نبيل أديب عبدالله

“كما أن الملك هو القانون في الحكومات الإستبدادية، فإن القانون يجب أن يكون هو الملك ولا يكون هناك ملك خلافه” توم بين

مازالت لجنة التعديلات الدستورية الأخيرة المقدمة من رئاسة الجمهورية، بناء على إقتراحات المؤتمر الشعبي تحظى بإهتمام الرآي العام. وقد إستمعت اللجنة في الأربعاء الماضي  لرأي الهئية القضائية كما عبر عنه مولانا العالم عبد المجيد محمد أدريس، والذي قدم رآياً متزناً أوضح فيه أنه لايوافق على أن تقتصر سلطات الأمن على جمع المعلومات، ولكن هذا لايعني أن يفعل الأمن ما يشاء. وطالب بإخضاع سلطات الجهاز فيما يتعلق بالإعتقال والتوقيف لرقابة القضاء وأنا أعتقد أن رآي مولانا هو رأي متزن يجب الأخذ به. لعله من أكبر الأخطاء التي وقعت فيها حكومة الإنتفاضة هي أنها خضعت للضغوط الشعبية فقررت حل جهاز الأمن. وهو الأمر الذي خلط فيه الناس بين ممارسات جهاز معين وبين الحاجة لذلك الجهاز، لذلك فإن الطبيب الذي يستأصل كلية المريض لأنها  لا تؤدي عملها بالفعالية المطلوبة، لا يستغنى عنها بل ينقل له كلية أخرى لتؤدي عملها.

معلوم أن الأمن في معناه  اللغوي هو الإطمئنان والتحرر من الخوف. لذلك فإن تعريف الأمن الوطنى لابد أن يكون تعريفاً سالباً، بمعنى أنه يعني منع وقوع ما يهدده. فالأمن هو دائماً تحصين في مواجهة مهددات. لذلك فإنه من المهم تحديد ماذا نعنى بالوطن وما هى مهدداته التي يتحقق الأمن الوطني بمنعها. إذا كان الأمن يعني ذلك فإن الأمان يعني أن يشعر المواطن بعدم تدخل الدولة في شؤونه إلا عن طريق أحكام القانون وبإتباع التدابير السليمة للقانون

 

لاتوجد سلطة فوق وثيقة الحريات

“حيث ينتهي القانون يبدا الإستبداد” جون لوك

الحاجة لجهاز الأمن هي حاجة يفرضها وجود الدولة نفسها. ولكن ذلك لايعني بحال من الأحوال عدم تحديد سلطات الجهاز، والتي يجب أن لا تتجاوز بحال من الأحوال حدود سلطات الدولة التي قام ليخدمها. حدود سلطات الدولة بمختلف أجهزتها تقف عند وثيقة الحقوق التي لا تملك أي سلطة من السلطات الثلاث أن تخرقها والتي يقول عنها توماس جيفرسون ” وثيقة الحقوق هى تلك الحقوق التى يتمتع بها الشعب فى مواجهة أى حكومة فى العالم وهى حقوق لا يجوز لحكومة عادلة أن ترفضها”. والتي قال عنها ماديسون فى خطابه للمؤتمر الذى أقر التعديلات العشر الأوائل فى الدستور الأمريكى المعروفة بوثيقة الحقوق ” أساس وثيقة الحقوق هو أن تحد من سلطات الحكومة، وتؤطرها، بأن تخرج من نطاق تلك السلطات تلك الحالات التى يمتنع فيها على الحكومة أن تفعل شيئاً، أو أن تفعل ذلك الشئ فقط بطريقة معينة. “.

إن مسألة سلطات جهاز الأمن يجب معالجتها عن طريق مانحتاجه  من جهاز الأمن بشكل لايسمح بإفراط، ولا تفريط، لأن الإفراط يفقد المواطنين حقهم في الأمان، في حين أن التفريط يفقد الوطن حقه في الأمن. وهذا الخط الفاصل  هو ماسنحاول التوصل إليه في هذا المقال .

