أحمد ضحية

سنعود لاحقا لمناقشة أهمية المجهودات الدبلوماسية، التي تجري الآن، للتأكيد لجماهير الحركة والمتعاطفين معها إقليميا ودوليا، انها رغما عن وقائع الانقلاب، وسعيه لفرض (واقع جديد)، إلا أن الحركة الشعبية تؤكد، أنها ستظل متمسكة برؤيتها ومشروعها لحل قضايا السودان، وبمواقفها المعلنة وتحالفاتها..
ورغبة منا في هذه السلسلة من المقالات، لا بكشف الحقائق فقط، بل وايضاً، تحويل مسار مهاترات (بعض الرفاق)، الذين وقعوا أسرى دعاية (القومويين والاسلامويين والانتهازيين) في مجموعة الحلو، في وسائل التواصل والإعلام، إلى مجرى (الموضوعية)، سنناقش ما عبروا عنه (قبيل وبعيد وأثناء الانقلاب) كجزء من الخطوات (المرتبة والمخطط لها، بعقلية التحشيد والاستقطاب) للتهيئة العامة، ومن ثم (الباس ارباع الحقائق، ثوب الحقيقة الكاملة، للترويج لقناعات تنطوي على خلاف ما تظهر)، اهمها ان هذا التوجه الانقلابي، هو (ثورة تصحيحية!)، بينما في الحقيقة هو لكل ذي بصيرة وبصر، لا يعدو أن يكون (ردة سوداء، تكفر بالمشروع والرؤية التي تدعيها جزافا)!
سنناقش كل هذه الأمور وفقا لأهميتها في سياق سردنا، وقناعتنا أن في الأخير (يبقى ما ينفع الناس ويذهب الزبد جفاء)، وأن محاولات (لي عنق الحقيقة) بدفوعات تعبر عن (وعي زائف) بطبيعة هذه الأزمة، لا محالة ستتهاوى بحكم منطقها نفسه، والذي يتناغم مع مخططات النظام، في تقسيم وتجزئة السودان..
وفِي التأكيد على ذلك سنتناول لاحقا بالتحليل (التقرير الأمني المفبرك)، الذي سربته الأجهزة الأمنية للنظام مؤخرا، عن اجتماع مزعوم ل (اللجنة الأمنية والاستخباراتية لإدارة الأزمات)، بمكتب مدير جهاز أمن ومخابرات النظام، بتاريخ 18/6/2017 بحضور: البشير، بكري، غندور، ابن عوف، ممتاز، عطا، ابراهيم محمد الحسن، ابراهيم محمود وإبراهيم أحمد عمر.
وكان أحد أجندته الثلاثة الأساسية: (تطورات الأوضاع داخل الحركة الشعبية).
سنناقش كيف يعمل هذا التقرير المفبرك، على دعم التوجه الانقلابي للحلو، لضرب التوجه الحقيقي للحركة الشعبية، على عكس ما زعم في (حيثياته المفبركة)، التي رمى منها لتعميق الانقسام والتشرذم، خلال رسم بورتريه له، يدعم التصور الذي يتبناه الحلو، ضد توجهات قيادتها الشرعية!
وحتى لا تتفرع بِنَا المسائل، وبعضها يمسك بتلابيب بعض، سنتناول تشابكاتها لاحقا، لذا سنفرد (اولا) هذا المقال والذي يليه للرسالة الوثيقة: (BEWITCHING OF THE LIBERATION
Genesis of the SPLMN split of 2017
التي هي قيد الترجمة للعربية الان، والتي سرد فيها الرفيق عقار، تسلسل الوقائع والأحداث داخل القيادة، ونشأة الانقلاب، خلال تسليطنا الضوء على مواقف الرفيق الحلو خلال هذه الأحداث، والتي كانت تشير بوضوح، أن الرجل (يتلكك) وقد انتوى شيئا غامضا، لم يعبر عنه بصراحة، وقد وضح فيما بعد، إن هذا الشيء الغامض هو (الانقلاب على الشرعية) التي ظل يناورها من آن لآخر، بإثارة قضايا تافهة أو باحتجاجات عبثية أو بتقديم استقالته (زهدا في القيادة) ريثما تكتمل استعداداته للانقلاب، ليستولى على التنظيم، ويغير من طبيعة ومسار مشروعه ورؤيته، وفقا للقناعات (التي عرفت عنه)، بضرورة تقسيم السودان، إلى خمسة دول!
يقول الرفيق مالك عقار، في رسالته الداخلية – الوثيقة المشار إليها:
في يوليو 2015 اتخذ قرارا بعقد اجتماع للسلطة التنفيذية، في بلد مجاور، للتحضير لاجتماع قيادة الحركة الشعبية لتحرير السودان. وصل عبد العزيز من جبال النوبة، وكان يعاني من مشاكل صحية أثرت على بصره وسمعه.
