نبيل أديب

“قد نعجز أحيانا عن منع وقوع الظلم ولكن لا يجب أبداً أن نعجز عن الإحتجاج ضده”  إيلي ويسيل

  الحق في الإحتجاج هو حق من حقوق الإنسان، ولكنه يتميز عن غيره من الحقوق بأنه يؤسس لها جميعا، فهو يشكل خط الدفاع الأول لمنع السلطة من التغول على سائر الحقوق العامة. بدون حق الإحتجاج ضد تجاوزات السلطة ينهار الأساس الديمقراطي للحكم الذي يقوم على خضوع الحاكم لإرادة المحكومين، فالديمقراطية وفقا لبوبرpopper   هي ” النظام الذي يسمح بإزاحة الحكام دون اللجوء الي القوة “. وحق الإحتجاج يلعب الدور الأساسي في ذلك بإعتبار أنه تعبير عن إرادة المحكوم في مواجهة الحاكم. لذلك فإن محاولة منع ممارسة ذلك الحق بأي شكل من الأشكال، ينطوي على إنكار لسيادة الشعب ووضعها في يد الحاكم. حق الإحتجاج هو حق وثيق الصلة بحق المواطنة، وبحق السيادة. الدولة في الأساس هي أجهزة تمارس السيادة على إقليم معين، و الفرق بين الدولة الديمقراطية والدولة السلطوية هو أن السيادة  في الأولى في يد الشعب، وفي الثانية في يد الحاكم وللأمر تفريعات عديدة لا يتسع المجال لتناولها  بشكل كامل، ولكن يحسن بنا أن نمس أساسها مساً رقيقاً.

السلطة والمواطنة

“الشخص الوطني يجب أن يكون على استعداد دائما للدفاع عن بلاده ضد حكومته.” إدوارد آبي

معلوم أن الوطن يتكون من ثلاث مكونات: 1) الإقليم وهو قطعة الأرض التي تقع داخل حدود الدولة المعترف بها دولباً. 2) والشعب وهو مجموع الأشخاص الذين يعيشون بشكل دائم فى ذلك الإقليم. 3) والسلطة التي تمارس السيادة على الإقليم. الحس الوطني حسبما أصبح سائداً الآن هو ما يمثله الإنتماء لذلك الإقليم في الضمير الجمعي للشعب بما يضمه من عوامل يشتركون فيها بمختلف مكوناتهم، ولكنه لم يكن كذلك فيما مضى من أزمنة. منذ نشأة الدولة، وحتى القرون الوسطى، إختلط مفهوم الوطن بالسلطة التى تمارس السيادة على الإقليم، فقد كان إنتماء الشعب ينسب إلى السلطة، ولذلك فقد كان المصطلح الذى يطلق علي مجموع ذلك الشعب هو مصطلح الرعايا  Subjects  وهو مصطلح يشير إلى الإنتماء إلى السلطة، والتي كانت تتمثل في الملك أو الإمبراطور. ولذلك فقد كانت جريمة الخيانة العظمى High Treason تتحقق بوقوع أى صورة من صور عدم الولاء للحاكم، سواء أكانت تتصل بالإتفاق مع عنصر أجنبي أم لا. بل أن مجرد إبداء عدم الولاء للحاكم حتى ولو كان بشكل لفظي محض، كان يرقى لإرتكاب جريمة الخيانة العظمي. وقد ظل هذا الفهم سائداً لدى الحكام السلطويين وأجهزتهم القمعية حتى يوم الناس هذا وإن كانوا لا يجهرون به.

مصطلح المواطن  citizenظهر مؤخراً، وإكتسب ذيوعاً فى الثورة الفرنسية، وقد إنتهى الأمر به لأن يحل محل مصطلح الرعايا تماماً. قد يبدو المصطلحان وكأنهما مترادفان، بإعتبارهما يشيران إلى الجنسية، أى إرتباط الشخص بدولة ما، ولكن على عكس ذلك فإن المصطلحين متضادان. فى المسودة الأولى لإعلان الإستقلال الأمريكي إستخدم كاتبه جيفرسون تعبير fellow subjects  ولكنه عاد وأبدله بتعبير  fellow citizens وذلك لأن لفظ الرعايا يُغلِّب إرتباط الأفراد بأجهزة الدولة السيادية، وخضوعهم لها، فى حين أن لفظ المواطن يشير إلى الإنتماء للوطن، و يُغلِّب حق الشخص فى مواجهة السلطة، وليس تبعيته لها .

