خالد فضل

ضمن يومياته التي نشرتها مجلة شؤون فلسطينية ( 1977م) اورد الكاتب الفلسطيني الراحل معين بسيسو واقعة طريفة , كان الكاتب مع ثلاثة مدرسين آخرين يعملون بمدرسة الشامية الثانوية بالعراق , و قد أسسوا اول خلية للحزب الشيوعي العراقي في القرية , صدف ان قرأوا قصيدة جديدة للشاعر العراقي الكبير محمد مهدي الجواهري يمدح فيها ولي العد وقتذاك , فقرروا بالاجماع حرق الجواهري فجمعوا ما كان بحوزتهم من دواوينه الشعرية و اشعلوا فيها النار , ثم ضمنوا تلك الواقعة في تقريرهم الشهري لرئاسة الحزب , جاءهم رد الحزب بعد ايام في شكل منشور بعنوان (الجواهري شاعر العرب الاكبر) .

تذكرت تلك الحكاية عند متابعتي لبعض ما تناثر من احاديث حول الخلافات التي نشبت مؤخراً وسط قيادات الحركة الشعبية لتحرير السودان / شمال . بدت قرارات مجلس التحرير في اقليم جبال النوبة / ج كردفان       , مثل قرار خلية الشامية المار ذكره , و لعل ابرزها سحب الثقة من الامين العام للحركة الرفيق ياسر عرمان بحيثيات تبدو و كأنها قصيدة مدح ولي العهد , إذ تم التحفظ على مسار التفاوض مع الحكومة واختيار المفاوضين , و تبديل شعارات الحركة , و اغفال مبادئها الاساسية الخ … لقد قرر الرفاق في الجبال حرق ياسر عرمان إذاً . و بحسب ما نشر حول زيارة رئيس الحركة مالك عقار و الامين العام ياسر عرمان إلى المناطق المحررة في جبال النوبة عقب تلك القرارات , يبدو كذلك ان رئاسة الحزب قد ردت على غرار منشور (شاعر العرب الاكبر) .

الواقع الآن ان هنالك موقفان , و لكل موقف حيثياته و مرجعياته , فالقضايا التي اوردها الرفيق القائد عبد العزيز الحلو و ادت إلى تقديم استقالته عن موقع نائب رئيس الحركة و هي ذات الحيثيات التي صدرت بموجبها قرارات مجلس التحرير , و تشتمل على مسائل فكرية و تنظيمية و سياسية كما هو واضح , و قد سبق الاشارة إليها في اكثر من موقع , و من لدن اكثر من جهة افراداً (مثل ما كتبه د. ابكر ادم اسماعيل) , او مجموعات (مجموعة الضباط المبعدين من الجيش الشعبي) و غيرهم .  هنالك ململة سياسية و تنظيمية واضحة في صفوف وقواعد الحركة الشعبية , هنالك إعياء فكري و قصور اعلامي و غياب للتواصل بين مكونات الحركة الشعبية و هياكلها التنظيمية , قد تبدو هنالك اسباب موضوعية لهذا الواقع , إذ تم فرض واقع الحرب و الحظر ضد الحركة قبيل الاعلان الرسمي عن انفصال الجنوب , بل ان رئيس الحركة و امينها العام محكوم عليهما بالاعدام , و تم اعتقال و محاكمة كثير من منسوبي الحركة و تصفية بعضهم جسدياً , و تم حبك قصة خيالية نسج اكاذيبها الصحفي الاسلامي ذي الصلة بالدوائر الامنية اسحاق احمد فضل الله حول موت القائد عبد العزيز الحلو و الصلاة عليه و مواراة جسده الثرى بواو . هذه الحيثيات قد يستند عليها موقف الرئاسة الآن , و لكنها في ذات الوقت تشير إلى خلل تنظيمي و غياب للهياكل السياسية الفاعلة و العمل المؤسسي الرشيد , فلم يتم خلال الست السنوات الانتقالية بناء تنظيم سياسي حقيقي , و يبدو ان (البتاب كان اكثر من التيراب) و التعبير مما قال به الرفيق عرمان في اجتماع تنظيمي لقطاع الشمال و قت ذاك , و هي نصيحة كان قد اهداها له القطب الاتحادي الراحل الحاج مضوي محمد احمد عندما سأله عن كيفية عمل التنظيم فقال له (في البداية اجمع العيش ببتابو , و عند هبوب الريح ضريهو سيذهب البتاب و يبقى التيراب) .هنا نقطة ضعف اساسية اشار إليها الكثيرون في تقييمهم لأداء الامين العام , هنالك ايضاً واقع تبعية منطقتي جبال النوبة / ج كردفان و النيل الازرق و ثالثتهما ابيي للقطاع الجنوبي تنظيمياً طيلة الفترة الانتقالية و يبدو انه قد تعذر انسجامهما مع القطاع الشمالي خاصة في واقع نشوب الحرب في المنطقتين .

