حاورته /أمل هباني
الشاب الذي اثار قضية الحريات الدينية بتقديمه طلبا للمحكمة بتغيير ديانته من الإسلام الى اللادينية في اوراقه الثبوتية بدا هادئا ومرتبا في حديثه وكأنه لم يثر تلك الزوبعة بين مؤيد ورافض لمسلكه الذي تسبب في حبسه اربعة ايام في مواجهة المادة 126 من القانون الجنائي والمتعلقة بالردة عن الاسلام ..وطوال الحوار الذي امتد لساعة لم يأت فعل يدل على اصابته بأي عدم اتزان او اضطراب نفسي حسبما جاء في تقرير الطبيب النفسي الذي كان سبب شطب قضيته .رغم حداثة سنه الا أنه يعرف ماذا يفعل وماذا يريد ..
من انت ؟
أنا محمد صالح الدسوقي ولدت في امدرمان عام 1993 ،ودرست في الثورة ثم في امبدة ،التحقت بجامعة الرباط الوطني كلية الاقتصاد، درست فيها السنة الاولى والثانية ولظروف خاصة لم استطع اكمالها لمشاكل خاصة.
لماذا ذهبت للقضاء وطالبت بتغيير ديانتك ؟
قبل أن افعل ذلك كتبت في الفيسبوك عن سؤال الحريات في السودان وهو مثار قلق بالنسبة لي خاصة حرية الفكر والعقيدة ، وكنت اعتقد أنه يجب الغاء المادة 126 التي تتعلق بالردة ،وقررت أن اختبرها ..وانا لا اعرف الجهة التي يجب أن اذهب اليها إذ لا يمكن أن اطرح سؤال واجد اجابة الا بقضية حقيقية.
قررت أن تواجه السلطة ؟
نعم ..حتى يجيب النظام ويبرر لماذا توجد هذه المادة رغم مخالفتها لدستور 2005 وللميثاق العالمي لحقوق الانسان والميثاق الافريقي وكل المواثيق
في مجتمع مازال محافظا وتقليديا رأينا كيف تم رفض فكرتك من البعض حتى بعض المثقفين والمستنيرين .. لماذا قررت المواجهة بهذا الموضوع المعقد ؟
انا انطلق من نفسي ..وامثل طبقة كبيرة من اللادينيين في السودان ،وانا لا اهتم بالالحاد كغاية ولكني ارى أنها نتيجة بحث في حياتي ومازلت اواصل فيه ،هناك كثيرون كانوا على الالحاد وآمنوا وكتبوا عن ذلك مثل الدكتور مصطفى محمود كتب رحلتي من الشك الى الايمان . وانا لم اقصد التعبير عن الحادي بقدر تحدي المادة 126
كثيرون رأوا في هذا التصرف بحث شاب في بداية عمره عن فرصة لجوء خارج السودان ؟
هذا كلام غير صحيح …هنالك كثيرون يرون أن هذه قضية لجوء جاهزة ويجب أن اتخارج
ولم افعل .ولم اضع ذلك في حساباتي وانا اذهب الى القضاء والقضية لم اكن اتصورها ستمضي على هذا النحو
كيف كنت تتخيل أنها ستمضي ؟
كنت اتخيل انها يجب أن تمضي حتى موضوع استتابة ويتم فيها حكم وانا اتمسك بأقوالي ..وكنت انوي التصعيد في المحكمة الدستورية وتكون هذه هي جهة الاختصاص لتغيير المادة 126 والغاءها
كنت تفكر أن تواصل وتواجه ؟
نعم لكن الذي حصل كان مفاجئا بالنسبة لي ..وحتى مقابلتي للطبيب النفسي علي بلدو وعودتي للقسم لم اتخيل أن يكتب عني تقريرا بهذا الشكل
لماذا ؟
لانه كان عاديا ومطمئنا وقال لي ..هم مالم ومالك؟ .. و لن يستطيعوا أن يفعلوا لك أي شيء
هل يمكن أن تحكي ما حدث في السجن ؟
دخلت الحراسة يوم الاثنين ،كان هناك استغراب من الجميع .كان التعامل جيد جيد من كافة الضباط …ورجال القسم …
