فائز السليك

 

    اختتم الروائي الألماني أريكا ماريا ريمارك روايته الشهيرة ” كل شيء هادئ في الجبهة الغربية بتقرير موجز عن يوميات القتال، وقد صورت الرواية صورة عبثية للحرب ولجنونها، و ونقلت  أحداث  عن كيفية تشويهها للمشاعر الإنسانية،.   

 

   وحربنا المعنية هنا؛ – حرب أصدقاء الأمس، أعداء اليوم في ” الحركة الشعبية”- قد لا تشبه تلك في تفاصيلها، لكنها تتقاطع معها في مضمون الصراعات ومراراتها وجراحاتها. نعم لا تزال حرب رفاق الحركة أدخنة أقلام، لا نيران مدافع؛ وربما أن وضعية عدم تكافؤ القوة ” عسكريا” بين أطراف الصراع   ساهمت في أن تستمر الحرب كلاماً، وسيول اتهامات هنا وهناك.  

يقيني أن في مثل هذه الظروف الملتبسة يكون من السهل إيجاد كباش فداء، واصطياد ثيران بيضاء كي يتم ذبحها حتى تخشى الثيران السوداء من ذات المصير. ليس صعباً على أحد اشهار ملون البطاقات في أوجه الخصوم في لحظات الجنون تلك، الجميع يتمسكون بأوهن الخيوط كي ينسجونها حبالاً من مسد مشانقاً لتعليق رقاب المخالفين في الرأي والمواقف.

    في حقيقة الأمر ترددتُ قبل كتابة هذا المقال؛ لا خوفاً من الخوض في غمار تصنيفات كثيفة، والغرق في لجة توصيفات جاهزة، و الوقوع في منطقة تقاطع نيران كانت ” صديقة” من هنا وهناك؛ بل ان سبب ترددي؛ هو  أن ما سأقوله اليوم سبق أن قلته قبل ذلك، لقد ضمنته قبل خمسة أعوام في كتابي ” الزلزال.. العقل السوداني، ذاكرة مثقوبة وتفكير مضطرب”، ولخصته في مقال حمل عنوان ” ” الحركة الشعبية”.. وميض تساؤلات تحت قصف المعركة).  وقد جاء فيه ”     ما جعلني أسارع في كتابة هذا المقال، وميض نارٍ تحت قصف المعارك، وسباقات مارثون الكراسي والسلطة، من محاولات الدفع بالحركة نحو الانزلاق الثاني في مسارها، بالدعوة لاستقلال جنوب كردفان والنيل الأزرق في مرحلةٍ ما، وزمانٍ ما، وقبل أن تتكاثر الزعازع على كل السودان، وعلى الحركة الشعبية، وهي ليست استثناء من حالة التشظي السودانية المحمومة” هذا ما كتبته في ديسمبر ٢٠١٣.

 

 

  رفضنا وضع العربة قبل الحصان، وكتابة دستور قبل البرنامج والرؤية، ثم بدأت الأعاصير تهب عنيفةً، تزايد التململ داخل المنظومة،  لم يتعامل القادة بتسامح بل أقصوا عناصر مؤثرة وأحالوها الى ” معاش” أرصفة العمل الثوري، لم يصدق أحد أن يحال محاربون ثوريون الى المعاش ،  أعقب ذلك هدوء مشوب بالحذر،  أشبه بهدوء ميدان ريمارك، كل شيء هادئ هناك، اتضح أنه هدوء يسبق العواصف، بل والزلازل، كان زلزال شهر مارس حاملاً نذر استقالة عبد العزيز الحلو  لتستعر بعدها حرب البيانات،  لكنها بيانات ظلت تلتف حول الأزمة، تفادت الجذور وأشارت الى الفروع، تناست الجوهر وتمسكت  بالشكل، وكان نتاج ذلك أن تركز طعن رماح الرفاق المطلقة في الظلال، لا في قلوب الأفيال الكبيرة.

