نبيل أديب عبدالله

القوانين السيئة هي أسوء أنواع الطغيان . Edmund Burke

مازال حق المتهمين في الإستعانة بمحام يفرض نفسه علينا المرة تلو الأخرى بسبب إتصاله بالعديد من المباديء المتصلة بالحق في المحاكمة العادلة. ما حملنا إلى العودة له هذه المرة، هو دخول النواب الجدد إلى قاعة البرلمان، وهم يحملون لواء ما جاء في محور الحريات في الحوار الوطني وبعضهم ممن  أثق في صدقية طرحه حول الحريات، وعلى رأسهم الصديق كمال عمر، خاصة وأن مسألة الحريات التي تعثر على عتبتها تشكيل حكومة الوفاق الوطني، وقد تمحورت الأن بإعتراف الجميع في الحاجة إلى إصلاح القوانين.

لقد ذكرنا من قبل أن وثيقة الحقوق المضمنة بالدستور ليست في حاجة لتعديل خاصة وقد ضمت المادة 27 إلى أحكام الوثيقة أحكام كل الحقوق والحريات المضمنة في الاتفاقيات والعهود والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان والمصادق عليها من قبل جمهورية السودان. ولكن العلة في القوانين التي ظلت سارية أو التي تم إصدارها بعد صدور الدستور، والتي عمدت إلى الإنتقاص من تلك الحقوق وأحيانا لمصادرتها، رغم صراحة النص الدستوري بعدم جواز ذلك. لما كانت القوانين هي العقبة في وجه توصيات الحوار في محور الحريات، فإن تعديل القوانين أصبح مهمة عاجلة، يجب على الأعضاء الجدد في المجلس الوطني دفع المجلس للقيام بها، إذا كان لدخولهم المجلس دون إنتخاب أي معنى مختلف عن مجرد اللحاق بقطار السلطة.

وثيقة الحريات والمحاكمة العادلة

” فى حججك التى قدمتها من أجل الدعوة لإصدار وثيقة الحقوق أغفلت حجة هامة، وهى حجة تكتسب لدىّ وزناً كبيراً، وأعنى بها أن وجود وثيقة الحقوق يتيح للقضاء سلطة لمراجعة السلطات الأخرى صيانةً لتلك الحقوق. إن القضاء المستقل، والذى يقتصر إهتمامه على أداء عمله، هو موضع ثقة كبيرة لما يتمتع به من علم وتماسك أخلاقي “. توماس جيفرسون فى خطابه لماديسون تأييداً لتضمين وثيقة حقوق في الدستور.

وثيقة الحقوق التي تحمل الحريات العامة وثيقة الصلة بالمحاكمة العادلة، لأنها تعتمد على وجود قضاء مستقل يستطيع أن يفرضها على الجهاز التنفيذي في الدولة. وحق الإستعانة بمحام يقع في موقع القلب من الحقوق المتصلة بالمحاكمة العادلة. إذا كانت القوانين مازالت تنتقص من الحريات العامة فإن السبيل لمقاومتها، إلى أن يتم تعديل تلك القوانين، يأتي عبر بوابة أجهزة عدلية متكاملة، وهذه الأجهزة العدلية تتكون من قضاء مستقل وذلك يشمل النيابة العمومية، و مبادئ إجرائية تدعم دور المحامي في تمثيل موكله. الثابت هو أن الحق في الحرية والأمان والذي تعرضت له مخرجات الحوار الوطني بإستفاضة يتم إنتهاكه بشكل منهجي عن طريق قوانين تجرم ممارسة الناس لحرياتهم التي لا ترضى عن ممارستها الحكومة، وإجراءات تسمح بإحتجاز متطاول لهم قبل الوصول إلى المحاكمة. حق الإستعانة بمحام يمنح المتهمين قدرة على مقاومة ذلك، والوصول إلى القضاء بشكل ناجز وفعال.

الوضع القانوني لحق الإستعانة بمحام

كان قانون الإجراءات الجنائية لعام 74 فقيراً في علاج المسائل المتعلقة بإجراءات ما قبل المحاكمة، وقتد إزداد الأمر سوء على يد قانون 91، وهو الأمر الذي يحتاج إلى معالجة سريعة. وأهم إخفاقات قانون الإجراءات الجنائية في أحكام ما قبل المحاكمة تأتي عن طريق مسألة الحق في الإستعانة بمحامي. وقد زاد الأمر سوء بصدور قانون قوات الأمن الوطني، والذي أعيد إصداره عام 2010 بمسمى مختلف، ولكنه يحمل نفس الأحكام التي عابت قانون 99 من حيث تقييد إن لم تكن مصادرة الحق في الإستعانة بمحامي.