وتم عقد الاجتماع في الفترة من 1 الى 5أغسطس 2015واتخذت في هذا الاجتماع عدة قرارات، منها تعيين الجنرال (جقود مكوار مرادا) رئيسا للأركان، ليحل محل الفريق عبد العزيز آدم الحلو.
وكانت خلفية هذا القرار، توصية من الرفيق عبد العزيز نفسه، الذي كان قد ناقش هذه المسألة أولا مع الرفيق ياسر عرمان، مشيرا إلى أن سكان جبال النوبة (يشكون) من أنهم غير ممثلين في القيادة العليا للحركة، ما جعله شخصيا، أي عبد العزيز، (يشعر بعدم الارتياح)، ولهذا السبب أوصى بجقود.
وكان الرفيق ياسر (لتهدئة مخاوف النوبة) قد اقترح إخلاء موقعه للجنرال جقود، و الذي كان قد عمل معه سابقا في ملف الدبلوماسية والسلام.
لكن كان رد عبد العزيز أن الجنرال جقود سيكون (ملائما أكثر لرئاسة الأركان)، مؤكدا أنه سيكون على استعداد، لتسليم هذه المهمة إلى الجنرال جقود، مع الاحتفاظ بموقعه كنائب للرئيس فقط (..) وهكذا اتخذنا ثلاثتنا قرارا بتعيين الجنرال جقود مكوار، رئيسا لهيئة أركان الجيش الشعبي لتحرير السودان – شمال
وليس ثمة أدنى شك أن (سكان جبال النوبة)، لم تكن لديهم أي شكوى، تتعلق بالتمثيل في القيادة العليا، وإنما الحلو مرر هذه المزاعم، لتعضيد موقفه شخصيا وسط النوبة، بإظهار نفسه أمامهم كمحارب، حريص على مصالحهم، دونا عن غيره من أعضاء المجلس القيادي. ويتضح الآن أن تلك، كانت خطوة مدروسة، لاستقطاب موقفهم المؤيد للانقلاب مستقبلا، و (اختطاف الحركة من مشروعها ورؤيتها)، خاصة أن القيادة الشرعية، كانت مهمومة وقتها، بإرساء قيمة مهمة في نقل السلطة، إلى قيادة جديدة، إذ تشير رسالة الرفيق عقار هنا.. إلى هذا المعنى البعيد كل البعد، عن أفكار (التشبث بالسلطة واحتكارها) والتي تم التدليل عليها -هذه القيمة- مسبقا بتعضيد مقترح الحلو نفسه، بتعيين جقود لرئاسة هيئة الأركان..
يمضي عقار في الرسالة- الوثيقة قائلا:
ومن ثم ناقش الاجتماع اللاحق -بعد ذلك الاجتماع الذي تم فيه تعيين جقود- الحاجة إلى نقل سلمي للسلطة، فقد مضت خمس سنوات علينا في القيادة، ولذلك ناقشنا في هذا الاجتماع عدة نماذج لنقل السلطة، انطلاقا من واقع نضال التحرير، متناولين سلبيات وإيجابيات هذه النماذج:
1.
رأينا في النموذج الأول، أن يتنحى ثلاثتنا فورا مفسحين المجال لقيادة جديدة. ولكننا ندرك أن لهذا النموذج عيوبه التي تغلب على مزاياه. إذ قد تفضي هذه الصيغة في نقل السلطة، إلى حالة من الارتباك، تعوق عمل الحركة، فضلا عن ما قد تولده من تساؤلات داخل التنظيم.. بين الأعضاء.. وخارجه بين المتعاطفين مع الحركة. الى جانب ان هذه الصيغة، لا توفر الوقت الكافي للقيادة (الحالية والقائمة) للتحضير لتسليم مسؤولياتها للقيادة (الجديدة)، فضلا عن تهيئة أعضاء الحركة وجماهيرها والمتعاطفين معها اقليميا ودوليا.
ولذلك انتقلنا لنقاش نموذج آخر لنقل السلطة، يتمثل في:
2.
النقل التدريجي للسلطة في غضون فترة تتراوح بين 18 شهرا، ابتداء من (تنحية مجلس القيادة) بعد ستة أشهر وتعيين بديل؛ ونائب الرئيس للتنحي عن منصبه بعد 12 شهرا والرئيس بد 18 شهرا: وهذا من شأنه أن يتيح الاستعدادات الكافية للقيادة (المتنحية والجديدة) كما أنه يبدو أكثر تنظيما. ويمكن إنجازه بطريقة سلسة.