 جذور الأزمة أين هي؟

    المعروف أن في دراسة كل ” ظاهرة”، أو لبحث أية أزمة، فإن التفكير العلمي يتطلب سبر الأغوار ولمس الجذور؛ وذلك يبتدئ بطرح تساؤلات تصلح لأن تكون مقدمات تقود الى نتائج صحيحة وسليمة منطقياً. وتكون أسئلة أزمات الحركات السياسية حول ماهية المشاريع الفكرية؟ والبرامج السياسية، والتكتيكات والآليات، ثم الهياكل التنظيمية والعناصر القيادية والوسيطة والقواعد الجماهيرية.   ولو انتقلنا الى ” الحركة الشعبية” فأن تساؤلاتنا تكون مرتبطة بماهية تعريفات السودان الجديد؟  ومن ثم تداعيات انفصال الجنوب على المشروع؟ بل وانهيار ذات مشروع الحركة في جنوب السودان، فكان أن خرج رفاق الأمس من أفق رحابة الفكر الى أقبية ضيق العشيرة؛ فهل درست الحركة شمالاً مالات المشروع جنوباً؟  على حسب علمي، وربما لا أكون محقاً؛ فإن الحركة لم تعر أية التفاتة الى تجربة الجنوب، بل وتعاملت مع التجربة بلامبالاة بائنة، وكأن التجربة معزولة عن تنظيراتها، أو لم تكن الحركة الشمالية جزءً منها! لم يجتهد قادة الحركة في فتح نوافذ للحوار حول أسباب انزلاق المشروع المدوي، وانقلابه من مشروع لتحرير الإنسان الى آلة لاستعباده. كان الأحرى بقيادات الحركة الشعبية أن تعكف على دراسة التجربة قبل اعلان الانفصال، وكان الأجدى مناقشة ذلك بدلاً من الخضوع لابتزاز الرفاق في الجنوب،  واعتبار   أي نقد  لخيار الانفصال  خطاً  يعبر عن ” عقلية جلابة ويطفح بنعرات عنصريين”. ليس بالضرورة أن يرفض الشماليون خيار الجنوب، لكن كان الأجدى لهم تشغيل آليات الإنذار المبكر، واكتشاف تداعيات ذلك على الشمال ككل، وعلى  مشروع الحركة على وجه الخصوص، والتالي على عضويتها وجماهيرها التي انكشف ظهرها  بعد رحيل الرفاق جنوباً دون تطوع  منهم حتى بالتفاتة حنين، أو  نظرة عطف على من تركوهم  وراءهم في مواجهة عدوٍ شرس.

لقد مثل انفصال الجنوب ومآلاته شارةً حمراء قوية في طريق مشروع الحركة، وكان من المفترض أن يتوقف رفاق الشمال لحظات قبل ان يسيروا في ذات الطريق، وبذات المناهج والآليات؛ إلا أن أجهزة الانذار كانت معطوبة وفاقدة لقدرة الالتقاط عن قرب.

 إن عطب أجهزة الإنذارات المبكرة قد مثلت أزمة حقيقية، وهي أزمة تلازم حركة ثورية تفتقر الوعي بحقيقة مشروعها الثوري والتوعوي.  ربما يحمل ثوار حركة ما البندقية من أجل قضية عادلة، و يشرعون في شن حروبهم الثورية بقوة وصبر، ويقدمون من التضحيات ما لا يدركه الانسان العادي، أعمارا وسنوات غضة؛  إلا أن ذلك لن يصمد في ظل غياب مؤسسات شفافة، وأطر تنظيمية منضبطة، وقيم ديموقراطية راسخة. إن غياب هذه الشروط غير شك سيخلق تشويشا في الرؤية، وضعفا في الوعي، وتضعضعاً في العزيمة.  وسيكولوجيا؛ اثبتت التجارب أن عملية رفع السلاح تمنح الشخص المقهور ميزة رمزية، وقيمة معنوية، وربما مصلحة مادية، وهذا التميز؛ ربما يلبسه ثياب الوصايا، وتحوله الى مستبد يصادر حق الآخرين في التعبير، ويهدد حقوقهم في الوجود لإحساسه بزهو انتصار.  وما لا يدركه هذا ” المحارب المتميز” أن لا شعوره يستبطن اعجابا في ذات الوقت بالمستبد الذي كان يحاربه، فهو قوي في وجهة نظره، ويستحق التقدير لدرجة   تدفعه الى التماهي في سلوكه العدواني وفي قيمه ونمط حياته. فترى القادة يحتفون بالتدرج في سلم الوجاهة الاجتماعية، ويتبارون في جمع الثروات، لذلك تكثر مظاهر أثر الاستعراض” الإدلال”، وهو مصطلح يستخدمه خبراء علم الاجتماع والتنمية، والاستعراض؛ هو ميل رموز المجتمع، و أفراده إلى استعراض  ما يمتلكونه من ثروات، ومن مظاهر رفاهية حد المبالغة في انفاق الأموال  في المناسبات العامة  والخاصة، وكثيراً ما تقع الحركات الثورية في خطأ كبير، لا أعتقد أن الحركة تبنت برامج نفسية واجتماعية بعد نهاية الحرب لإعادة تأهيل المحاربين، أو إدخالهم في برامج الدمج، ونزع السلاح بطريقة علمية، والعمل على دمجهم من خلال برامج لبناء السلام، وترسيخ ثقافته، والتحفيز على رفع القدرات التنظيمية والفكرية. وهذا خطأ ربما يكون مستمراً منذ بدايات انطلاق العمل المسلح في ظل ضعف  برامج التوعية السياسية،.  هذا تحدي يواجه كل الحركات المسلحة، التي تعبر عن الهامش، لأن بندقية بلا وعي، تمثل سلوكاً فوضوياً، لا يفرق في نهاية الجولة بين الجاني والضحية، وبين المستبد والمقهورين، وأن عملا مسلحا بلا مشروع أشبه بعمل العصابات، وجماعات النهب المسلح.