 وضوح تخلف ذلك القانون عن المستوى الدولي، وبالتالي عن إلتزامات السودان تجاه المجتمع الدولي، يضع على الذين دخلوا البرلمان تحت لواء الحريات عبءً ثقيلا في العمل على تعديل القانون ليتوافق مع ذلك المستوي والتي تضمنته العديد من العهود والإعلانات الدولية، ومن ضمنها المبادئ الأساسية بشأن دور المحامين التي اعتمدها مؤتمر الأمم المتحدة الثامن لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين  المنعقد في هافانا من 27 آب/أغسطس إلى 7 أيلول/سبتمبر 1990

معلوم أن قانون الإجراءات اشار إلى حق الإستعانة بمحامي في مرحلة ما قبل المحاكمة إشارة عارضة، تشير إلى الحق ولا تفصله، في المادة 83 (3).  ولكن على المحامين التمسك بالمباديء التي فرضها القضاء فيما يتعلق بالحق في مقابلة المحامي، بالنسبة لبدء الحق وممارسته بشكل لا يؤثر سلبا على سرية الإتصال بين المحامي الموكل، وذلك وفق المباديء التي أرساها  المعفور له بإذن الله جلال على لطفي في دعوى ديكران هايفونى 1968

على مرأى وليس على مسمع

تم إقرار مبدأ حق المتهم فى مقابلة محاميه، فى دعوى حكومة السودان ضد ديكران هايفونى. كان المتهم فى تلك الدعوى مقبوض عليه بإتهام يتعلق بجريمة ضد الدولة، ولم يكن مسموحاً لأحد بمقابلته. تقدم الأستاذ بدر الدين سليمان المحامى بطلب لمقابلة المتهم، فرُفِض الطلب بدعوى أن لوائح الشرطة لا تلزم بالسماح بمقابلة المتهم لمحاميه، وأن المتهم يواجه إتهاما خطيراً يسمح للشرطة بابقائه رهن الإحتجاز لمدة أسبوعين، وأن التحرى لم يكتمل بعد.

ذكر القاضى جلال على لطفى على لسان محكمة الإستئناف، أن المادة 46 (4) من لوائح الشرطة تنص على ما يلى ( سيسمح فى العادة للمقبوض عليهم بأن يتصلوا بذويهم أو بمستشاريهم القانونيين ولكن فقط تحت إشراف الشرطة المباشر. يتم نقل الرسائل عبر الشرطة وتتم المقابلة فى حضور الشرطة ” وكلمة فى العادة والمستخدمة هنا مع كلمة Shall  فى النص، تعنى أنه فى كل الأحوال، وليس فى بعضها، لأن كلمة shall تعنى الوجوب.أي أن النص يقضي بوجوب السماح بالمقابلة في كل الأحوال مستدلاً بقول ماكسويل أنه” فى حالة إستخدام القانون لتعبير غامض فى مجال الحريات العامة، بحيث لم يتمكن القاضي من تفسيره بإستخدام قواعد التفسير العادية، فإنه يجب تفسير النص لصالح المواطن، وضد المشرع الذى فشل فى توضيح مراميه “.

أما القول بأن التحريات لم تكتمل بعد، فهذا لا يعد سببا لمنع المقابلة، فما فائدة المقابلة بعد أن يدلى المتهم بإعترافه ؟ وقد أورد القاضى جلال على لطفى عددا من السوابق فى إنجلترا والهند تؤيد ما ذهب إليه.

وقد فسر القاضى جلال على لطفى إشتراط أن تكون المقابلة تحت إشراف الشرطة بأنها تعنى أن تكون على مرأى وليس على مسمع من المتحرى أو شرطى آخر  يعينه هو should take place within the sight of the investigating officer or a policeman appointed by him and not within his hearing.  وهى الجملة التى ذاع إستخدامها بعد ذلك وأصبحت أحد القواعد الذهبية للقانون.

 ورغم أن قانونين للإجراءات الجنائية قد صدرا بعد تلك السابقة في   74 و 91 الا أن أياً منهما لم يتضمن تلك المبادئ.

 تضمن هذه المبادي الإعلان الدولي “المبادئ الأساسية بشأن دور المحامين” فنص في المادة الثامنة منه على ما أنه “توفر لجميع المقبوض عليهم أو المحتجزين أو المسجونين فرص وأوقات وتسهيلات تكفى لأن يزورهم محام ويتحدثوا معه ويستشيروه، دونما إبطاء ولا تدخل ولا مراقبة، وبسرية كاملة. ويجوز أن تتم هذه الاستشارات تحت نظر الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين، ولكن ليس تحت سمعهم”.

