى قانون التشرد في مدينة جاكسونفيل، أن هذه المادة  مأخوذة عن القانون الإنجليزى القديم وقت تحول الإقطاع للرأسمالية في القرون الوسطى، حيث كانت الحاجة لدفع القوى العاملة الفقيرة للإستقرار في مكان واحد قد أدت لتجريم أفعال من شأنها منع تحرك الفقراء داخل المدن. ورأت المحكمة العليا الأمريكية أن اللغة الفضفاضة تؤدى لمنح سلطة التشريع للقاضى، أو الشرطة، وذلك يتنافى مع حكم القانون. وقد لاحظت المحكمة أن القانون يعطي الشرطة سلطة للقبض على كل الذين يسلكون سلوكاً مريباً، أى أن القانون يتطلب من الناس أن يسلكوا في حياتهم المسلك المقبول للشرطة والمحاكم، وهو أمر غير دستوري إذ ينتج عنه إدانة أشخاص بناءً على تعابير غامضة وغير منضبطة تفسرها المحاكم بالطريقة التي تروق لها. وذكرت المحكمة أن محاكمة من تبدو طريقة ممارستهم لحياتهم مدعاة للتهمة في عين الشرطة أو المحاكم قد يؤدى للقضاء على الجريمة في مرحلة التكوين، إلا أنه لا يتفق مع حكم القانون الذي يتطلب أن تكون الأفعال المجرمة واضحة. وقد يكون هنالك خلاف بين القانونين فالقانون السودانى هو قانون إجرائى لا شأن له بالتجريم، إلا أن إجازة القبض لذلك السبب يؤدى إلى إنتهاك حريات الناس بدون ضوابط معقولة.

صحيح أن القانون ألزم من يوقع القبض من غير الشرطة أو وكلاء النيابة والقضاة أن يسلم المقبوض عليه لأقرب رجل شرطة (م 75 (2)) ولكن ذلك لا يوفر الأمان اللازم إذ كان يجب على القانون أن يحدد الجرائم التي يجوز القبض فيها القبض بواسطة الشخص العادي فى الجرائم التي تقع على المال، أو جرائم العنف، وذلك فقط في حالة التلبس بإرتكاب الجريمة متى ما كان عدم توقيع القبض من شأنه هروب الجانى أو إخفاء معالم الجريمة .

أسباب القبض

أجاز قانون الإجراءات الجنائية القبض على أي شخص فتحت ضده دعوى بإرتكاب جريمة (مادة 67 -أ)، ويعني هذا أن مجرد فتح الدعوى الجنائية في مواجهة الشخص مدعاة للقبض عليه. وحتى نقرر مدى صحة ذلك لا بد من تحديد الغرض من الإجراء. الغرض من القبض على الشخص هو إحتجاز ذلك الشخص فى حراسة الشرطة لزمن معين، لتحقيق غرض يتفق مع الحدود الدستورية لتنظيم حق الحرية الشخصية. فإذا لم يكن هنالك غرضاً مشروعاً لإحتجاز الشخص، لا يكون هنالك سبباً للقبض عليه . يبدو من ذلك أن إحتجاز الناس لمجرد وجود إشتباه فى حقهم بإرتكاب جريمة مخالف للمستوى المتطلب دولياً، ومخالف للمادة “34” (1) من الدستور، والتي تقضي بأن المتهم برئ حتى تثبت إدانته، و ذلك لأن الحرمان من الحرية فى الأصل يجب أن يقتصر على حالات تنفيذ الأحكام القضائية. ولكن الإحتجاز السابق للمحاكمة تفرضه ضرورات مختلفة يجب أن يضع القانون لها حدوداً واضحة، وإلا أصبح  بمثابة عقوبة توقع على المتهم قبل محاكمته. وعندما يكون القبض نتيجة تلقائية لفتح الدعوى الجنائية فإن ذلك يرقى لتوقيع عقوبة عليه لمجرد الإشتباه فى إرتكابه جريمة، ويزيد الأمر سوءً أن تلك العقوبة توقعها عليه الشرطة وفى أحسن الأحوال النيابة، وكلاهما لايملكان تلك السلطة. إذ أن فتح الدعوى الجنائية لا يعنى سوى وجود شبهة بإرتكاب شخص لجريمة، و ذلك  فى حد ذاته ليس سبباً للإحتجاز مما يوجب أن يحدد القانون الأسباب الموجبة للقبض على المتهم أو المشتبه فيه.