وأول مانرغب في أن نزيل اللبس حوله هو الفهم المغلوط بأن ناشطي حقوق الإنسان لايريدون جهاز أمن قوي ووجه الخطأ في هذا الفهم هو أن المدافعين عن حقوق الإنسان لا يعيقهم  نشاط جهاز الأمن طالما أنه يمارس سلطاته وفق تفويضه الدستوري. فالحريات العامة لايدخل ضمنها حرية إنتهاك السيادة الوطنية ولا الإخلال بأجهزة الدولة، بل على العكس من ذلك فإن الحريات العامة لا تزدهر إلا في ظل دولة القانون التي تحرس تلك الحريات.  وهو الأمر الذي يتطلب أجهزة تنفيذ قانون على درجة من الكفاءة والفعالية تضمن ذلك، لذلك فإن المدافعين عن حقوق الإنسان كما سنرى فيما بعد يهمهم أن يتفرغ جهاز الأمن لمهمته الأصلية حتى يعمل بالكفاءة المطلوبة

بالعودة إلى التعديل الدستوري فيما يتعلق بالمادة 151 المتعلقة بجهاز الأمن نجد أن التعديل المقترح لم يفعل أكثر من أن يعيد المادة 151 إلى حالتها التي كانت عليها قبل تعديل 2015 لقد كانت المادة في الاساس تتحدث عن تفويض جهاز الأمن بإعتباره جهازاً مهنياً،يركز على جميع المعلومات وتقديمها وتقديم النصح  للأجهزة المختصة ثم جاء تعديل 2015 فتحدث عن عسكرة الجهاز

واقع الأمر هو أن قانون قوات الأمن لعام 1999 الذي كان سارياً قبل صدور الدستور، والذي ظل سارياً لمدة خمس سنوات بعده، يتحدث عن جهاز عسكري ذو رتب عسكرية. ثم جاء قانون الأمن الوطني عام 2010م فإحتفظ لجهاز الأمن بالتشكيل العسكري الذي كان موجوداً في قانون 1999م. إذا فتعديل 2015م لم يفعل أكثر من الإعتراف بالواقع الموضوعي والقانوني الذي لم تفلح المادة 151 من دستور 2005 في تغييره. وعليه فإن العودة للمادة الأصلية لن يغير شيئاً من واقع سلطات جهاز الأمن التي وصفها القاضي العالم بأنها لا تخضع لرقابة القضاء وأنها تكون أحياناً متعسفة.

لقد سبق وذكرت في مقال سابق أن مشكلتي مع التعديلات الدستورية الموضوعة على منضدة المجلس التشريعي هى أنها عديمة الفاعلية لأنها لن تؤدي إلى وقف ماتعاني منه حالة الحريات العامة في البلد من ضعف والتي أكدها رئيس الجمهورية في خطاب يناير 2014م، حين وضعها كأحد المحاور التي يجب أن يجرى حوار وطني شامل حولها. والتي إستشعرها بعد ذلك مؤتمر الحوار الوطني الذي تبنى توصيات في محور الحريات ترمى الى تقليص سلطات جهاز الأمن في الإعتقال والتعرض للصحافة بشكل خاص. بغض النظر عن النصوص الدستورية ماذ نريد من جهاز الأمن؟ للتوصل لإجابة لذلك يلزم النظر لمفهوم الأمن الوطني