وهذه المباديء في حد ذاتها تحتاج لتفعيلها أن تكون معلومة للمتهم. لا يجوز هنا الإكتفاء بالإفتراض القانوني الذي يفترض علم الكافة للقانون، بل يجب أن يتضمن القانون قاعدة تلزم من يوقع القبض علي المتهم أن يبلغه بحقه في الصمت، وبحقه في الإستعانة بمحامي.

وجوب التنبيه إلى الحق

 يجب أن يحذو قانوننا حذو القوانين الحديثة التي لم تكتفى بتقرير الحق في الإستعانة بمحام، بل وضعت على  الشرطة واجباً إيجابياً بتنبيه المشتبه فيهم لذلك الحق، فيتوجب عليهم قبل توجيه أى سؤال لشخص محتجز لديهم تنبيهه إلى حقه فى الإستعانة بمحام بوضوح وبشكل مفهوم لهم، فإن لم تفعل الشرطة ذلك، يكون كل ما أدلى به المقبوض عليه غير مقبول كبينة في محاكمة ذلك الشخص. نشأ الحق في التحذير أول ما نشأ في إنجلترا وويلز  عندما صدرت القواعد القضائية في عام 1912. و لكن الحق ذاع عندما تبنته المحكمة العليا الأمريكية في سابقة ميراندا ضد أريزونا، وتتلخص وقائعها أنه في عام 1963 تم القبض على أرنستو ميراندا بتهمتي الإختطاف والإغتصاب، وقد إعترف بالتهمتين، ولم تكن الشرطة قد نبهته لحقه القانوني في عدم الإدلاء بأي أقوال، ولا في حقه في أن يكون له محام يحضر التحقيق إذا رغب في ذلك. وفي المحاكمة كانت البينة الوحيدة ضده هي إعترافه، وقد تمت إدانته بناءأ على ذلك الإعتراف. عندما عرض الأمر على المحكمة العليا قررت أن التحقيق قد خلق رهبة في نفس ميراندا، الذي لم يكن على علم بحقه الدستوري في الصمت، ولا في الإستعانة بمحامي، ولذلك فقد ألغت الإدانة وأمرت بإعادة المحاكمة . وقد حددت المحكمة العليا في حكمها هذا بالنسبة للإستعانة بمحامي، أنه يجب أن يخطر المقبوض عليه بحقه في الإستعانة بمحامي، وبأن يحضر ذلك المحامي التحقيق معه، وأنه إذا لم يكن يملك وسائل كافية لسداد أتعاب المحامي، فإن من حقه أن يطلب الإستعانة بمحامي على نفقة الدولة.  وقد حكم بعد ذلك برفض الإعتراف الذي أدلى به متهم لم يكن على دراية كافية باللغة الإنجليزية التي وجه له التحذير بها، لأنه إذا طلب القانون تنبيهاً فإن الإبلاغ  لا يتم إلا إذا فهمه من يتطلب القانون تنبيهه. وقد نصت المادة الخامسة من الإعلان الدولي الخاص بالمبادئ الأساسية بشأن دور المحامين على أن  تضمن الحكومات قيام السلطة المختصة، فورا، بإبلاغ جميع الأشخاص بحقهم في أن يتولى تمثيلهم ومساعدتهم محام يختارونه لدى إلقاء القبض عليهم أو احتجازهم أو سجنهم، أو لدى اتهامهم بارتكاب مخالفة جنائية.

دور الحق في مقابلة المحامي في منع التعذيب

يلعب الحق في مقابلة المحامي دوراً هاماً في منع التعذيب، والمعاملة غير الإنسانية أو المحطة بالكرامة الإنسانية. وذلك أن تلك الأفعال والتي تُرتكب بغرض  إنتزاع إعترافات أو بينات أخرى، يعلم مرتكبوها أن القانون لا يسمح لهم بذلك، بل ويعاقب على إرتكابها. لذلك فإنه يتم اللجوء إليها خفية، وحين تكون الظروف ميسرة لإرتكابها بشكل لا يسمح بمعرفتها، وهذ هو السبب في منع الإحتفاظ بمعتقلات سرية. إذا فالحق في إتاحة مقابلة المحامي للمعتقل لا يقتصر فقط على إعداد دفاع المتهم، رغم أهمية ذلك القصوى، إلا أنه أيضا يتيح وجود مستقل عن السلطات للمتهم أثناء إعتقاله مما يمنع إساءة معاملته.

