بابكر فيصل بابكر

نشبت الأسبوع الماضي أزمة عميقة وغير مسبوقة بين دولة قطر من جانب وعدد من دول الخليج بقيادة السعودية والإمارات ومعهم مصر من جانب آخر, وقد أدت تلك الأزمة لقطع العلاقات الدبلوماسية بالإضافة لإتخاذ العديد من الإجراءات (العقوبات) السياسية والتجارية ضد الدوحة من قبل جيرانها في الخليج العربي.

وما تزال الأزمة مستمرة ومتصاعدة رغم الوساطات التي بذلتها دولة الكويت, ومن الجلي أنَّ هذا النزاع الذي جاء في أعقاب زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للرياض, لم يكن وليد اللحظة الراهنة بل هو نتاجٌ لصراع ممتد حول النفوذ في المنطقة, ولا شك أنَّ تداعياته لن تقتصرُ على دول الإقليم فحسب بل ستمتد إلى مختلف أنحاء العالم, بحكم ما تمثله المنطقة من أهمية “جيوسياسية” وما تحتويه من مصادر للطاقة.

في هذا الإطار يبدو مشروعاً أن تأخذ الأزمة الخليجية حيِّزاً مُقدَّراً في أجندة العديد من الدول والحكومات خشية الآثار السلبية التي يمكن أن تتعرض لها من جرَّاء التطورات المتسارعة في المنطقة التي تمثل “سُرَّة” العالم ومورده الرئيس للطاقة.

لا أود مُناقشة أبعاد المشكلة, ولكنني سأسعى للنظر للقضية من جوانب أخرى متعلقة ببلدنا – السودان, لم ينتبه لها كثيرٌ من الذين تناولوا هذه الأزمة, فقد لاحظت أنَّ هناك موجة من “الهستيريا” أصابت دولتنا و مُجتمعنا بمختلف قطاعاته, حكومة ومعارضة وأحزاب, أجهزة إعلام ومجموعات حوار “الواتساب” ووسائل التواصل الإجتماعي الأخرى, جلسات “الونسة” والمناسبات الإجتماعية, كلها تتحدث “بهلع” عما يُمكن أن يُصيب بلدنا, وتتبادل “الحسابات” حول المعسكر الذي يجب أن تنحاز إليه الحكومة حتى “تكسب” !

هذه الحالة من “الخوف العارم” لا تعكسُ إهتماماً “طبيعياً” بأزمة أصابت الإقليم الذي تربطنا به “بعض المصالح” في الأحوال الإعتيادية, وإنما هى تعبيرٌ عن أزمةٍ نفسيةٍ ووجودية أعمق أصابت دولتنا, هى أزمة “الوهن” الشديد  و”الهوان” الذي ضربنا وجعلنا نعتمد على الخارج إعتماداً كلياً  في حل جميع  مشاكلنا الإقتصادية والسياسية.

تناوُلِنا المَرَضي لأزمة الخليج يعكسُ مأساة السودان الحقيقية, مأساة الشعب الذي هاجر الملايين من  أبنائه للخارج, أغلبهم في دول الخليج, بعد أن ضاقت بهم البلاد وعزَّ عليهم توفير لقمة العيش الكريم, هى مأساة حكومة جاءت قبل ثلاثة عقود ترفع شعار “الإعتماد على الذات” فإذا بها تنتهي “متسولة” على موائد دول الخليج تستجدي “الودائع البنكية” و “المكرمات” الأميرية حتى تعالج بها أزمات الإقتصاد بالقطاعي !

هذا هو جوهر الأزمة, وليس غيره, فلولا هذه الحسابات الدقيقة لما تورَّطنا في هذا التناول الهستيري لأزمة الخليج, لقد وضعنا حلول جميع مشاكلنا في سلة الخارج, خصوصاً السعودية وقطر والإمارات, حيثُ يُعوِّلُ حُكامنا على الأولى والأخيرة في ضخ الأموال للمشاريع الزراعية التي مُنحت أراضيها دون دراسات لجدوى عوائدها على السودان أولاً, بل أُقتطعت ملايين الأفدنة كيفما إتفق وبعقود بنودها “سرية” تستمر ل99 سنة !

أمَّا الثانية فقد ظلت حكومتنا تستنجدُ بها إثر كل “إرتفاع” في قيمة الدولار يستتبعهُ “إنخفاضٌ” في قيمة الإنسان السوداني حتى تجود عليها بوديعةٍ تُسيِّر بها شؤون الإقتصاد إلى حين, وهى كذلك أصبحت “الوسيط الرئيسي” في مشكلة دارفور حيث أنفقت بسخاء على المفاوضات بين الحكومة ومختلف الحركات المسلحة وكذلك على المشاريع التي أقرتها إتفاقية الدوحة ومازالت حتى اليوم تلعب ذلك الدور.