التداخل بين مفهومي الأمن الوطني وأمن الدولة

الوطن كمفهوم قانونى يتكون من عناصر ثلاث، شعب يعيش فى إقليم معين تحت سيادة دولة معينة. فكلمة الوطن تنصرف إلى وحدة ضمن علاقات دولية، والأمن الوطني هو حالة التحصين ضد كل ما يهدد ذلك الكيان فى تلك العلاقات. وهو غالبا يتمثل في مواجهة المهددات الخارجية التي تفرضها الصراعات الدولية والتي تصل درجة تهديد كيان الوطن، وذلك بما يمس إستقلال الدولة أو سلامة إقليمها أوشعبها، لأن كل ما يهدد أياً من هذه العناصر الثلاث يهدد الأمن الوطني. وهذا يعني أن مهدد الأمن الوطنى في الغالب يأتى من مصدر خارجى، وأنه يجب أن يهدد أحد  مكونات الوطن الثلاث.  ولما كانت الدولة هي التي تمارس السيادة على الإقليم، كما وأنها هي المسؤولة عن الدفاع عن الشعب، فإن ما يهدد الأمن الوطني يهدد أمن الدولة لأنه يخل بأدائها لواجباتها. فإذا كان سكان منطقة ما بسبب عرقهم أو دينهم أو تكوينهم الثقافي يتهددهم واقع معين، مثل حالات الفتنة الدينية أو العرقية، فإن هذه المسألة تمس الأمن الوطني، وذلك لأن المهدد يتصل بأحد المقومات الثلاث للوطن، ولكنها تمس أمن الدولة أيضاً عن طريق مساسها بأمن المواطنين الذين يقع على عاتق الدولة توفير الأمن لهم. و وكون ان مصدرها قد يكون داخلياً،  فهذا لا يعني أنها أقل أهمية من مسائل الأمن الوطني التي تتصل بالمهددات الخارجية، ولكن يعني أنها مسألة مختلفة وتتطلب معالجة مختلفة. إذاً فإن أساس الأمن الوطني هو مواجهة المهددات  التى يمكن أن تستهدف مقومات الوطن وهى الشعب، أو الأجهزة المكونة للدولة ، أو الإقليم. وهذا يقودنا إلى التفرقة بين الأمن الوطني و أمن الدولة من جهة، وأمن الحكومة من جهة أخرى، وهى تفرقة غير واضحة  في الدول الشمولية، حيث تتماهى الحكومة فتختلط بالأجهزة الدائمة للدولة، بل واحيانا مع الوطن نفسه مما يلزم معه التمييز بين كل ذلك.

أمن الدولة وأمن النظام

الدولة هي الأجهزة الدائمة التي تمارس السيادة على الإقليم. ممارسة السيادة على الإقليم يتطلب في مقولة تنسب لويبر، أن تحتكر ممارسة العنف القانوني أو الترخيص بممارسته. وهذا يعني أن أي عنف لا تمارسه الدولة ولم ترخص عن طريق القانون ممارسته يعتبر سلوكا غير مشروع. والسبب في ذلك ان الدولة مسئولة عن حفظ الأمن وتنفيذ حكم القانون داخلياً، والدفاع عن إستقلال الدولة وسيادة أراضيها ضد المهددات الخارجية. لذلك فإن القوات النظامية التابعة للدولة، والتي تمارس العنف القانوني بواسطتها، هي من أهم مظاهر سيادة الدولة، وأى تدخل في تلك القوات بغرض الإخلال بقواعد الضبط أو الربط، أو إستخدام تلك القوات في تحقيق أغراض غير التي أنشئت من أجلها، كإدخالها في الصراع السياسي على السلطة مثلاً، كل هذا يمس أمن الدولة وفد يمس الأمن الوطني، إذا كان مصدر التهديد خارجي، لأن التهديد الخارجى هو تهديد يمس إستقلال الدولة بإخضاعها لإرادة أجنبية، فى حين أن المهدد الداخلى هو إعتداء على سلطة الدولة وليس إستقلالها.

و الدولة حتى فى سعيها لحماية أمنها تخضع لعدد من القيود المنصوص عليها فى الدستور وفى القوانين الأخرى، والتى لا يجوز لها تجاوزها، لذلك فإن للدولة أن تحقق أمنها بإستخدام الوسائل المتاحة قانوناً، لمنع لكل ما يهدد سلطتها القانونية بشكل غير قانوني. ومن حق الدولة بل ومن واجبها حماية أمنها في هذه الحدود ولها أن تقيم الأجهزة التي تراقب النشاطات التي من شأنها تهديد أمنها، وأن تمنحها سلطات لضبط تلك النشاطات، ومنع الإعتداء على أمن الدولة، وكل ذلك فى حدود القانون والدستور .

