أحمد ضحية
(1)
مقدمة
الحركة الشعبية/ شمال، ليست مجرد حزب سياسي أو حركة ثورية عسكرية، كغيرها من الحركات المسلحة والقوى السياسية، فهي أداة وبرنامج سودان المستقبل الموحد، الذي تنتظمه التنمية والعدالة والمواطنة والسلام.
وهي حاملة مشاعل نهضته في تنوعه، الذي تسعى وجيشها، لتفجير طاقاته وإمكاناته الخلاقة، لخير هذا الوطن الكبير وانسانه. كيما يصبح قادرًا بالفعل على التفاعل مع إنسان العالم الواسع، و مساهما أصيلا في حضارة الإنسان.
بهذا التصور العام، ظلت الحركة الشعبية، أحد أكثر الحركات المسلحة فعالية وتأثيرا، من الناحية العملية على المشهد السياسي، وعلى مستقبل النظام والإسلام السياسي، لما تميزت به (رؤية السودان الجديد) التي طرحها القائد الراحل دكتور قرنق من جاذبية وتأثير، على قطاعات واسعة في المركز والأطراف.
ولما تميزت به من انفتاح على التطوير، بما تجلب وتجابه من رؤى وأفكار متجددة وجديدة ومتنوعة.. الحركة الشعبية إذن وبكل المعايير بشقيها المدني والعسكري، ليست تنظيما عاديا كغيره من التنظيمات، بما ينطوي عليه من (روح التحرر الوطني) من الاستعلاء والتهميش والاستبداد وافق المستقبل الواعد.
كما أن رؤية السودان الجديد، كرؤية نقدية للسودان القديم، نهضت في تفكيك عناصر هذا التهميش والاستعلاء، وسطوة النظام الإيديولوجي، الذي ظل ينتج دولة تحكمها مجموعات المصالح والطفيلية والانتهازية، سواء عبر نظم عسكرية استبدادية، أو ديمقراطية تم تفريغها من مضمونها الاجتماعي والتنموي!
ولذلك هم قادتها الحقيقيون، ليس تقلد الوظائف الاعتبارية، أو ربح المعارك الانتخابية، أو معارك التعيين للمناصب داخل التنظيم وخارجه.. بل (تمليك الوعي بالسودان الكبير الواحد الموحد) لجماهير هذا الشعب، التي هي صاحبة القرار الأخير في وطنها المتنوع والمتعدد، الذي لا يمكن أن تسمح فيه، لاثنية محددة أن تحدد مصيره ومستقبله، سواء كانت مركزا (إسلاموعربيا) او (نوبويا) او أيا كانت الاثنية التي ترغب بعض النخب المنسوبة اليها -حقا أو جزافا- استغلال (مواردها المعنوية) للهيمنة على الآخرين المختلفين عنهم، مضمرين كفرهم، برؤية السودان الجديد، التي هي الخلاصة أو الثمرة، لعملية نقدية عميقة للواقع السياسي في السودان، الذي ظل يعيد إنتاج نفسه في نسق دائري: من ديموقراطية إلى انقلاب والعكس.. بحيث أهدرت مصالح الشعب، في هذه الحلقة الجهنمية، التي ظلت تتغذى من مشاريع الإسلام السياسي الفاسدة، والطائفية البغيضة، والنزوع الاثني المتخلف!
ولذلك عندما نقرأ الأزمة الراهنة، التي كشفت عنها استقالة الحلو، وما إلى ذلك من قرارات لمجلس التحرير ج. كردفان، وما ترتب على ذلك من بوادر استقطاب واستقطاب مضاد.. عندما نقرأ هذه الأزمة نستصحب معنا، الأزمة العامة للمشهد الحزبي في السودان.
فالحركة الشعبية ليست (القندول الذي شنقل الريكة)، وأزمتها الراهنة، وجه من الوجوه الكثيرة، لما يعترض الإصلاح الحزبي من عوائق، لعوامل بعضها ذاتي وبعضها الآخر موضوعي.
العوامل الموضوعية التي حالت دون أن تتم عملية الإصلاح داخل الحركة، تنقسم إلى جزئين:
(1)
الجزء الاول تشترك فيه الحركة ك (تنظيم مدني) مع كل القوى السياسية الأخرى، التي تعاني من عدم توفر الشروط الملائمة، لعقد مؤتمرات حقيقية تعالج إشكالاتها المتراكمة، في ظل استهداف النظام لها، بالاختراق والتجزئة والتفتيت. يسهل مهمته في ذلك عوامل غير موضوعية، تتمثل في الرفاق ذوي القدرات المحدودة والطموحات الكبيرة، بغبائنهم الشخصية واحنهم وعداوتهم وتكالبهم وانكبابهم على التفكير في الحلول المرحلية المؤقتة، على حساب الحل الاستراتيجي الدائم، وربما -أيضا- سوء ظنهم في القيادة الشرعية. اضافة الى ان الحركة الشعبية تنظيم محظور ابتداء، و ليس كغيره من التنظيمات!