 إذا فمفهوم المواطنة، هو إنتماء لوطن وليس لدولة، وإن كان يشتمل فى نفس الوقت على علاقة بدولة ما، بمعنى علاقة بالأجهزة التى تمارس السيادة على الإقليم. إلا ان ذلك الإرتباط ليس إرتباط تبعية، أو خضوع، بل هو إرتباط تحكمه حقوق المواطن على الدولة، وواجباته تجاهها، وليس خضوعه المطلق لإرادتها.

ممارسة السيادة

السيادة تعني، فيما تعني، سلطة إتخاذ القرار في الشؤون المتصلة بمكونات الدولة. هنالك بالطبع إستحالة في أن يمارس الشعب تلك السلطة بشكل مباشر، وهو الأمر الذي إستلزم أن تكون ممارسته لها عن طريق التفويض. الحكومة دائماً وفي كل الأنظمة هي التي تمارس السيادة ولكن ممارستها للسيادة تكون إما نيابة عن الشعب أو بالإصالة عن نفسها. فإذا كانت الأولى فإن النظام يكون نظاما ديمقراطياً بغض النظر عن التفاصيل المصاحبة لشكل التفويض الذي يمنحه الشعب للحكومة، فإن ذلك التفويض يظل قابلاً للإنهاء بواسطة من أصدره. وإن كانت ممارسة الحكومة للسيادة بالإصالة عن نفسها فالنظام إستبدادياً على إختلاف في التفريعات والتفاصيل. والمعيار الذي يمكننا من التفرقة بين هذين الشكلين الرئيسيين من أشكال الحكم هو أن يكون الحكام خاضعين لمحاسبة الشعب فيما  يقومون به من أعمال، فهو الذي يختارهم وهو الذي يعزلهم، وفي هذه الحالة فإن السيادة تكون للشعب، وإلا فإن السيادة تكون للحاكم. ورغم أن السيادة في النظام الديمقراطي هي للشعب فإن السلطة هي للحاكم ولكنها سلطة يخضع في ممارسته لها لسيادة الشعب، وذلك يتمثل في خضوعه للقانون الذي يشرعه الشعب عن طريق  ممثليه، وتطبقه هيئة قضائية مستقلة عنه. وهذا يعني أن سيادة الشعب تتم ممارستها عن طريق سيادة حكم القانون، فسيادة حكم القانون جوهرها هو خضوع الحاكم للقانون، ولكنها تعني أيضاً أن يتم تشريع القانون وفقاً لإرادة الشعب، ويكون ذلك بتمتع الشعب بحقوقه الأساسية، وأولها الحق في الإحتجاج. وهذا يقودنا لوثيقة الحقوق. الحق في الإحتجاج يتضمن إلزام السلطة بالإستجابة بإصلاح ما تم الإحتجاج عليه كما سنرى بعد قليل وهو ما يجعله أحد التفريعات الهامة لإنتقال السيادة للشعب.

وثيقة الحقوق

” وثيقة الحقوق هى تلك الحقوق التى يتمتع بها الشعب فى مواجهة أى حكومة فى العالم، وهى حقوق لا يجوز لحكومة عادلة أن ترفضها” توماس جيفرسون .

” أساس وثيقة الحقوق هو أن تحد من سلطات الحكومة، وتؤطرها، بأن تخرج من نطاق تلك السلطات تلك الحالات التى يمتنع فيها على الحكومة أن تفعل شيئاً، أو أن تفعل ذلك الشئ فقط بطريقة معينة. ” ماديسون فى خطابه للمؤتمر الذى أقر التعديلات العشر الأوائل فى الدستور الأمريكى المعروفة بوثيقة الحقوق. حق الإحتجاج هو الحق بمواجهة الحكومة بأنها لا تملك الحق في القيام بما قامت من أفعال أو  ما شرعته من قوانين لذلك فهو الحق الذي يتم به تفعيل كافة الحقوق التي تضمنتها الوثيقة.