هل شعرت بأي انتهاك لحقوقك هناك ضرب أو اساءة ؟
لا تماما ..لكن ظروف الحراسة نفسها ليست انسانية لجميع المساجين
عرفنا أن جهاز الأمن حقق معك ؟
جاءوا في اليوم الأول وجلسوا معي فقط حوالي خمسة دقائق فقط ..وكانوا موجودين لحظة التحري وكانوا متواجدين دائما في القسم
في اليوم الرابع استدعاك المدعي العام ؟
نعم ..اخذني اثنان من عساكر الشرطة عندما سألتهم قالوا سنذهب للمدعي العام ،وذهبنا لوزارة العدل الطابق 12 وجلست قليلا في الانتظار بعدها تم ادخال لدكتور وقال لي أنه علي بلدو جلست معه نصف ساعة
هل تذكر الحوار ؟
قال لي (نتونس ) سألني هل انت قلق من وضع البلد فاجبته بالطبع هذا ما يشغلني ،سألني عن علاقتي بالناس واسرتي وطريقة حياتي ..قال لي ليس من حق احد أن يفرض عليك شيء ،وقال لي ساقف معك في القضية .بعدها رجعت الانتظار وجاء النائب العام نظر الي ورجع ولم يتحدث معي .ورجعت الى القسم وبعد قليل جاء اخي وطلب العكسري مني الخروج قال لي البلاغ شطب ..سألته لماذا؟ قال لي الطبيب النفسي قال انك ماتمام ..قلت له مجنون يعني ..قال ..نعم ..وتفاجأت جدا
ماهو موقف اسرتك في هذه القضية الحساسة في مجتمعنا السوداني ؟
اسرتي سمعت بالموضوع من الناس .وكانوا رافضين موقفي وكفري رغم أني لم اسميها كفر .وجاءت أمي في القسم وكانت حالتها سيئة ومتخوفة مما حدث لكنهم وقفوا معي ودعموني كابن لهم
هناك من يرون هناك قضايا أولى في بلد يموت الناس الحروب والفقر والمرض ؟
نعم هناك من اعتبرها (ترف ليبرالي وفكري) لكن انا ذكرت في منشوري أن الحقوق لا تتجزأ وكذلك الحريات والقضايا ،وأي حق يخدم بقية الحقوق .والقضية أنا احددها لنفسي ولا اسمح أن يحددها لي الآخرون أو يحددوا اولوياتي أو ماذا افعل .كل شخص يعمل في الميدان الذي يفهم فيه اكثر وله اهتمام به وكلها في النهاية تخدم قضايا الحرية وحقوق الانسان .
*من الناحية الفكرية الناس لم يعتادوا على أن يجاهر احد في هذا المجتمع بلا دينيته حتى انه سبب صدمة ليساريين ومثقفين ..فلماذا يختار شاب في عمرك هذا الطريق.. أن يخرج من الدين ؟
انا لم اصل لقناعات مرضية في الدين الاسلامي ومازلت في مرحلة بحث حتى الآن ولم اصل لأي قناعة بالدين
هل كنت متدينا من قبل ؟
كنت متدينا بطريقة السودانيين
وهل مثل سؤال الدين هاجسا بالنسبة لك ؟
انا كنت عاديا ..ووجدت في النت مواقع تثير سؤال الدين وتتناقش حوله ثم توسعت بقراءة كتب عديدة ولم اجد في الدين اجابة مرضية لأسئلتي ولتصور العالم والوجود .وحتى شكل التدين لم يقنعني واحكام الدين نفسها ليست مقنعة
*ما رأيك في الشريعة الاسلامية ؟
ليست مناسبة لهذا العصر .يعني يمكن أن تكون مناسبة في سياقها التاريخي قبل أن تظهر حقوق الانسان وحقوق المرأة والشريعة فيها اهدار لحقوق المرأة بجلدها والوصاية عليها ونقصان حقها في الميراث الذي لا يتناسب مع هذا الزمان ،وهي انسان كامل تستحق حقوقها كاملة .