(2)
الجزء الثاني يتعلق بطبيعة الحركة الشعبية، كتنظيم ثوري عسكري مقاتل (الجيش الشعبي) نهض أساسا في الأسس العسكرية، لطبيعة المشروع نفسه (السودان الجديد، بمعنى إعادة البناء الثقافي والمعنوي على أنقاض سودان الراهن، بكل ما يمثله من قيم إقصاء وتهميش وفساد وتمييز)، ومؤكد ان الحركة الشعبية كقوة مدنية، تأثرت عميقا بالطابع العسكري.
لذلك ليس غريبا أن تنفجر الأزمة ابتداء، في الذراع العسكري، ثم تلقي بظلالها على التنظيم المدني، وتلك مفارقة، فالطبيعي أن تحدث الأزمة في القطاع المدني، وتنتقل -او لا تنتقل- إلى العسكري، ولكن لاختلال التنظيم حدث العكس! وتطور إلى حالة من الاستقطاب والاستقطاب المضاد؟!
على خلفية ما تقدم.. الأزمة ليست جديدة، فالجميع يعلمون بوجودها، وأسهموا في صناعتها بمقادير متفاوتة، لكن ظلوا يغضون عنها الطرف، وعندما برزت للسطح، حاولت مجموعة الحلو تحميل وزرها للقيادة الشرعية، التي كان هو جزء منها (أبريء نفسي من دمه براءة الذئب من دم ابن يعقوب) قبل استقالته معفيا نفسه، من تحمل مسؤولية أخطاء أسهم فيها بنصيب الأسد، ولذلك لا يمكن تحميل وزرها للرفيق عقار أو عرمان.
كما لا يمكن إعفاء قيادات الصف الأول، والقيادات الوسيطة أو المستويات الدنيا، من مسؤولية هذه الأزمة، التي لاشك توشك أن تتحول إلى انقسام كامل. فالجميع لهم دور في هذه الأزمة، وهم جزء منها بشكل من الأشكال، وبالتالي جميعهم جزء من الحل!
وإذا كانت استقالة الرفيق الحلو، قبل أن يتم توظيفها بطريقة (اخلع عليا كما خلعت خاتمي هذا، وأثبت معاوية كما أثبت خاتمي هذا)، قد ألقت حجرا على بركة ساكنة في البدء، إلا أنه تم توظيفها فيما بعد، بصورة سيئة أفضت للوضع الدراماتيكي المأزوم الراهن، الذي يبدو واضحا أنه ثمرة تخطيط، وليس مجرد استقالة فحسب كغيرها من الاستقالات. ومن المؤكد والحال كذلك، أن أجهزة الحركة المعنية بأمنها، فشلت في إدراك هذا المخطط، لضرب الحركة، لذا لم تتعامل مع استقالة الحلو بما تستحق من إجراءات صارمة لحصار تداعياتها!
ربما أن توقيت الاستقالة الأخيرة -وقطعا هو توقيت مقصود- إذ تمت في وقت يمور فيه جسم الحركة، بأزمات التنظيم، وبفراغ مؤسساته وهياكله وعيوب دستوره ولوائحه، وطغيان النشاط العسكري والسياسي والتفاوضي، بحيث يصعب الالتفات للمشكلات الداخلية، التي تبدو صغيرة إزاء ما يتم من أعمال كبيرة، بل وتبدو الأزمة كأنها لا وجود لها؟
واقع الأزمة لا يعني عدم وجود الحركة الشعبية، لكنه بالضرورة يعني أن دورها، وتحقيق غايتها معطّلان، رغم نشاطها السياسي والتفاوضي العسكري البارز، فاستمرار النبض في الجسم لا يعني أنه غير معتل!
إذن المشكلة وكما عبر رفاق كثر غيري، كانت تقتضي مراجعات في المنفستو والدستور والبناء التنظيمي. والاعداد للمؤتمر العام. وقبل ذلك إنجاز أوراق هذا المؤتمر، التي تشخص مشكلات الحركة، بشقيها المدني والعسكري، وتراجع رؤية السودان الجديد وتوجد الحلول.
وذلك لأن هذا النوع من الأزمات ليس جديدا، فالازمات وسمت التأسيس نفسه، ولكن الشخصية الكاريزمية للزعيم الراحل دكتور قرنق، استطاعت امتصاصها وتحصين التنظيم. وهو الدرب الذي مضى فيه المجلس القيادي، الذي تولى إدارة الأمور في ظل ظروف معقدة، ضاعف من تعقيداتها، ما أفضى إليه (مبدأ تقرير المصير) من واقع (دولة منفصلة) تعاني (الاحتراب الاثني)!