لا تتحقق الديمقراطية بحكم الأغلبية فحسب، بل يقوم النظام الديمقراطي أيضاً على وجوب ممارسة السلطة بشكل لا يؤثر سلباً على الحق في الحرية. ففى حين أن حكم الأغلبية يعنى الحق فى إنتخاب الحكام، وأن يتم إتخاذ القرارات السياسية وفق إرادة الأغلبية، فإن الحرية تعنى أن الفرد يتمتع بحقوق أساسية لا يجوز للحاكم كممثل للأغلبية أن ينتزعها منه. وثيقة الحقوق هى الإعلان الدستورى عن تلك الحقوق. وهو نهج بدأ فى إنجلترا ولكنه ذاع فأصبح جزءً من القانون الدولي، حيث رُصِدت الحقوق فى وثائق، وإتفاقيات، وعهود، وإعلانات دولية عديدة، وأصبحت جزءً من القانون الدولي العرفي الذى تخضع له الدول جميعاً. وثيقة الحقوق الوطنية قُصِد منها الحد من سلطة الدولة التى تبنتها، ووثيقة الحقوق الدولية قُصِد منها الحد من سلطات الدول جميعا فى مواجهة شعوبها. السلطة هى قدرة قانونية على إجبار الآخرين، على فعل شئ أو الإمتناع عن فعله، وأساسها القانونى هو القبول الطوعى لمن تُمارس عليه. والقبول الطوعى أساسه التنازل فقط عن القدر اللازم من الحرية الذى يتطلبه العيش فى الجماعة. وثيقة الحقوق هى قائمة تحتوى على ما لم يتم التنازل عنه من حريات. أول وثيقة تحمل إسم وثيقة الحقوق هى وثيقة الحقوق الإنجليزية الصادرة فى القرن السابع عشر، الذى شهد الأحداث المتلاحقة للصراع بين البرلمان الإنجليزي والملك، والتى قادت لمحاكمة وإعدام الملك تشارلس الأول، ثم عودة الملكية بسبب إستبداد وفساد كرومويل، فثورة الشعب على جيمس الثانى فى عام 1689 فيما عُرِف بالثورة المجيدة التى إنتهت بإرغام الملك على إصدار وثيقة الحقوق، ليبقى النظام الملكى فى بريطانيا بعد قبول الملكية لسلطة البرلمان . ولكن دعونا نبدأ القصة من أولها.

الماجنا كارتا والحق في الإحتجاج

 ماذا يعني الحق في الإحتجاج ؟ يعني الحق في الإحتجاج بشكل أساسي أن للشعب الحق في مخاطبة الحاكم ومطالبته بإصلاح ما يعتقد الشعب، او أيا من أفراده أنه خطأ، أوغير منصف، فيما يتعلق بالطريقة التي يسير بها الحاكم شؤون البلاد. وهذا الحق هو حق تم الإعتراف به لأول مرة، فيما نعلم، في الوثيقة المعروفة بالماجنا كارتا أو العهد الأعظم وهي أحد أهم الوثائق التاريخية واكثرها شهرة، والتي وقع عليها الملك جون والنبلاء في 15 يونيو 1215. يقول لورد ديننج عن الماجنا كارتا أنها ” أعظم وثيقة دستورية فى كل العصور، بإعتبارها الوثيقة التى أسست لحرية الفرد فى مواجهة إستبداد السلطة ” الوثيقة كتبت لتنهي  العصيان الذي قاده النبلاء الإنجليز على إستبداد الملك جون، وإنفراده بالسلطة. ولكن الماجنا كارتا كانت بداية لطريق طويل، فرغم ان الماجنا كارتا إعترفت بالحق في الإحتجاج، بل وما يترتب عليه من حق في العصيان حين لا يستجيب الملك للمطالب المشروعة، إلا ان ذلك الحق لم يتقرر في الوثيقة لصالح الشعب، بل كان حقا محصوراً في يد طائفة من النبلاء. إحتاج الأمر لعدد من القرون والثورات لينتقل من يد الأرستقراطية ليصبح سلاحا في يد الشعب.