الأسباب المقبولة دستورياً ودولياً

والأسباب التى تدعو للقبض على المشتبه فيه أو المتهم المقبولة دستورياً ودولياً  تنحصر فى سببين: الأول إحتجازه بغرض منعه من إخفاء الأدلة، أو التأثير على البينة. والثانى إحتجازه بغرض التيقن من حضوره إلى المحكمة حين يطلب منه ذلك. أما في غير هاتين الحالتين فلا يوجد سبب لإحتجاز المتهم، ولا للقبض عليه. صحيح أن فتح الدعوى الجنائية يستلزم التحري مع المتهم وأخذ أقواله، ولكن ذلك لا يستلزم بالضرورة القبض عليه، وإنما يمكن أن يتم ذلك بإستدعائه لمقابلة المتحري. إذا توفر أحد السببين المذكورين يتم القبض على المتهم، وإحتجازه لزمن لا يجاوز الزمن الكافي لتحقيق الغرض من الإحتجاز، على أن ذلك الزمن يجب أن لا يكون طويلاً بدرجة تصل لخرق حق المتهم فى الحرية الشخصية. تنص المادة “6” (أ) من القواعد المعروفة بقواعد طوكيو، والتي أصدرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في 14 ديسمبر 1990 على أن الحبس السابق للمحاكمة يجب أن يتم اللجوء إليه فقط  كملجأ أخير”بما يعني أنه لا يلجأ إليه طالما أن هنالك إجراءاً آخر يؤدي الغرض المطلوب ،كما تدعو المادة “6 – 2” من نفس القواعد إلى أن لا يستمر الحبس لأكثر مما هو ضروري .

 لذلك فلا بد أن يحدد القانون سبباً للقبض على المشتبه فيهم بحيث تخضع المسألة فى النهاية لرقابة القضاء، وفق أسس معروفة مسبقاً، حتى تبعد عن شبهتى القبض التحكمى أو النزقى، و العقاب السابق للمحاكمة . لكي يصدر أمر قبض على شخص يجب أن يكون هنالك إشتباه معقول بإرتكابه جريمة، وأن يكون هنالك سبباً معقولاً للإشتباه بأن بقائه طليقاً يمنحه فرصة لإخفاء الأدلة أو إصطناعها، أو هروبه من وجة العدالة. وهي إحتمالات يصح إفتراضها في الجرائم الخطيرة. ولكن هذه مسألة أخرى سنتعرض لها في حينها .

معقولية الإشتباه

“الغرض الوحيد الذي يجوز  لأجله ممارسة السلطة على أي فرد من أفراد المجتمع المتحضر، ضد إرادته، هو منع الإضرار بالآخرين”

 جون ستيوارت ميل

لكي يصدر أمر القبض لابد أن يكون هنالك إشتباه معقول بإرتكاب الجريمة، وهذا الإشتباه حسب تفسير المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان، يتطلب وجود وقائع أو معلومات تجعل المراقب الموضوعي يعتقد بأن الشخص المعني قد يكون قد إرتكب الجريمة موضوع القبض. وذكرت فيما يتعلق بجرائم الإرهاب، صحيح أن جرائم الإرهاب ذات طبيعة خاصة تجعل مستوى المعقولية في الإشتباه في إرتكابها مختلف عن المستوى المتطلب في الجرائم العادية. كما وأن التحري فيها يستوجب سرية أكبر من التحرى فى الجرائم الأخرى. إلا أن ذلك لا يجب أن يمتد للدرجة التي تؤدي للإخلال بأساس مبدأ المعقولية. وعلى الإتهام أن يكشف بعض الوقائع والمعلومات التي تجعل المحكمة تقتنع بمعقولية الإشتباه في المقبوض عليه. ولذلك فقد قررت في دعوى فوكس وكامبل وهارتلى ضد المملكة المتحدة، أن المدعين قد تم القبض عليهم بواسطة ضباط إشتبهوا بحسن نية فى أنهم ضالعين في عمل إرهابي، بسبب أن إثنين منهم كانوا قد أدينوا بأعمال إرهابية من قبل. ويكشف عن ذلك إستجوابهم بمجرد إعتقالهم حول أعمال إرهابية. ولكن كل ذلك لا يدعو للقول بأن الوقائع التي أدت لإشتباه الضباط في المدعين كانت ستؤدي لإشتباه معقول لدى مراقب موضوعي في أن المدعين قد إرتكبوا الفعل الذى تم القبض بسببه. فحسن النية في الإعتقال لا صلة له بمعقولية الإشتباه، لذلك فإنه يجب على الدولة المدعى عليها أن تكشف للمحكمة عن الظروف التى أدت للإشتباه، مع التسليم بحقها فى عدم الكشف عن مصادر المعلومات فى الجرائم الإرهابية.