يجب أن لا يفهم من حديثي هذا؛ أن الحركة الشعبية افتقرت تماماً الرؤية النظرية الهادية ؛ بل المقصود من حديثي هذا أن الحركة ظلت تعاني من  فقدان البوصلة الدالة. هناك مشروع فضفاض اسمه ” السودان الجديد”، وثمة شعارات براقة يطلقها القادة من غير ما تأسيس فكري، على شاكلة ” الحركة باقية ما بقي الشمال”، أو “جون قرنق رؤية لا تموت”، نعم إن الرؤى لا تموت بسهولة، لكن مع مرور الزمن وعدم المواكبة؛ فأن أية رؤية مهما كانت قوة جاذبيتها لن تضل طريقها الى متاحف التاريخ، سترقد في مكان ما مع ملايين الرؤى البشرية، ومع غياب النقد والتطوير ستظل أية رؤية مجرد شعارات معلقة في فضاء الفعل السياسي.

 

 إن عسكرة العقول تضع العقبات في طريق أي تحولٍ ديموقراطي، وتحول دون عملية انتقال الحركة الثورية من تنظيم مسلح الى حزب سياسي مدني، فالعسكرة هي تعلم اصدار واطاعة التعليمات، وتمارين البيادة والرماية، وفك وتركيب السلاح، والانضباط خلال العمليات القتالية، فلا مكان للحوار حول خطة، أو صد هجوم، أو شن غارة، ولا زمان للحوار حول المناهج الفكرية والقضايا الكبيرة، تماما مثلما يرى بطل رواية ” كل شيء هادئ في الميدان الغربي” ”  أمضينا في الجيش عشرة أسابيع للتدريب اكتسبنا في هذه المدّة ما لم نكتسبه بدراسة عشر سنوات في المدرسة . عرفنا أنَّ زرّاً لامعاً في البذلة هو أكثر قيمة من أربعة مجلدات من فلسفة شوبنهاور . وفهمنا أنَّ ما يهم ليس هو العقل بل طلاء الحذاء ، وليس هو الذكاء بل النظام ، وليست الحرية بل التدريب العسكري”.

   ولأن الحرية كانت مغيبة ـ وفكرة التحول المدني كانت فكرة مبهمة، فقد اثبتت الوقائع أن الحركة لم تنجح في بناء تنظيم سياسي يستند على قاعدة اجتماعية كبيرة، وبدلاً من التركيز على أصل الأزمة وجذورها فقد تمظهر الصراع حول الأشخاص، وأسقط الأفكار. ومنذ ارهاصات الأزمة ظللنا نقرأ كل يوم عن اتهامات موجهة لياسر عرمان مثلاً؛ تتهمه بالانحراف عن المشروع وبيعه الى الحكومة، لكن من يطلقون الاتهامات لم يحددوا لنا أي مشروع؟ حتى تفاجأ الأغلبية بأن ” حق تقرير المصير” كان جزءً من المشروع المعني، لم أجد أي طرح؛ إلا ان كان مكتوبا بحبر سري قد تضمن هذا ” الحق الديموقراطي”، أو أنه كان ضمن أجندة ثلاثي القيادة. إن طرح حق تقرير المصير الفجائي في ثنايا استقالة عبد العزيز الحلو، سوف يثير كثيراً من التساؤلات و يلقي ظلالاً من الشكوك حول ” قومية الحركة” ومع ذلك يبق السؤال الملح؛ هل سيتم اجراء استفتاء حق تقرير المصير في مناخ ديموقراطي أم تحت إدارة النظام الحالي؟ وهل سيتحول الطرح الى ” صفقة” تفرضها معادلات القوى الداخلية والإقليمية والدولية مثلما حدث في جنوب السودان؟ المؤكد أن ” حق تقرير المصير” يظل حقاً ديموقراطياً، ولا يمكن الوقوف ضده، لكن لا بد أن يبقى الأمر رهيناً بشروط وإجراءات واستراتيجيات تضمن اجراءه في نزاهة، ولتحقيق رغبة سكان الإقليم المعني. وهنا لا أود الخوض في تفاصيل هذا الحق الديموقراطي في هذه المساحة. والأمر الثاني   مرتبط بالقاعدة الاجتماعية للحركة الشعبية، وبعد الفشل في بناء قاعدة وغطاء سياسيين للحركة في الشمال، تؤكد التطورات أن  فرس الرهان لا يزال هو ” مكون اثني” اكتسب شرعيته بالبندقية، ودليلي علي ذلك تقديم شخص في قامة عبد العزيز الحلو استقالته الى ” مجلس تحرير جبال النوبة”. وهو ما يثير تساؤلات عن صلاحيات هذا المجلس؟ وكيف حصل على هذه الصلاحيات؟ ومتى؟ أهي قوة البندقية وشرعية القوة؟ وماذا لو كان عرمان يريد تقديم استقالته مثلاً؟ أين سيقدمها؟ وهل سيقدم مالك استقالته الى مجلس تحرير النيل الأزرق؟