إنتقال السيادة للشعب

شهدت إنجلترا في القرون الوسطى عدداً من حوادث العصيان على الملك، إلا أن تلك الحوادث كانت تنبع عن نزاع حول الحق في العرش وليس الحد من سلطة الجالس على العرش، والذي كان سبب العصيان الذي أدى لصدور الماجنا كارتا. عندما تمكن النبلاء من دخول لندن بقوة السلاح، لم يكن أمام الملك جون سوى أن يستسلم ويضع خاتمه على وثيقة النبلاء التي كتب مسودتها أسقف كانتربيري. حوت الوثيقة أحكاماً يجب على الملك التقيد بها، وأجازت لمجلس مكون من  النبلاء، إلغاء أى أمر يصدره الملك يرى المجلس أنه مخالف للميثاق، و أن يحتل قلعة الملك أو يستولى على ممتلكاته إذا رأى ضرورة لذلك. وقد كانت الوثيقة في مجملها ترمي لتحديد سلطة الملك في مواجهة النبلاء والكنيسة وكانت الفقرة الأكثر أهمية آنذاك هي تحديد سلطة الملك في فرض الضرائب على الإقطاعيات، وهو الأمر الذي جعل في يد النبلاء( وبعد ذلك الشعب) السلطة في أن يحدوا من دخل الملك، وهي سلطة تجعل عقابه  ممكناً وفورياً عندما يتخذ أي قرار لايرضى عنه النبلاء. وقد إستخدم النبلاء هذه السلطة لإجبار الملوك على إعادة إصدار الوثيقة في كل مرة تساورهم فيها أنفسهم على الإنفراد بالسلطة. تمت إعادة إصدار الماجناكارتا بواسطة الملك هنري بعد عشر سنوات عندما  إحتاج لموافقة النبلاء على منحه إجازة قانون مالي، وبواسطة إبنه إدوراد لنفس السبب في عام 1297.

إنتقال السلطة من النبلاء للبرلمان

أقرت المادة 61 من الماجنا كارتا بحق النبلاء في مواجهة الملك  بالمطالب المتعلقة بأصلاح الأخطاء المرتكبة في حقهم، وكان على الملك أن يعالجها في خلال أربعين يوماً أو يكون للنبلاء الحق في العصيان. وهذا هو أساس إنتقال السيادة من الحاكم ( الملك )   إلى الشعب ( النبلاء ). فالحق في العصيان يجعل ممارسة السلطة رهين بقبول الخاضعين للسلطة. وهذا يعني من الناحية العملية أن السيادة قد إنتقلت لمن تُمارس السلطة في مواجهتهم بعد أن كانت في يد الحاكم. ولكن ذلك لم يتم الإعتراف به بشكل واضح، في اول الأمر، فقد إحتاج لقرون عديدة لتثبيت المسألة بشكل قانوني متكامل. تحولت سلطة مراجعة قرارات الملك بشكل تدريجي من النيلاء إلى المحاكم لمنع اللجوء إلى العصيان في حالة فشل الملك في  تصحيح الوضع الذي تم الإحتجاج بسببه. ولكنها ما لبست أن إنتقلت إلى البرلمان الذي تزايدت سلطاته بقدر تناقص سلطات الملك، حتى أعلن مجلس  العموم في عام 1414 أنه ، أي المجلس، يلعب دور من يقبل العريضة، وليس فقط من يقدمها. هكذا أصبح رد الملك على العريضة المقدمة من الشعب إحتجاجا على مسألة بعينها يقوم به البرلمان ( مجلس العموم) نيابة عن الملك. لماكانت العرائض هي عبارة عن إحتجاج ضد ما تفعله الحكومة فإنها من الناحية القانونية كانت دائماً تحمل في طياتها مايستدعى المؤاخذة بموجب  قانون الفتنة التشهيري Seditious Libel  والذي كان يمنع نقل كلمات أو رسومات أو علامات من شأنها أن  تشين سمعة الحكومة، أو تنتقدها، أو تحرجها، أو تنتقد سياستها أو مسؤليها. ولذلك فقد تضمنت وثيقة الحقوق النجليزية في عام 1689 حماية لمقدمي العريضة من المساءلة الجنائية، فذكرت انه من حق الرعايا أن يقدموا العرئض للملك، وأي إدانة أو إجراءات إتهام بسبب ذلك، يعتبر عملاً غير مشروع. ورغم أن العرائض كانت توجه إلى الملك إلا أن  البرلمان أصبح هو الذي يتولى قبولها والرد عليها. وقد أصبح الأن التقليد هو أن يقوم البرلمان في التحقيق فيها، وإصدار القوانين المناسبة متى رأى ذلك.