إذن هو عجزنا الداخلي الذي أوردنا موارد الهوان والمذلة, وجعل مُجتمعنا وحكومتنا وأهلنا يتشاكسون ويختلفون بهذه الصورة المَرَضية في تحديد من هو المُعسكر الذي يجب أن ننحاز إليه في أزمة الخليج الحالية, ليس من منطلق “الإستقلالية” في إتخاذ القرار وإنما من منطلق أيُّ المعسكرين ستكون له الفرصة الأفضل في تحديد مصيرنا نحن , فتأمل !

قد وقع حكامنا وولاة أمرنا أسرى “للأيادي البيضاء” التي ظلت تمتد إلينا من دول الخليج العربي, وهى حقاً ظلت تدعمنا, وتناسوا أنَّ “الدين” الذي حكمونا بإسمه يقول أنَّ اليد العليا خيرٌ من اليد السفلى, وأنَّ الأمة الكريمة تتعففُ عن السؤال, خصوصاً إذا كانت تلك الأمة غنيَّة بإنسانها ومواردها الطبيعية مثل السودان !

ومن يهُن يسهُل الهوانُ عليه …. ما لجُرحٍ بميتٍ إيلامُ

وأيضاً وقعنا نحن (الشعب) أسرى للماضي الجميل, فنحنُ البلد الذي صدَّر الخبرات والكفاءات لدول الخليج, ونحن الذين شاركنا بالسهم الأوفر في وضع الأساس العلمي الذي إنبنت عليه نهضة تلك الدول, في التعليم والإدارة والقضاء والرياضة والطب والهندسة وغيرها, ولكننا, للأسف الشديد, إنتهينا إلى “دولة فاشلة” قابعة في مؤخرة دول العالم في كافة الحقول و المجالات.

إنَّ أزمة الخليج تعكسُ جوهر أزمتنا نحن, تعكسُ فشلنا في إدارة بلد منحها الله كل الإمكانيات البشرية والمادية, من أراضٍ زراعية شاسعة ومياه ومعادن وثروات حيوانية, من تنوع ثقافي وإثني كبير, وتعدد مناخات, من ملايين البشر المؤهلين في مختلف المجالات, ولكنها عجزت عن إستغلال كل ذلك وظلت تعيش في حالة حربٍ مع نفسها منذ عقود, مما جعل أبناءها يتسابقون للخروج منها مع شروق شمس كل يوم جديد.

تعيشُ بلادنا أوضاعاً لا تُعين المواهب على الخلق, ولا الشخصية على النمو, حيث تقوم عُصبة محدودة من الناس وصية على من عداهم بإدعاءات إمتلاك الحق الكامل والحقيقة المطلقة, ومع ذلك فقد عجزت عن توفير أبسط متطلبات الطعام والسكن والعلم لكل أسرة, وفشلت في التوفيق بين كبرياء الناس وحاجاتهم, وأشاعت القنوط والخوف في النفوس !  

لا يختلف إثنان ولا تنتطحُ عنزان في حقيقة أننا لو كُنا نعيشُ في وضعٍ سياسيٍ مستقر وحالة إقتصادية مزدهرة عمادها الإنتاج الحقيقي وليس القروض والمنح والمعونات, لما أُصبنا بهذه الحالة من “الهلع الجماعي” تجاه مشكلة إقليمية بين دول الخليج, ولما تفرَّق مُجتمعنا وتشاكس الناس حول المُعسكر الذي يستحق مناصرتنا !

لذلك فإنَّه يتوجب علينا أن نأخذ العبرة من مثل هذه الأزمات, وأن نخلق منها “فرصة” لعلاج أزماتنا الداخلية المستفحلة, بدلاً من أن ننجرَّ وراء المزيد من الإرتباط بالخارج, وذلك بالطبع لا يعني أن نتقوقع على ذاتنا ونكتفي بها, فهذا الأمر ما عاد ممكناً في زمنٍ أصبحت فيه المصالح متشابكة والمسافات متقاربة بين الدول, ولكنه يعني ترتيب الأولويات بحيث تكون مصالحنا نابعة من الداخل وليس من أجندة الآخرين.

نحنُ شعبٌ عزيزٌ لا يستحقُ أن يعيش عالة على الشعوب والدول الأخرى, لاجئين و مهاجرين شرعيين وغير ذلك, ولا ينبغي له أن يتوه داخل بلده الغني, نازحين وعطالى ومرضى تنهشهم الحروب والأوبئة, ولا يجب أن يرتضي شعبٌ كريم بهذه الأوضاع المذلة.       

ولا يُقيمُ على خسفٍ يرادُ به     إلا الأذلان عيرُ الحي والوتدُ

هذا على الخسفِ مربوطٌ برمته   وذا يشجُّ فلا يرثى له أحدُ

boulkea@gmail.com