Dr Simon Gathercole

لطالما أثارت شخصية السيد المسيح – عليه السلام – جدلًا كبيرًا في أوساط أتباع الديانات السماوية الثلاث، بل وقد وصل الأمر إلى الحد الذي دفع البعض إلى الزعم بأنّ شخصية السيد المسيح ليست إلاّ أسطورة لم تتواجد في الواقع، إلاّ أنّ الدكتور سايمون جاذركول يعرض علينا نصوصًا مقدسة تثبت وجود السيد المسيح قبل 2000 عام، وذلك في مقال له في صحيفة «الجارديان».

يقول سايمون إنّ الأدلة التاريخية على وجود السيد المسيح قديمة وواسعة الانتشار. فقد سرد المؤرخون اليهود والرومان قصته بعد فترة قصيرة من وفاته المفترضة، فضلًا عن ظهور سيرته في العديد من الكتابات المسيحية. وإذا ما قارنا ذلك بحكاية الملك آرثر مثلاً، لوجدنا أنّه لم يرد اسمه في المصادر التاريخية إلا بعد 300 أو 400 عام من حياته.

ويؤكد سايمون أنّ قيمة تلك الأدلة تكمن في أنّها قديمة ومفصلة. كان أول ظهور لسيرة السيد المسيح هو في رسائل «سان بول»، ويؤكد الباحثون أنّها قد كُتبت بعد 25 عامًا من وفاة السيد المسيح المفترضة بحد أقصى، بيد أنّ وصف المسيح في أناجيل العهد الجديد يعود إلى 40 عامًا من بعد وفاته المفترضة. وقد شهد الكثير من الناس تلك الفترة، وقدموا وصفًا ينسجم مع الثقافة والأجواء التي كانت سائدة في فلسطين في القرن الميلادي الأول. ومن الصعب تخيل قيام الكتّاب اليهود باختلاق قصة شخصية منقذة لليهود بهذا التفصيل في حقبة زمنية ساد فيها تشكيك شديد في الديانة اليهودية.

بعد ذلك، يسرد سايمون رأي الكتّاب غير المسيحيين في السيد المسيح. كان أول كاتب من خارج الكنيسة يأتي على سيرة السيد المسيح هو المؤرخ اليهودي «يوسيفوس فلافيوس»، الذي دوّن تاريخ اليهودية في حدود العام 93 ميلادية. وقد أتى على ذكر يسوع المسيح في موضعين مختلفين. وقد أثار أحدهما الجدل بسبب الاعتقاد أنّه قد جرى تحريفه من قبل النسّاخ المسيحيين (الذين على الأرجح حولوا أجواء القصة السلبية إلى سرد أكثر إيجابية). والثاني لا تحوم حوله الشبهات، وفيه إشارة إلى «جيمس»، شقيق يسوع «المعروف باسم المسيح».

بعد 20 عامًا من وفاة يوسيفوس – يشير سايمون – دوّن كل من السياسيين الرومانيين بليني وتاسيتوس – وهما من أشهر السياسيين الرومان في أوائل القرن الثاني الميلادي – عن المسيح. ذكر تاسيتوس أنّ المسيح قد صُلب إبان ولاية «بيلاطس البنطي» – حاكم ولاية أيوديا في عهد القيصر الروماني «طيباريوس» – وهو ما يتوافق مع التواريخ المذكورة في الأناجيل. في حين قال بليني – الذي كان يحكم شمال تركيا – إنّ المسيحيين كانوا يقدّسون المسيح بوصفه إلهًا. وقد أبدى الاثنان كرههما للمسيحية، إذ وصفها بليني بـ«عناد الحمقى» بينما اعتبرها تاسيتوس «ديانة ذات تعاليم مدمرة».

وما يثير الدهشة – يضيف سايمون – هو أنّه لم يثُر أي خلاف قط في العالم القديم حول ما إذا كان المسيح عيسى شخصية حقيقية أم لا. كان الحاخامات اليهود الأُول قد وصفوا المسيح بأنّه ابن غير شرعيّ للسيدة مريم وأنّه ساحر. أما الوثنيون – من أمثال الشاعر لوسيان والفيلسوف سيلسوس – فقد وصفوه بأنّه نذل. ولكن لم يجادل أحد في حقيقة وجوده من عدمها.

وفي كتاب صدر حديثًا، زعم الفيلسوف الفرنسي ميشال أونفراي أنّ المسيح مجرد فكرة نظرية لا وجود لها في الواقع. وقبل 10 سنوات – يواصل سايمون حديثه – جرى إطلاق مشروع المسيح (دراسة علمية بحتة لتاريخ المسيحية) وكان التساؤل الرئيس الذي طرحه المشروع هو ما إذا كان المسيح حقيقة أم خيال. وقد وصل الحال ببعض الكتّاب إلى القول إنّ المسيح ومدينة الناصرة هي اختلاق مسيحي. لكن اثنين من أشهر المؤرخين الملحدين – ماوريس كيسي وبارت إرمان – قد فندا تلك المزاعم. ووجها انتقادات لاذعة لفكرة «أسطورة المسيح»، واصفين إياها بالزائفة. ومع ذلك، فإنّ 40% من البالغين في إنجلترا لا يعتقدون بوجود المسيح حقًا.

يرى سايمون أنّ جانبًا من الجدل المثار حول المسيح يعود إلى الحجج الأثرية الغريبة المرتبطة به. ظهرت أدلة حديثة تزعم أنّ المسيح هو حفيد لكليوباترا، فضلًا عن عملات معدنية قديمة مزعومة تظهر المسيح وهو يرتدي تاج الشوك الخاص به. وما يزال كفن تورينو – الذي يُعتقد أنّه الكفن الخاص بالسيد المسيح – يحظى باهتمام الكثيرين. كان الأب بندكت السادس عشر قد صرح بأنّ الكفن «شيء لا يمكن لأي فنان الإتيان بمثله» وأنّه «رمز للسبت المقدس».

من الصعب العثور على مؤرخين يعتبرون هذه المادة بيانات أثرية جادة – يستدرك سايمون. لكن الوثائق التي خلّفها المؤرخون المسيحيون واليهود والرومان تشكل أدلّة دامغة.

يختتم سايمون بالقول إنّ هذه المراجع التاريخية الغنية تزيح أي شك لدينا عن شخص السيد المسيح. ولكن يبقى السؤال الأهم هو: هل عاش السيد المسيح ومات؟

(ترجمة ساسة بوست)