الحق في الإحتجاج والحق في العصيان

“أولئك الذين  يجعلون  التغيير السلمي مستحيلاً هم الذين يجعلون الثورة العنيفة حتمية” جون كينيدي

إنتقل الحق في الإحتجاج عن طريق تقديم العرائض لأمريكا أثناء الحكم البريطاني لها. وقد تم إستخدام ذلك الحق في أمريكا ليس فقط بتقديم العرائض للمجلس التشريعي المنتخب في أمريكا نفسها، بل أيضاً للملك. والقارئ لإعلان الإستقلال الأمريكي يجد أنه يحمل إشارة لعدد 27 مظلمة تمت مخاطبة الملك بها، ولكنه رفض الإستجابة لأي منها. يذكر الإعلان عن ذلك ( في كل مظلمة من أولئك تقدمنا بالعرائض لإصلاح الوضع بشأنها، بكل تواضع، وقد تمت مقابلة كل هذه العرائض المتكرره بالمزيد من الإضرار . والأمير الذي يمكن وصفه بالنسبة لما يقرره في كل مسألة بالطغيان، لا يصلح لكي يكون حاكماً لشعب حر) وهكذا فإن إعلان إستقلال الولايات المتحدة إستند من ناحية نظرية على حق العصيان الذي تضمنته الماجنا كارتا في حالة تجاهل الملك لحق الشعب في الإحتجاج على المظالم، وتجاهله لما تم تقديمه له من عرائض لكي يقوم بتصحيحها. ويجدر بنا ان نذكر أن العديد من الوثائق الخاصة بحقوق الإنسان أصبحت تريط بين إنكار الحق في الإحتجاج، أو تجاهله، بإعتباره يؤسس للحق في العصيان وعلى رأسها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والذي  أسس لذلك  حين ذكر في مقدمته ” ولما كان من الضروري أن يتولى القانون حماية حقوق الإنسان لكيلا يضطر المرء آخر الأمر إلى التمرد على الاستبداد والظلم.”

رغم ذلك فقد صدر الدستور الأمريكي خلواً من حق الإحتجاج، ومن غيره من الحقوق العامة. والسبب في ذلك لم يكن بالطبع بسبب عدم إعتراف الآباء المؤسسين، كما يطلق الأمريكيون على واضعي الدستور الأمريكي، بالحقوق العامة، بل بسبب إعتقادهم أنه حق طبيعي لا يحتاج للنص عليه، فقد إنحاز المؤتمرالذي أصدر الدستور لرأي اليكساندر هاميلتون والذي كان يعتقد أن وثيقة الحقوق هى تاريخياً إتفاقية بين الملوك والنبلاء، تقوم على تحديد سلطات الملوك لصالح إمتيازات النبلاء. لذلك فإنها لا صلة لها بالدساتير التى تم تأسيسها بشكل واضح على سلطة الشعب، ويتم تنفيذها بواسطة ممثلى وخدام الشعب. يذهب هاميلتون لأبعد من هذا فيذكر “إن وثيقة الحقوق ليست فقط غير ضرورية، بل هى فى الواقع تشكل خطراً على الحريات. لماذا نقرر عدم جواز القيام بفعل ليست هنالك سلطة بالقيام به؟ لماذا نقرر مثلا أن حرية الصحافة لا يجوز تحديدها، عندما لا يوجد أصلاً سلطة لتحديد تلك الحرية ؟ إنني أزعم أن نص مثل هذا يمنح من يرغب فى سلب تلك السلطة، أن يدعى أن النص على منع إنتهاك حرية الصحافة، يعنى سلطة تنظيمها بشكل صحيح ” ولكن بعد زمن قليل تبين للجميع الحاجة لوثيقة الحقوق. ولذلك فقد كان من الطبيعي عندما تغيرت نظرة الآباء المؤسسين لمسألة وثيقة الحقوق، ورأوا ضرورة تضمين الحقوق في وثيقة تضمها، فقد كان طبيعيا أن تتضمن الوثيقة حق الإحتجاج، ممثلاً في حق مخاطبة الحكومة والذي عبر عنه بحق تقديم العرائض، وهو الحق الذي تم تبرير الحق في العصيان بسبب تجاهله، وفقاً لما أسسه النظام الدستوري الإنجليزي منذ صدور الماجنا كارتا، والذي كان الأساس الدستوري والمنطقي الذي أسس عليه إعلان الإستقلال. لذلك كله فقد كان لابد ان يكون ذلك الحق في مقدمة وثيقة الحقوق التي تم تبنيها في التعديلات العشر الأوائل للدستور الأمريكي، والتي صاغها ماديسون تحت تأثير ميسون. وعليه فقد تم تضمين الحق في الإحتجاج في التعديل الأول للدستور الأمريكي ضمن خمس حريات تبدو انها مختلفة، وان كانت تكمل بعضها البعض، وهي حرية الدين، حرية التعبير، وحرية الصحافة، وحرية التجمع، ثم حرية تقديم العرائض والذي جاء فيه للشعب الحق في مخاطبة الحكومة بشأن تأييد أو معارضة السياسات التي تؤثر عليهم او التي يتكون لديهم شعور قوي بإزائها. ويشمل ذلك الحق في جمع التوقيعات تأييداً او معارضةً لدعوى أو مقف معين ويشمل كذلك ممارسة التأثير على الهيئات التشريعية لصالح او ضد تشريع معين. وقد ربط الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بين حق الإحتجاج وحق العصيان حين ذكر في مقدمته ” ولما كان من الضروري أن يتولى القانون حماية حقوق الإنسان لكيلا يضطر المرء آخر الأمر إلى التمرد على الاستبداد والظلم.”