الحكومة من جهة أخرى هي الطاقم السياسي الذي يفوضه الشعب بشكل مؤقت إدارة الأجهزة الدائمة للدولة. الدستور يرسم حدود ذلك التفويض من حيث المدة والسلطات. و أمن الدولة بدوره يختلف عن أمن الحكومة، فالحكومة القائمة أيضاً لها أمن تعمل على المحافظه عليه، وهذا الأمن يهدف للمحافظة على بقائها في السلطة ومنع كل ما يهدد ذلك، والفرق أنه لا يجوز للحكومة إستخدام أجهزة الدولة ولا القانون لحماية أمنها إذ أن بقاءها في السلطة رهين بقبول الشعب لذلك، وبالتالي فإن حماية أمنها يكون فقط من خلال وسائل سياسية و دعائية لإقناع الناخبين بصحة سياساتها، ولكن لا يجوز للحكومة أبداً أن تستخدم الأجهزة الأمنية لمنع مهددات أمنها، ففى ذلك خرق للقانون والدستور، وهو ما تورط فيه نيكسون حين أغمض عينه عن تجسس الأجهزة الأمنية على الحزب الديمقراطى أثناء حملة إعادة إنتخابه فى السبعينيات، مما أدى لإستقالته إستباقا لإجراءات عزله التى كانت سائرة على قدم و ساق فيما عرف بفضيحة ووترجيت.

المهنية و جمع المعلومات

وإذا كانت الحرب هي إستمرار للسياسة الدولية بوسائل مختلفة فإن السياسة الدولية لا تخلو من إستخدام وسائل عدائية قد تكون اشد فتكاً من الأعمال الحربية، لذلك فإن الأمن الوطنى يقتضى التحسب لذلك عن طريق جهاز متخصص، وهذا الجهاز في ظروف تعقيدات الصراعات الدولية يفترض أن يعمل فى سرية مطلقة، حتي لا يعرض علاقات الوطن الدولية للأزمات، و أن يتمتع بدرحة عالية من المهنية، لأن تعقيدات وتشابك العلاقات الدولية وتباين أنواع المهددات الخارجية، تحتاج لتخصصات في مختلف العلوم البشرية، كما ويتطلب الأمر أن يكون دوره الرئيسي هو جمع المعلومات،وهذا لا يمنع من أن تكون له سلطات أخرى ولكن عندما يتصل الأمر بخصوصية وحرية الأفراد، إفإن ذلك يجب أن يكون ذلك تحت سلطة القضاء.وسننظر على ضوء ذلك على قانون الأمن الوطنى كما يريده الدستور.

تفويض جهاز الأمن الدستوري

 على ضوء كل ذلك فإننا نعتقد أنه لابد من قصر تفويض جهاز الأمن الدستوري على الأنشطة المتصلة إما بتقويض إستقلال البلاد أو الإنتقاص منه، أو ما يهدد سلامة أراضيها، عن طريق نشاط سري مخالف للدستور، أو التورط في أعمال إرهابية، أو نشاط ذي طبيعة عسكرية في العمل السياسي، أو إستخدام العنف في الأنشطة السياسية . ويجب أن يشمل التفويض إستبعاداً واضحاً للتدخل في الحياة السياسية أو المدنية العادية، بحيث يُمنع جهاز الأمن من التدخل في أى نشاط سياسي سلمي ليس فقط حماية للحريات، مع مافي ذلك من أهمية، بل أيضاً حماية لأمن الوطن، لأن الوظائف التي يجب على الأمن القيام بها تتطلب مهنية فائقة ودراسة متخصصة، وشغله بمتابعة النشاط السياسي السلمي يصرفه عن مهمته الأساسية. لايجب أن يكون هنالك خلافاً حول عدم جواز تدخل جهاز الأمن في الأنشطة السياسية الحزبية السلمية ولا في أنشطة المجتمع المدني، لأن هذه الأنشطة هى التي تخلق المجتمع الديمقراطي، ولا يصح أصلاً الحديث عن الحرية طالما أن هذه الأنشطة غير مسموح بها أو إذا إعترف الفانون بأى إجراءات تهدف للتضييق عليها أو مطاردتها.

