خالد فضل

تابعت خلال الاسبوع الماضي بعض ما نشر عن (ملتقى السودانيين للتفاكر حول مسألة دور الدين في الحياة العامة) ذلك الملتقى الذي انعقد بنيروبي 23 – 25 فبراير  2017 , بتنظيم مشترك بين مشروع الفكر الديموقراطي الذي يرأسه شمس الدين ضو البيت الناشط المدني المعروف و مؤسسة إيلاف لصاحبها الصحفي المعروف خالد التجاني النور . أمّ الملتقى حوالي اربعين شخصاً من النساء و الرجال الذين \ اللائي لهم \ ن دور و اسهامات مختلفة في الحياة العامة من اكادميين و اعلاميين و نشطاء المجتمع المدني , و سياسيين , في توليفة ضمت بعض المنتمين لتيارات الاسلام السياسي و يساريين و جمهوريين و ديموقراطيين بصورة عامة . ثمة ملاحظات بدت لي و اريد تسجيلها هنا .

اقر المشاركون \ ات بدور للدين في الحياة العامة , العبارة فضفاضة و حمالة اوجه , إذ لا خلاف نظرياً و عملياً حول دور المعتقد الروحي للناس في كل اوجه نشاطهم الانساني , و لكن ما هي حدود هذا الدور في الحياة العامة هذه هي نقطة الخلاف الرئيسة بين دعاة اسلامية الدولة و ما يمكن وصفهم مجازاً بالعلمانيين , فليس هنالك اي مشكلة دين في ما يلي غير الاسلاميين , خاصة بالنسبة للديموقراطيين الذين تنطلق تصوراتهم من مبادئ حقوق الانسان و بالطبع من ضمنها حقه في الاعتقاد الديني و ممارسة شعائره و طقوسه الثقافية و العقائدية دون حجر او اكراه , فهل في تصور الاسلاميين أيّاً كان تيارهم ان الآخر المختلف عنهم له ذات الحقوق المتساوية ؟ فإذا كان تبني مفهوم وجود دور للدين في الحياة العامة بصورة غير محددة فإنه يترتب على ذلك ما يمكن متابعته الآن على مسرح الحياة العامة في السودان , فتحت زعم الاسلاميين ان الاسلام دين و دولة اختلط الحابل بالنابل , فالشرطي (قدوقدو) الذي كان يجلد شابة في ساحة احدى المحاكم و تحت ابصار بعض المتفرجين حسبما شاع عبر وسائط الاتصال الحديثة ذلك الشريط المصور قبل سنوات و عرف بشريط (فتاة الفديو) بل اعلنت الشرطة عن فتح تحقيق في الواقعة التي حدثت في الخرطوم , جاء الرئيس البشير و في خطاب جماهيري مذاع و متلفز عبر البث المباشر معلناً ان ذلك الشرطي يطبق في حدود الله و ملغياً قرار الشرطة السابق بتكوين لجنة تحقيق في الحادثة . الرئيس هنا يستند على خلفيته الاسلامية التي لا تضع حداً بين الدين و الدولة , فقرار الشرطة بتكوين لجنة تحقيق إجراء طبيعي و معقول فالامر هنا ليس له علاقة بالدين إنما يرتبط بضبط ممارسات منسوبي الشرطة . هذه هي اوجه الخطر في ترك مسألة دور الدين في الدولة .قبل سنوات تم اعتقال الزميل الصحفي زهير السراج على خلفية نشره لكلمة انتقد فيها استخدام مكبرات الصوت في المساجد وسط الاحياء السكنية لغير رفع الآذان فقط , مشيراً لما تسببه اصواتها العالية في خطب الوعظ و الدروس الدينية و في اوقات صعبة مثل وقت الفجر حيث هنالك المرضى و المتعبين الذين يخلدون للراحة في منازلهم و تسبب لهم تلك الاصوات ازعاجاً ما بعده ازعاج , حدثني احد الزملاء الذين لا اشك في صدق روايتهم ان مسؤلاً رفيعاً ظل يتقلب في الوظائف العامة منذ انقلاب الاسلاميين في عام 1989 و حتى الآن نقل نصحه لدكتور زهير عبر صديق مشترك للطرفين مفاده (كل شئ و لا ديننا ده) ترى ما هو حد الدين ده لدى ذلك المسؤل الاسلامي ؟ ففي تصور اي اسلامي تقريباً انه هو او تنظيمه من يمثلون الاسلام و غيرهم (مجتمع جاهلي).

الدولة كما هو معلوم نتاج الفكر البشري و لا يرتبط اداء وظائفها بدين الموظف , في الواقع اما ان تكون دولة ديموقراطية بمعنى الكلمة او غير ديموقراطية تحت اي مسمى جاءت (اسلامية , جماهيرية , علمانية … الخ) هنالك دراسة حديثة قبل بضع سنوات لاستاذين مسلمين في جامعة امريكية قاما بتطبيقها على كل دول العالم حول معاير اسلامية الدولة و قد كانت النتائج في غير صالح دعاة (دور الدين في الحياة العامة) فنيوزيلندا التي جاء ترتيبها الاولى من خلال 113 مؤشر في اربعة مجالات لم تنشأ فيها جماعة اسلامية تزعم ان الاسلام دين و دولة , إذ لا حاجة اساساً لاقحام الدين في شؤون الدولة العامة , و الملاحظ ان اداء الدولة السودانية لوظائفها العامة قد كانت افضل بما لا يقاس عنها بعد ان آلت للاسلاميين , إذ كادت معالم الدولة أن تنتمص خلال عقودهم الثلاثة الماضية .

و ربما نشأ في اوساطهم تيار يروم العودة إلى ما قبل تجربتهم في الحكم , فمثلاً العودة لمقررات المرحلة الابتدائية بذات مسمياتها (تاريخ , جغرافية , علوم الخ) بعد عقود من تيه التأصيل , و يمكن قراءة قرار الحاق مليشيا الجنجويد بالقوات المسلحة كمعادل لقوات الدفاع الشعبي ذات الصبغة الآيدلوجية الاسلامية , فهل يمكن ان يكون هذا مؤشر للتخلي عن مشروع الاسلمة القسري الذي ادخل البلاد في جحر ضب خرب .

ملاحظة اخرى حول المشاركين من الاسلاميين – ات , فمعظمهم من الوجوه التي تشارك كثيراً في مثل هذه الفعاليات ,  ربما الوجه الجديد هو الاستاذة انتصار ابو ناجمة امينة الفكر و الثقافة بالمؤتمر الوطني , و لكن يبقى السؤال حول مدى نفوذ هؤلاء السادة و السيدات الكرام و مدى تأثيرهم في ظل هوجة فقهاء السلطان و بعض غلاة المتشددين كالجزولي رئيس الدواعش او فريق من انصار السنة الذين يزعقون بغليظ القول و الفتاوى و ادناها فتوة (الردة) !