في تقديري الشخصي أن تداعيات الأزمة، على النحو الماثل الذي نراه الآن على وسائل الإعلام المختلفة، بصورة أساسية نتج عن أن عناصر فاعلة ومؤثرة داخل التنظيم، أو خرجت على التنظيم، ليس لديها إيمان كافي ب (السودانوية) التي ينادي بها مشروع الحركة، كبديل للانتماء الاثني. وهي العناصر التي تسعى الآن، من حيث تدري أو لا تدري ل (نبونة) إذا جاز التعبير، الحركة الشعبية والجيش الشعبي، فقط على خلفية أن النوبة، مركز ثقل هذا الجيش، وإن رحى الحرب تدور في أرضهم، وتقتل اهلهم.
وإن غير النوبة من أعضاء الحركة الشعبية، لم تسهم قبائلهم بمقاتلين! وهو منطق مختل تماما، فرؤية الحركة أساسا ضد القبائلية، كما أن النظام الحاكم حربه التي ظل يشنها، لم تستثني بقعة واحدة في السودان الكبير.. إن لم يكن ضحاياه يقتلون بنيران الأنتونوف، كما في الأطراف، فإن ضحاياه يموتون بالكوليرا الآن، في قلب مركزه.. ويموتون بالسرطانات وسوء التغذية والأمراض المنقرضة تاريخيا. حرب النظام ضد الشعب لم تستثني أحدا، تعددت أشكالها واختلفت أساليبها!
ولذلك ما يحدث الآن من تحولات، في المعسكر الداعم للحلو بدفع من (القوميين النوبة) سيتمخض بمرور الوقت، عن عملية ردة كبيرة واضحة المعالم، تسعى لتحويل النوبة إلى (مركزية إثنية) تتوافر فيها كل شروط استعلاء وهيمنة واستبداد وتخلف المركزيات الاثنية. ستثبت الأيام مدى خطأ وخطورة هذا التوجه، الذي يهزم مشروع السودان الجديد داخله، ويعقد مشكلة السودان أكثر مما هي عليه، وإن زعم وبصم انه يتبناه و يتمثله!..
ولنا أن نتساءل: هل هذا التوجه (القوموي النوبوي) هل هو أحد الأسباب الأساسية للأزمة؟ أم أنه أحد نتائجها، ام ظل سببا كامنا في رحم التنظيم، يسهم في استمرار أسباب استمرارها، كأزمة.. جعلت من الدينكا من قبل، مصدر سخط من قبل قبائل الجنوب!
لو أن هناك “محكمة مركزية” تحاسب وتحاكم لما تطورت الأزمات، ولكن كيف تشكل محكمة مركزية دون مؤتمر عام؟ ومن سيحاسب من؟ وما هي إمكانية استجابة من يخرق أعراف وتقاليد التنظيم لهذه المحكمة، ومن يستجيب لما قضي به، ولسان حاله يقول: (انا في منعة من اثنيتي، والجيش جيشي، وتكليفي من مجلس التحرير الإقليمي (وليس القومي) قميص البسونيه فلا اخلعه!!)
وإذا تفاءلنا بحدوث معجزة، ترد الانقلابيين الى الطريق الصحيح، فهل يعني ذلك استعادة المشروع لعافيته، في تقديري أن عودتهم لصوابهم لن يتم إلا بتعافي الطريق الداعم للقيادة الشرعية نفسه! وليس العكس. بالمبادرة والآن فورا بترتيب البيت الداخلي، وتخطي أخطاء الماضي بتصحيحها بإعادة بناء الحركة الشعبية/ شمال على نحو مؤسسي ومعرفي وأيديولوجي، يكشف لجماهير الشعب، مدى وعيها بهذه البلاد الكبيرة، التي في كل شبر منها كنز، كما أدرك ونجت باشا من قبل، وفقا لرسائل ومدونات 1910.
ما يجعلنا نقول الآن وبكل ثقة، أن وجود الانقلابيين عموما أو عدمه، ليس الا نتيجة وليس سببا! فقد انقلبوا من قبل على مشروع المنور الغربي! ومع ذلك يُزعم عرابيهم ومفكريهم المزعومون الآن، تبني الحداثة والتنوير، ويحدثونك عن المركز والهامش لدرء خيبة عنصريتهم الفضيحة!
يجب ان ندرك مسبقا كيف نتجنب ابتداءا، معالجة مثل هذا النزوع مبكرا! ويجب أن نتفق، اننا لسنا حركة عادية بل مشروع نهضة هذا الوطن، الذي يجب أن نكون بحجم مسؤولية إعادة تأسيسه وبنائه.
نواصل
ahmeddhahia@aol.com