سلطات الجهاز

بالنسبة لسلطات جهاز الأمن فإنني لا أرى ما يمنع من منح الأمن سلطات القبض والتفتيش بشرط أن تخضع ممارسته لتلك السلطات، كما ذهب مولانا عبدالمجيد، لرقابة قضائية، بحيث لا يتم القبض أوالتفتيش إلا بأمر قضائي، بعد تقديم بينة مبدئية للقاضي المختص، عن وجود السبب المحتمل للإشتباه في تورط الشخص المعني في نشاط يخضع لتفويض الأمن، أو عن وجود بينة تكشف عن نشاط يخضع لتفويض الأمن في المكان الذي المطلوب تفتيشه. على أنه في كل الأحوال يتم وضع المعتقل في أحد السجون العمومية، ويسمح له بمقابلة محاميه وأسرته. كما ويجوز منح الأمن سلطة الرقابة عن بعد لمدة محدودة، وتعني الرقابة بدون إخطار الشخص المراقب، وتشمل التصنت على مكالماته، ورسائله الإلكترونية، والوسائل الالكترونية الأخرى، كما يشمل تفتيش ما يخرج من منزله أو مكتبه من قمامة. ولكن ذلك لا يجوز إلا بأمر قضائي، و بعد إثبات السبب المحتمل، ولمدة محدودة لا تتجاوز الأسبوعين لا يجوز تجديدها مالم تسفر الرقابة عن وجود بينات تؤكد الشبهة. وفي حالة إنتهاء الفترة دون أن يسفر التفتيش عن بينة كافية لتوجيه إتهام، أو الإستمرار في التحري بالوسائل العادية، يتوجب على الأمن إعدام كل ما تم تحريزه من مستندات . ويكون للمشتبه فيه الحق في التعويض إذا تمت إخفاء أي معلومات عن القاضي تكون من شانها منع صدور الأمر لو علم بها

يتركز حديث المدافعين عن السلطات الحالية للجهاز في أن سلطات الجهاز الأمنية في السودان لا تفوق سلطات نظائره في المجتمعات الديمقراطية وهذا غير صحيح. هنالك خلاف رئيسي وهو أن تفويض الأجهزة الأمنية في الدول الغربية لا صلة له بالنشاط السياسي الحزبي ولا بأنشطة المجتمع المدني. كذلك فإن السلطات الأمنية تخضع لرقابة القضاء في تلك الدول ولنلقى نظرة على ما جرى في بريطانيا في هذا القرن حيث صدرت بعض القوانين الأمنية المقيدة للحريات