هناك من يرى أن حركة الالحاد هي رد فعل لسوء حكم الاسلام السياسي يعني الشباب رفضوا الاسلاميين والاسلام نفسه ماهو رأيك؟
لا اتفق معه ..هناك آخرون في دول أخرى في ظروف مختلفة وفي انظمة غير اسلامية وغير متشددة وصلوا لنفس النتيجة
لكن نحن مجتمع مسألة رفض الدين لم تكن بالصورة السافرة التي عبرت بها ؟
بالنسبة لي رفض الدين وسيلة وليس غاية لم اقصد الاساءة أو جرح مشاعر احد ،ولو حدث ذلك اعتذر
اقصد هل مشاكلك مع النظام السياسي الاسلامي هي جزء من مشاكلك مع الدين الاسلامي ؟
نعم ..المحرك الاساسي لي أن الدين هو غطاء لممارسات كثيرة فاسدة تمارسها الدولة باسمه الفساد والسطو على المال العام ثم فقه التحلل والسترة وقمع الآخرين المختلفين، مثلا وضع المسيحيين في السودان واضطهادهم، فقبل قضيتي بيوم كانت هناك كنائس هدمت
هل تنتمي لمجموعة أو شكل منظم يجمعكم ك(لا دينين ) ؟
لا ..انا اعبر عن خطي وحدي ..
الدين كان مكون اساسي للمجتمع السوداني طوال تاريخه ..فهل تعتقد أنهم يجب أن يبعدوا من الدين لحل مشاكلهم ؟
انا لا مشكلة لي مع تدين المجتمع لكن اطالبه بأن يتوافق ذلك مع العصر الحالي لا أن يكون بشكله القديم المتوارث ولا أن يكون وسيلة لقمع حريات الآخرين والضغط عليهم .اللادينية هي خيار شخصي بالنسبة لي وليست قضيتي الاساسية قضيتي هي الحرية الدينية ..والالحاد نفسه مرحلة بحث بالنسبة لي لو وصلت خلال عام أو عامين من بحثي أن الاسلام هو الحق سأرجع لأنه ليس لدي مشكلة مع الاسلام .الدين ليس مشكلة لكن يجب أن يحدث فيه تجديد يتواءم مع العصرية
لكن عندما ينتقل شخص من الدين الى اللادين يكون رأي مسبق حول عدم صلاحيته لحل المشاكل ؟
لي آراء لكني لا اريد نشرها لأنها خاصة بي، القضية المشتركة بيني وبين بقية الناس هي الحرية ،أن يعتقد الانسان مايشاء ومايريد دون أن يتعرض لمخاطر تهدد حياته هذه هي القضية الاساسية.
وماذا عن تغيير حالتك في الاوراق الرسمية من ديني الى لا ديني ؟
نعم من حقي أن اعتنق مايناسبني وأن يكون ذلك مسجلا في بياناتي الموجودة في الدولة ..
انت ترى انه لايجب أن يكون كل الناس مسلمين ؟
اصلا يجب الا تكتب والا توجد هذه الخانة لأنها تمييز بين المواطنين في الدولة الواحدة ..وهي توجد في البيانات الداخلية للرقم الوطني والجواز وتوجد بشكل صريح في شهادة الميلاد وذلك يخلق تمييزا بين المواطنين
يمكن أن ترد الدولة بأنها تفعل ذلك كمعلومات احصائية لمعرفة نسب الديانات الموجودة ؟
بالتالي يجب عليها أن تسمح أن يسجل الناس بياناتهم المسلم يكتب ديانته واللاديني كذلك ..خاصة أن السودان فيه كثير من الديانات الوضعية الموروثة من الثقافة . والآن هناك ديانتان فقط يسمح بهما الاسلام والمسيحية .فلو كانت فعلا هناك احصائية تفتح لكل الطوائف والملل والاديان ..
بما تحب أن تختم ؟
مافعلته لم يكن القصد منه الوقوف امام الناس وخياراتهم الدينية وليست هذه مشكلتي .ولكن أنا ضد السلطة التي تمارس كل سوءها عبر الدين ..ودائما تستخدمه كسوط تغطي به على الفساد والانتهاكات .وتستخدم اموال المسلمين والمسيحين واللادينين من دافعي الضرائب لمصالح اشخاص ينتمون اليها بينما نحن جميعا نتفرج … وشاكر وممتن لكل الذين وقفوا معي وناصروني في قضيتي.