و إذ تبدو ملامح التنظيم و هياكله ظاهرة نوعاً ما في اقليم الجبال فإنه لا يبدو اي اثر تنظيمي في بقية اقاليم السودان بما في ذلك النيل الازرق , يمكن ان يكون لتمركز الثقل النوعي و الكمي لمنسوبي الحركة في جبال النوبة دور في ذلك , و مع ذلك فإن اول المنسلخين و المنشقين من قيادات الحركة الشعبية هم من ابناء الجبال مثل (دانيل كودي , خميس جلاب , تابيتا بطرس) ثم تبعهم على ذات المنوال بعض القيادات في النيل الازرق , و تتالى تساقط قطع الدومينو , فهل يمكن تحميل كل هذا الاخفاق لشخص الامين العام ؟ ام ان المنطق يشير بوضوح إلى تحمل جميع القيادات للمسؤولية بما في ذلك مسؤولية السماح لثلاثي القيادة بتقويض المؤسسات و تهميش دورها كما اشار لذلك د. ابكر ادم في ورقته التي بثها عبر وسائط التواصل الاجتماعي قبل اكثر من عام, ثم عاد القائد الحلو متهماً رفيقيه عقار و عرمان بتهميشه هو كذلك مشيراً إلى انعدام الثقة بينهم . و هنا مربط الفرس و نقطة الشقاق البائنة بين الرفاق , كما تبدو قرارات مجلس التحرير و كأنها تؤسس لحركة شعبية في منطقة جبال النوبة بمعزل عن بقية انحاء السودان , فقد تولى مجلس التحرير هناك مهام المؤتمر العام من حيث اقالته للامين العام , سحب التفويض عن الوفد المفاوض و اعادة تشكيله بقيادة القائد الحلو , طرح مبدأ حق تقرير المصير , الابقاء على الجيش الشعبي لفترة عشرين سنة , كتابة منفستو و دستور الحركة . هنا يطرح السؤال حول مرجعية التفاوض و ما إذا كان الامر سينتظر طرح مبادرة جديدة تتضمن اعلان مبادئ يشتمل على حق تقرير المصير لشعب جبال النوبة , فالتفاوض الذي جرى و ما تزال جولاته مستمرة رغم تباين المواقف حول مجرياته و موضوعاته يتم وفق مرجعية قرارات مجلس الامن و السلم الافريقي و بمباركة و تسهيل دولي و اقليمي , فكيف يتم و على اي اسس و وفق اي مرجعية يتم اعادة تكوين وفد التفاوض بعد سحب الملف من الامين العام المقال ؟ و هل الظروف المحلية (في جبال النوبة / ج كردفان) و الوطنية و الاقليمية و الدولية تدعم و تساند فكرة تقرير المصير و ما قد تقود إليه من طرح خيار الانفصال . الواقع ان الانقسام داخل الحركة الشعبية قد قطع اشواطاً , قد لا يتبقى سوى اعلانه رسمياً , و هو مع الاسف امتدادا لحقيقة الانقسامات وسط السودانيين في الحياة العامة , يكفي ان هنالك اكثر من 100 تنظيم سياسي و عشرات الحركات المسلحة و المليشيات القبلية , بل حتى الاجهزة الرسمية من امن عام و امن شعبي و جيش نظامي و جنجويد و دفاع شعبي إلخ… فالحركة الشعبية ليست بدعاً و مسيرتها منذ التكوين قبل اكثر من 30 سنة شهدت ما شهدت من انقسامات رغم ما يردده الرفيق عرمان من ان الحركة عصية على الانقسام , و ما تم طرحه في مجلس التحرير لاقليم الجبال و ما ورد في مذكرة القائد الحلو يؤكد ان ثمة طريقين إما ان يلتقيا وفق هيكلة شاملة و عودة لمنصة تأسيس جديدة او فراق لا ادري  يكون باحسان او غيره !