سلطة الإعتقال التحفظي في القانون الإنجليزى

مررت الحكومة الإنجليزية على عجل عقب أحداث 11 سبتمبر قانون الجريمة والأمن لعام 2001 وقد منح القانون وزيرالداخلية سلطة إعتقال المشبوه في إنتمائهم لمنظمات إرهابية دولية من الأجانب لوقت غير محدد لحين إيجاد بلد تقبل إنتقالهم إليها، بعد أن يصدر شهادة بان الشخص المعني يشتبه في أنه عضو في جماعة إرهابية دولية .أجاز القانون للمعتقل تقديم طعناً ضد ذلك القرار للجنة إستئنافات الهجرة، والتي تتكون من قاضي محكمة عليا وقاضي هجرة وخبير أمنى . تسمع اللجنة الإستئناف في جلسات سرية ويجوز لها ان تسمع بينات في غيبة المتهم ومحاميه. تمت إجازة القانون بعد أن أخطرت بريطانيا المجلس الأوربي لحقوق الإنسان برغبتها فى عدم التقيد الصارم بأحكام المادة الخامسة من العهد الأوربي لحقوق الإنسان وهى المادة المقابلة للمادة 29 من الدستور السودانى والمتعلقة بالحق فى الحرية الشخصية والأمان. في رده على ذلك الإخطار ذكر السكرتير العام للمجلس ب ولتر شويمر أن كل الإجراءات المتخذة ضد الإرهاب يجب ان تكون متناسبة مع الخطر ومتوازنة “يجب علينا ان نتفادى الوقوع في الفخ الذي ينصبه الإرهاب بالنسبة للديمقراطية وحكم القانون “.

التهديد الحقيقى لحياة الأمة يأتي من مثل هذه القوانين

اقام عشرة من الأجانب الدعوى المعروفة بإسم أ و آخرين ضد وزير الداخلية للطعن فى  قرار لجنة الإستئنافات الهجرة والتي قضت بإبقاء العشرة رهن الإعتقال لحين إبعادهم من البلاد لخطورتهم .قررت محكمة مجلس اللوردات أن القانون يخالف الأسس الدستورية المتصلة بحقوق الإنسان وأصدرت المحكمة إعلانا بعدم التوافق بموجب المادة الرابعة من قانون حقوق الإنسان. رفض اللورد هوفمان في ذلك الحكم أن الحالة تبرر الإنتقاص من الحريات المنصوص عليها في العهد الأروبي لحقوق الإنسان وذكر ” أنا لا أقلل من قدرات مجموعات الهوس على القتل والتدمير ولكنهم لا يهددون حياة هذه الأمة . لقد كانت قدرتنا على البقاء غير مؤكدة تحت التهديد النازى ولكننا نجحنا فى البقاء ،أما الآن فليس هنالك شكاً بأننا سنتجاوز تهديد القاعدة. لم يقل الشعب الأسباني أن ماحدث في مدريد – رغم فظاعة تلك الجريمة – يهدد حياة الأمة الإسبانية. لم تسمح لهم عزة نفسهم الاسطورية القول بذلك . إن العنف الإرهابي رغم جدية الخطورة التي يسببها لا يهدد مؤسسات الحكم لدينا ولا وجودنا كمجتمع مدني . لذلك فإننى أرى أن لجنة إستئناف الهجرة قد أخطأت ويجب أن نقبل هذا الإستئناف . يرى الآخرون من قضاة هذه المحكمة قبول الإستئناف ليس لأنه لا توجد حالة طوارئ تهدد حياة الأمة ،بل لأن سلطة إعتقال الأجانب دون المواطنين هي سلطة غير عقلانية وتمييزية .  أنا افضل أن لا ابدي رأيا في هذه النقطة . فأنا لا أريد أن يظن احد أن كل ماهو مطلوب هو أن تمتد سلطة الإعتقال إلى مواطني المملكة المتحدة. في تقديري أن هذه السلطة بأي شكل لا تتوافق مع دستورنا .التهديد الحقيقى لحياة الأمة لا يأتي من الأعمال الإرهابية بل من القوانين التي هي على شاكلة هذا القانون . مثل هذه القوانين هي اكثر مايمكن للإرهابيين أن يحققوه . إن على البرلمان أن يقرر ما إذا كان يرغب ان يحقق للإرهابيين هذا النصر “