القبض النزقي أو التحكمي

“السلطة التعسفية تكون، كسائرالأشياء الأخرى الشديدة الصلابة، أكثر قابلية للكسر”  أبيجيل آدمز

إذاً فإنه يتوجب على المشرع أن يحدد الأسباب التي يجوز أن يتم القبض وفقاً لها على النحو الذي ذكرناه ،كما ويجب عليه أن يمنع القبض النزقي أو التحكمي، Arbitraryوهو أمر مختلف عن الأسباب القانونية. فقد يكون هنالك سبباً القبض ولكن توقيعه فعلاً  كان تعسفياً فى الظروف المحددة. ومنع القبض التعسفي هو منع نابع من الدستور ومن العهود الدولية الملزمة، وأساسه المادة “9” (1) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والتي تمنع إعتقال أي شخص تعسفاً والمادة “6” من العهد الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب والتي تنص بالنسبة للحق في الحرية الشخصية على أنه In Particular no one may be deprived of his freedom Arbitrarily  “وعلى وجه الخصوص فإنه لا يجوز أن يحرم شخص من حريته تعسفاً” وقد ذكرت لجنة حقوق الإنسان الأفريقية في دعوى Womah Mukong V. Cameroon أن القبض التعسفي لا يلزم أن يكون مخالفاً للقانون، بل يجب أن يفسر تفسير واسعاً، بحيث يشمل معاني مثل أن يكون غير مناسب، وغير منصف، ويفتقد الأسس التي يمكن توقعها في التطبيق المناسب للقانون. وكذلك فإن الإبقاء على المقبوض عليه قيد الإحتجاز لا يجب فقط أن يكون مشروعاً بل يجب أن يكون معقولاً ومناسباً وعادلاً.

و لكي يكون سبب القبض مشروعاً، فإن الإتهام يجب أن يكون بمخالفة قانون لا يهدر حقوق المتهم الدستورية، وإلا فإن السبب لا يجوز الإعتداد به. لذلك ففي دعوى وماه موكونج ضد الكاميرون، والتي تتلخص وقائعها في أن المدعى ألقى عليه القبض في 16/6/1988م عقب مقابلة أجرتها معه الإذاعة البريطانية حيث وجه فيها إنتقادات لرئيس الكاميرون وحكومته. وبعد أن  تم  إطلاق سراحه أعيد القبض عليه عقب إجتماع عام تحدث فيه عن سبل إقامة نظام ديمقراطي تعددي في الكاميرون، حيث إتُهم ” بتسميم الرأي العام المحلي والعالمي” وهوفعل كان مجرماً وقت القبض عليه وتوجيه التهمة له، ولكنه لم يعد كذلك بسبب تعديل القانون فيما بعد. قامت دعوى وماه على عدة أسباب، منها أنه قد قبض عليه بموجب قانون يخرق حريته الدستورية في التعبير، وقد ردت حكومة الكاميرون على ذلك بأن القانون كان مُبرَرَاً أثناء سريانه، إذ يدخل ضمن الإستثناء الذى تضمنته الفقرة الثالثة من المادة التاسعة عشرة من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، والتي تجيز التقييد من حق التعبير لإعتبارات الأمن الوطني والنظام العام، لأن القانون قصد حماية وحدة الكاميرون التي كانت مهددة آنذاك . قررت لجنة حقوق الإنسان الأفريقية أنها لا ترى في القبض على وماه وإبقاءه رهن الإعتقال ما يؤدي لحماية وحدة الكاميرون، كما أنها لا ترى أن الغرض المشروع في صيانة وتقوية الوحدة الوطنية يمكن تحقيقه بتكميم الأفواه الداعية لنظام ديمقراطي تعددي وإحترام حقوق الإنسان، لذلك فإن القبض بسبب إتهام بخرق قانون يخرق حقوق الإنسان وفق المستوى الدولي، لا يكون قبضاً مشروعاً لأن القانون نفسه يفتقد الدستورية .

إن مسألة تحديد أسباب الإحتجاز هى مسألة محورية إذ أنها تتصل بحق الحرية الشخصية، وهى من أهم الحقوق الدستورية، والحق فى المحاكمة العادلة لأنه يؤدىى إلى توقيع عقوبة الحبس بدون حكم قضائى، كما وأن حبس المتهم بغير مبرر يؤدى إلى حرمانه من تحضير دفاعه.

إن بقاء الشخص رهن الإحتجاز لساعة واحدة دون مبرر قانوني لا يفقده هو وحده حقه في الحرية، بل يفقد المجتمع كله حقه في الأمان، لأنه يفسد الجو الذي يتنفسه المجتمع. في دعوى جيمس سومرست في عام 1722م ،وهو جامايكي تم إسترقاقه في الخارج ثم أحضره بعد ذلك سيده إلى إنجلترا حيث قام بالقبض عليه بعد أن حاول الهروب، واحتجازه في باخرة في سبيلها للإبحار للخارج، فتقدم محامي سومرست بطلب إلى المحكمة لإطلاق سراحه، فإستجابت المحكمة في حكم شهير حمل جملة كثر تردادها بعد ذلك وهى ((إن الهواء في إنجلترا قد أضحى أكثر نقاءاً من أن يتنفسه عبد، لذلك فإن كل من يتنفس هواءنا هو رجل حر))

نبيل أديب عبدالله

المحامي