حق الإحتجاج لا يقتصر على حق تقديم العرائض

 وإستخدام التعديل لتعبير مخاطبة الحكومة يعني امرين أولهما هو ان حق المخاطبة قد يستهدف اي من السلطات الثلاث، التشريعية والتنفيذية والقضائية، التي تمارس بواسطتها الحكومة سلطة الحكم. كما ويعني إستخدام كلمةpetition  اي سبيل غير عنيف ومشروع يهدف إلى ان يدعم او يعارض موقف حكومي بعينه، فرغم أن التعديل ذكر جمع التوقيعات الا انه ذكره بقوله ان الحق يتضمنه، ولكن هذا لا يعني انه يقتصر عليه، فإن حق تقديم العرائض لا يقتصر على العرائض المكتوبة فحسب، بل على جيع المخاطبات التي تهدف إلى الوصول الى الحكومة، حتى ولو كان ذلك بشكل غير مباشر. ولذلك فهو يشمل حق تسيير المسيرات وتكوين جماعات الضغط، وجميع سبل التعبير الجماعي عن الرأي في القضايا التي تشغل الرأي العام. وهذا يعني أن الحق في الإحتجاج يشمل في ممارسته ممارسة جميع الحقوق الأربع الأخرى الواردة في التعديل الأول. ولذلك فقد رأت المحكمة العليا الأمريكية في المسيرات التي إنتظمت أمريكا في الستينات إحتجاجاً على التفرقة العنصرية، ممارسة لحق تقديم العرائض المنصوص عليه في الدستور.

بالنسبة للسودان، فقد تم تأسيس الدستور على هذا الإرث القانوني وبالتالي فإن حق الإحتجاج في الدستور السوداني لا يمكن فهمه بمعزل عن ذلك الإرث، خاصة و أن الحق في الإحتجاج لم يتم النص عليه بشكل مباشر، إلا أن المبادئ التي تضمنها الدستور تعني بالتحديد إقراره بذلك الحق وفقاُ لما إستقر في الفقه الدستوري العالمي حولها. مقدمة الدستور تذكر صراحة إلتزام أهل السودان بإقامة نظام لامركزي وديمقراطي تعددي للحكم يتم فيه تداول السلطة سلمياً.  وتنص المادة الثانية من الدستور على أن السيادة للشعب وتُمارسها الدولة طبقاً لنصوص هذا الدستور وتنص المادة 4 (د)  على أن سلطة الحكم وصلاحياته تُستمد من سيادة الشعب وإرادته. و تداول السلطة سلمياً والإعتراف بسيادة الشعب وبأن سلطة الحكم وصلاحياته تُستمد من سيادة الشعب وإرادته كل ذلك يتطلب الإعتراف بالحق في الإحتجاج اللصيق الصلة بهذه المبادئ بحيث يستحيل الفصل بينها.

 أضف لذلك أن حق الإحتجاج هو جزء من الحريات الأساسية المضمنة في وثيقة الحقوق المضمنة في الدستور وذلك عن طريق تضمين الحقوق الأربعة التي يتضمنها ذلك الحق، فقد تضمنت وثيقة الحقوق الحق في التجمع والتنظيم م 40، وحرية التعبير  م39 (1)، وحرية الصحافة م 33(2)، وحرية العقيدة م 38. وكل هذه الحريات تتضمن بالضرورة كما أسلفنا الحق في الإحتجاج.

نبيل اديب عبدالله

المحامي