وهكذا شرعنا في تحديد مجموعة القيادة المقبلة، فناقشنا الخيارات المتاحة. وتوصلنا لتحديد أسماء بعينها، وعرضنا عليها الأمر، وقد تقبلوا الفكرة والصيغة، لكنهم ترددوا وطلبوا مهلة من الوقت للرد على المقترح، إذ كانوا يَرَون أن التوقيت يشكل مشكلة، وغير ملائم. لكننا أصررنا وأوضحنا أن الاقتراح سيقدم كجزء من جدول أعمال اجتماع مجلس القيادة القادم. والصوت الوحيد الذي رفض هذا الاقتراح (اقتراح نقل السلطة لقيادة جديدة) هو عبد العزيز الحلو، نائب الرئيس. محتجا بأن الوقت لم يحن بعد لتقديم مثل هذا الاقتراح. ولذلك أرجئ تنفيذ المقترح إلى اجتماع مجلس القيادة، و تنفيذ الاتفاقية الوطنية
ورفض الحلو هنا لاقتراح نقل السلطة، لقيادة جديدة، يثير أسئلة مشروعة: فهل كان يخشى أن يتعثر تنفيذ مخططه الانقلابي؟ أم أن ذلك كان مؤشرا على إصابته بلعنة (احتكار السلطة) التي تقلب خلال السنوات، من ثمانينيات القرن الماضي حتى الآن، على مواقع مهمة من مستوياتها، داخل التنظيم والجيش؟ هل حسب الرجل و (فكر) انه في حال تسلم قيادة جديدة، سيجد نفسه (بلا شك) يبدأ من الصفر، كيما (يكون ويحشد) مواقف ضدها، تسند (مشروعه الانقلابي)، وبالتالي سيستغرق تنفيذ مشروعه وقت طويل؟
لن نجيب على هذه الأسئلة، سنترك أمر الإجابة عنها لفطنة القاريء.
يواصل عقار حديثه:
“(..)
وفي اجتماع القيادة ببريتوريا، جنوب أفريقيا. وخلال المناقشات التي دامت سبعة أيام، كانت هناك ملاحظات قليلة بشأن بعض المجموعات، وإن كانت صغيرة. وقد أبدى عبد العزيز ملاحظات هامة، بشأن مجموعة الأمن، إذ رأى أنه لا ينبغي إدراجها في الوثيقة الموحدة، محتجا بأنه أمر صعب، لأنه يعني: أن العملية برمتها، قد تنتهي دون تحقيق النتائج المرجوة منها. وكان الحل الأول الذي تم الاتفاق عليه، هو تشكيل لجنة من المجموعات الرئيسية، يقودها الحلو شخصيا، لإعادة صياغة الوثيقة الموحدة، وتعديلها وفقا لاقتراحاته. ولم تشكل تلك اللجنة. فاقترحنا حلا توفيقيا: أن يعيد عبد العزيز الحلو نفسه، صياغة القسم المتعلق بالترتيبات الأمنية، بطريقة يرى أنها مناسبة لإدراجها في الوثيقة. ولم يتم ذلك..”
واضح خلال ما سبق من سرد الرفيق عقار، ان الحلو شخصيا كلّف بقيادة اللجنة المسؤولة عن اللجان، وقد تركت له حرية إعادة صياغة الوثيقة وتعديلها، وفقا لاقتراحاته، ومع ذلك لم تشكل هذه اللجنة؟؟!!
وأيضا لم يقم بصياغة الجزء المتعلق بالترتيبات الأمنية، والذي (ترك أمره له) كحل وسط.. فلم يفعل فيه شيئا، مع أنه (هو من تقدم بالاحتجاج فيما يخص هذا الجزء؟؟!!) فما الذي كان يعنيه كل ذلك، سوى إعاقة العمل (كسبا للوقت) لتنفيذ أجندة خفية؟!
تواصل الوثيقة:
“(..)
بعد ذلك اشتكى عبد العزيز، من سبب قيام الحركة بصياغة وثيقة برنامجية، قبل اعتماد بيان. ولذلك اقترحت مشروع نص لبيان، وأرسلته له بالبريد الإلكتروني في 9 يونيو 2016 سعيا إلى الحصول على رأيه، حتى يمكن عرضه في الاجتماع المقبل لمجلس القيادة. ولم يشهد مشروع البيان هذا النور حتى الآن؟!
ولا يوجد مشروع التمثيل في الحكم الذاتي للمنطقتين، والذي قمت بإرساله عبر البريد الإلکتروني في نفس اليوم. وقد أدى عدم الحصول على أي رد بهذا الشأن، إلى توقف العمل في برنامج الحركة، دون ان يتقدم بتفسير معقول.
لذلك من المثير للدهشة (شكواه في استقالته) من عدم وجود هذه الوثائق! التي عمل هو شخصيا على تعطيلها!
نواصل

ahmeddhahia@aol.com

الحلقة الأولى على الرابط

الانقلاب في الحركة الشعبية : تقرير المصير- فزاعة قميص عثمان1

الحلقة الثانية على الرابط

الانقلاب في الحركة الشعبية: تقرير المصير – فزاعة قميص عثمان2