سلطة الإعتقال فى قانون منع الإرهاب سلطة قضائية

كنتيجة لذلك الحكم أسرعت الحكومة بتقديم قانون منع الإرهاب كان سمته الأساسية ما حذر منه لورد هوفمان وهو مد سلطة الإعتقال للمواطنين ولكنه أحاطها بضمانات عديدة . منح القانون وزير الداخلية اصدار اوامر وضع تحت السيطرة control orders  إذا توافرت لديه أ. شبهة معقولة في أن الشخص المعني قد تورط أو متورط في نشاط له صلة بالإرهاب أو ب . إذا رأى لسبب يتصل بحماية اشخاص من الجمهور ان يصدر امراً يفرض فيه إلتزامات على شخص ما. وهنالك نوعين من الأوامر أوامر لا تتصل بعدم التقيد بالمادة الخامسة من العهد الأوربي لحقوق الإنسان Non  derogatory والثانية تتصل بذلك الإعلان  Derogatory . والأوامر المقيدة التى لا تنتقص من حقوق الإنسان يمكن لوزير الداخلية إصدارها بعد ان يطلب من المحكمة العليا الإذن بإصدار الامر وياخذ الموافقة على ذلك و لا يجوز للمحكمة أن ترفض منحه الإذن إلا إذا كان الأمر معيباً بشكل ظاهر . وإذا منحت المحكمة للوزير الإذن فإنها تأمر بسماع الطلب باسرع وقت بحيث تتيح لمن صدر في مواجهته الأمر إثبات ان الأمر معيب بشكل ظاهر .أما الاوامر التى لا تتفق مع حكم المادة الخامسة من العهد الاوربي لحقوق الإنسان (الحق في الحرية الشخصية ) ـ والمقصود بها أوامر الإعتقال بشكل أساسي ـ فإن سلطة إصدارها ليس للوزير بل لقاضى المحكمة العليا بناءً على طلب يقدمه وزير الداخليه وهو ملزم بالإضافة إلى وجوب امتناعه عن اصدار الامر إذا كان الأمر معيباً بشكل ظاهر فإنه يجب عليه أن يقتنع بان العمل الإرهابي المراد منعه يتصل بالسبب الطارئ الذي صدر بموجبه قرارتعليق المادة الخامسة.حتى الأن لم تصدر أوامر وفق قرار عدم التقيد Derogatory وقد ألغي القضاء عدداً من اوامر التحديد الرقابية المتقيدة بأحكام المادة الخامسة منها أمر بإبقاء ستة اشخاص في منازلهم لمدة ثمانية عشر ساعة يوميا لأن ذلك يرقى للإعتقال المنزلي والذي يتعارض مع المادة 5 من العهد الأوروبي لحقوق الإنسان.

 

قياس مع الفارق

مجمل القول هنا هو ان المملكة المتحدة التي نزعم أننا نحذو حذوها  لم تصدر هذه القوانين التي بدأت بقانون الجريمة والأمن العام لعام 2001 باعتبارها قوانين تتماشى مع تقاليدها الديمقراطية بل هي اصدرتها وهي عالمة بان بعض الإجراءات التى حوتها تخرق تلك التقاليد، ولذلك فلم  تصدرها الا بعد ان قررت تعليق إلتزامها بالمادة الخامسة من العهد الاوروبي لحقوق الإنسان وقرار البرلمان الانجليزي بذلك هو بمثابة إعلان حالة الطوارئ بموجب المادة 211 من الدستور. الثابت هو أن حالة الطوارئ غير قائمة في السودان والذي تحكمه المبادئ الدستورية العادية والتى تشتمل على نفس الحقوق الواردة في المادة الخامسة من العهد الاوربي . السؤال هو إذا كانت سلطة الإعتقال الممنوحة لقاضى المحكمة العليا بطلب من وزير الداخلية في القانون الإنجليزي لم يتم تشريعها إلا بعد تعليق أحكام دستورية في المملكة المتحدة وهي احكام مازالت قائمة وملزمة في الدستور السوداني ألا يدل ذلك على أن السلطة الممنوحة لجهاز الأمن بإعتقال يقرره لنفسه لا يخضع لرقابة قضائية مخالف للدستور؟!.

 

.