ما لة.  ويذكر المندوب الخاص المختص بالتعذيب للأمم المتحدة في تقريره المقدم في 17 ديسمبر 2002 لمفوضية حقوق الإنسان بالأمم المتحدة ما يلي:

“التعذيب غالباً ما تتم ممارسته في أثناء خضوع المعتقل للحبس الإنفرادي. الحبس الإنفرادي يجب منعه بالقانون وإنهاء الحبس الإنفرادي بالنسبة للخاضعين له حاليا فوراً.  جميع المعلومات ذات الصلة يجب تسجيلها بدقة وفقاً للقواعد المدرجة في المباديء الأساسية حول دور المحامين . يجب أن يتم إخطار جميع المقبوض عليهم أو المعتقلين بحقهم في الإستعانة بمحام من إختيارهم أو محامي معين من قبل الدولة قادر على أن يقدم لهم خدمة قانونية فعالة .وتتوجب مساءلة رجال الأمن الذين يمتثلون لهذه الأحكام”

ويلاحظ أن الحماية من التعذيب والمعاملة المهينة هي أحد الواجبات الهامة الملقاه على عاتق الدولة، والتي لا يجوز لها حتى في حالات الطواريء عدم التقيد بها، وهو أمر واضح من نص المواد 4 و7 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية.وغ

نطاق  حق الإستعانة بمحامي

حق الإستعانة بمحامي يشمل  كل الإجراءات الجنائية، بدءاً من لحظة إتصال قوات الضبط بالمشتبه فيه بغرض التحري معه عن ظروف وملابسات الجريمة، أو بغرض إتخاذ أي إجراء من إجراءات الضبط ضده  كالقبض أو الأستدعاء أو التفتيش. حق الإستعانة بالمحامي يبدأ قبل التحقيق مع المتهم حين  ينبه المحامي موكله إلى  حقوقه بالنسبة لما يوجه له من أسئلة، وبالتحديد حقه في الإمتناع عن  تقديم بينة تجرمه، وهوالحق المعروف بحق الصمت. ويضع له خط الدفاع الذي يرغب فى إبرازه في التحقيق. كما ويتمثل بشكل أساسي في حضور المحامى للتحقيق، بحيث يتاح له أن يطلب توضيح السؤال الموجه لموكله، أو أن يعترض عليه، أو على الطريقة التي تم بها. كما ويجوز له أن ينصح موكله بعدم الرد على السؤال.

وقدوووق وقد قررت محكمة حقوق الإنسان الأوربية في عدد من الدعاوي أن وجود المحامي في إجراءات التحقيق مهم لتوفير الحق في المحاكمة العادلة . فذكرت في دعوى ليبيديف ضد روسياRussia   Lebedev v. أن إستبعاد المحامي عن السماع الأولي الخاص بتجديد حبس الطاعن كان منافيا للعدالة بالنسبة لظروف الدعوى. وذكرت في دعوى Salduz v. Turkey  أن إستبعاد الحق في الإستعانة بمحام يؤدي للقول بإنتفاء الحق في المحاكمة العادلة كحق عملي وفعال وليس مجرد حق نظري أو متوهم.

كما ويجب ان يتضمن القانون حق المحامي في أن يعلم البينات التي تم الحصول عليها ضد موكله وأن لا يتم تجديد حبس المتهم إلا بعد إجراء سماع يحضه المتهم ومحاميه. وقد إشترطت محكمة حقوق الإنسان الأوروبية أن يسبق رفض الإفراج بالضمان سماعاً إختصامياً Adversarial  ،ولكى يكون كذلك إشترطت أن تتوفر فيه عدة شروط أهمها المساواة في الأسلحة Equality of Arms ،والتي تعنى إتاحة فرصة متساوية للطرفين، وقد قررت المحكمة في دعوى نيكولوفا ضد بلغاريا أن إتاحة يومية التحري لمحامي الدفاع قبل يومين فقط من تاريخ الجلسة المحددة لسماع البينة حول الإفراج يخل بمبدأ المساواة في الفرص، لأن الإتهام لم يكشف عن المستندات التي يستند عليها في طلب رفض إطلاق السراح بالضمان، وقد قيل في دعوى R V. DPP, EXPARTE LEE الإنجليزية  أنه يتوجب على وكلاء النيابة التحلي بالمسئولية التي تجعلهم واعين بالحاجة لأن يكشفوا للدفاع عن المعلومات والمستندات، الموجودة في السجلات، التي تساعده في دعواه بغرض إطلاق سراح المقبوض عليه بالضمان.

وكل هذه المباديء لم يتعرض لها قانون الإجراءات على الإطلاق مما يستلزم إجراء تعديل سريع لمقابلة ذلك

 

المحامي