   وفي ذات السياق؛ مع أن عقار وعرمان لم يوفرا دمعا الا وسكباه على ” الديموقراطية الذبيحة في مسلخ جبال النوبة” وسونكي بندقية الجيش الشعبي، إلا أنهما ساهما بنسبة كبيرة  في إقامة  هذا ” المسلخ”، عبر تغييب المؤسسات، واضعاف التنظيم، وتغبيش الرؤية.

إن تقديم استقالة الحلو الى مجلس تحرير جبال النوبة؛ وإن مثلت خطأً اجرائياً شكلياً، إلا أن حجم هذا  الخطأ أكبر من أنه اجرائي أو تكتيكي، أنه خطأ استراتيجي  في جوهره؛  وربما يعتبر بعض المراقبين الاستقالة ” مناورة من الحلو” لأحراز  ” هدف ذهبي” في مرمى رفيقيه في ظن غياب عمقهما الدفاعي.  

ومع كل ذلك؛ يظل الخطأ الإجرائي/ الاستراتيجي تعبيراً عن الأزمة العميقة التي تعاني منها الحركة الشعبية، أزمة الرؤية والمؤسسية، الخلط بين التكتيكي والاستراتيجي، وبين الآليات والغايات، ويدخل ضمن ذلك الاستراتيجية العسكرية ذات نفسها، هل ستسمر الحرب في الأطراف؟ وهل ستقود حرب الأطراف الى اسقاط النظام وتغيير المركز؟ ولماذا لم يتم تتطور آليات المقاومة ومفاهيمها؟ وماذا عن خيارات الانتفاضة الشعبية؟ وهل تستطيع الحركة حشد قواعد اجتماعية خارج النوبة والنيل الأزرق؟ وهل درست الحركة الشعبية تجارب الحركات الثورية المختلفة في كل العالم؟

لا يمكن اسقاط أهمية الأشخاص وأدوارهم في خلق أو إدارة الأزمات أو المساهمة في حلولها، وليس ثمة شك في مساهمة كل قيادات الحركة في خلق الأزمة الحالية عبر تراكم إخفاقات ومماحكات متواصلة، ولذلك فأن مصلحة التفكير خارج الصندوق تقتضي علينا ادراك  أن مسألة الاعتماد علي الأفراد مهما تميزوا بقدرات خارقة ؛ سوف تنفخ الروح الشريرة داخل الأنفس الأمارة بالاستبداد كلما انخفضت درجات الوعي وتراجعت أدوار المؤسسات،   بالإضافة الى ذلك   غياب ذات القادة  اضطراريا خلال منعطفات حرجة ؛  مثلما حدث بعد غياب جون قرنق سيؤدي الى ادخل  الحركة الثورية إلى أزقة ضيقة  ذات اتجاه واحد. إن الحل هنا يكمن في اتباع طرائق التفكير خارج الصندوق، والسؤال هنا، هل من ساهم في صنع الأزمة يمكنه المساعدة في حلها؟ وكيف يمكن التوفيق ما بين الإرث الكبير للقادة التاريخيين وضرورة ضخ دماء جديدة داخل الشرايين المتكلسة؟ وكيف يتم   الاتفاق على مشروع وطني يعيد الأمور الى منصة التأسيس؟  وكيف تتم عملية بناء مؤسسات تستوعب واقع المقاومة المسلحة واستصحاب التجارب الثورية في بناء مؤسسات سياسية داخل مناطق الخصوم؟  غير ذلك سنقرأ ذات تقرير الرواية بعد أن سقط بطل روايته” كل شيء هادئ في الميدان الغربي”. لم يكن خبر سقوط البطل أمراً مهماً للكاتب، كان همه فقط هو عدم اقلاق رؤسائه.. وبالطبع لم يكن كل شيء هادئ. وكذلك للحركة الشعبية، الأمور صاخبة وان اتخذت شكل الهدوء. ويقيني أن نهاية المعركة ان استمرت بهذه الطريقة فالجميع خاسرون. ليس هناك منتصراً.