خالد فضل

28 سنة انصرمت من أعمار الناس فى بلادنا وهم يرزحون تحت سطوة حكام انطبق عليهم وصف الطيب صالح (يحبون بلادهم وكأنهم يكرهونها). فى الواقع لم تثبت الأحداث الجسام التى مرت ببلادنا والاهوال العظيمة التى يواجهها شعبنا أن هذا الصنف من الحكام يحمل ذرة حب واحدة للشعب والوطن، لقد افلحو ايما فلاح فى تحقيق الضد لأي فكرة نبيلة طرحوها أو طرحها غيرهم، ولنأخذ على ذلك نماذج مما عرف بثوابت الإنقاذ، أوان فتوتها وقمة سطوتها، فالوحدة الوطنية تحولت إلى كابوس مزعج فما عاد أحد يذكر سيرة الجنوب إلا ويتبعها بالحسرة، ولم تسلم الجرة بعد فتعالى النداء بتقرير المصير فى دارفور أو جبال النوبة يعنى مباشرةً أن فكرة الوحدة الوطنية قد فقدت مغزاها وخبٱ بريقها ولم تعد من الأفكار الجذابة لطيف واسع من السودانيين، ولم يعد من السهل إقناع المنادين بالانفصالات بالعدول عن دعوتهم، لقد انتفت دواعي الوحدة الوطنية عمليا عندما صير الانقاذيون الوطن حاكورة خاصة وضيعة لأفراد منهم يزاودون ويبيعون ويشترون فيه مثلما يفعل المشاركون في المزادات العلنية، والأدهى والامر أن سوق مزادهم للوطن أغلبه فى السر لا العلن، ألم تر أن صلاح قوش مدير جهاز الأمن والمخابرات السابق كان قد أفصح عن علاقات سرية مع المخابرات الأمريكية بررها بدفع الضرر عن الوطن، وبالطبع لا أحد تم اطلاعه على بنود الصفقات السرية التي ابرمت في ذلك المزاد الغامض، إذ لا رقيب ولا حسيب على مايفعله الرئيس وسادة قصره وجهاز امنه، وقد رأينا مؤخرا كيف أن مدير مكتب الرئيس يتصرف كسلطان من سلاطين التاريخ، يقطع علاقة السودان بدولة إيران وتوزع الخبر وكالة الأنباء السعودية ليسمعه وزير الخارجية مثله مثل أي مواطن تصادف متابعته للأخبار فى تلك اللحظة، لم تتنبر أو تتنمر لجنة العلاقات الخارجية فى المجلس الوطني الموصوف زوراً بالبرلمان وتستدعى مدير مكتب الرئيس ليفسر لها دواعى القرار، هذا ضرب من التصرف فى الوطن وكأنه شأن خاص، فمن الذى يقرر لمواطن سوداني أن يعتنق الإسلام على اي مذهب سني أو شيعي حتى يتم تبرير القرار بوقف المد الشيعي، ومتى كانت المعتقدات والمذاهب تعوقها حدود وهمية، أما إذا كان الغرض مساندة السعودية فالتزلف لها حد الجثو تحت رجليها طمعا في الريال والذى من أجله ترسل كتائب الجند السودانيين كمرتزقه فى حرب اليمن، فإن السؤال البدهى من اين للسلطة الحق فى اتخاذ قرار خطير كهذا لولا معرفتها المسبقة بأنها تتصرف فى شأن خاص لا عام.

تضعضع مفهوم الوطن نفسه وصار الجواز السودانى مسخا مزورا يشترى ويمنح بوساطة السماسرة الذين هم الحكام،فكم من ارهابى تم العثور على جواز سفر سوداني لعدة حوادث إرهابية عبر العالم، لم يعرف عن السودان سوى كواليس المخابرات والمنازل المريبة والمزارع فى أطراف المدينة كساحات للتدريب والتمرين ومن ثم الشحن والتفويج للقيام بعمليات الإرهاب تحت مسمى الجهاد.

لقد صارت احلام ملايين السودانيين والسودانيات الحصول على جواز سفر امريكي أو أوربي أو استرالي أو حتى غواتيمالى يقيهم شر جواز السودان الذى كان لهم وطن فحوله الانقاذيون إلى وكر،تمخر إليه السفن المحملة بشحنات المخدرات مما تذيعه صحف الخرطوم كل يوم والتى لاتذيع إلا مايتم ضبطه بوساطة الشرطة وأجهزة الأمن فكم عدد الشحنات التي تسربت؟

الوطن صار مفهوما هلاميا، فما الذى يعنيه لشاب أو شابة فى سن ال28 سنة، تحدثه أمه أن ولادته فى المستشفى برسوم وان الشاش والبنج وحتي إبرة الحقنة قد تم شراؤها من الصيدلية، دخل الروضة ثم المدرسة وأسرته تلازمها الهموم، الرسوم،الترحيل،المصروف، الكتب والكراسات وكل المستلزمات. واذا مرضت فالويل والثبور اما الزيتونة وٱضرابها من ناطحات الاستثمار او زيادة عدد القبور، ولا عزاء لمصاب بالكوليرا أو اسم الدلع الإسهال المائى فدونه ودون يستبشرون إعلان صريح عنوانه الدخول ممنوع، وعندما اكمل ابن ال28 سنة الجامعة بعد لأي وحصار من لدن وحدات الجهاد إلى منع النشاط وفوق هذا وذاك عمليات غسيل المخ عبر مقررات دراسية إجبارية فحواها أن الديمقراطية والعلمانية والاشتراكية والشيوعية وادبيات حقوق الإنسان ومعاهدة سيداو سلسلة من الشر والإلحاد والمذاهب الهدامة،بعد كل ذلك على الخريج والخريجة أن يبحث عن نافذ فى سلطة الانقاذيين ليلتحق بوظيفة فى دولاب الدولة التى يفترض نظريا أنها دولته، وأن يعطى جهده للوطن الذى قيل إنه وطنه، وكيف يكون الوطن وطنك واذا أردت أن تخدمه منعك عن أداء الواجب سد سلطوى جاثم اسمه الولاء للتنظيم، كم من موهبة ضاعت وطاقة جبارة أهدرت وعقل وقاد ضاع سدى بأن الوطن لم يعد هو الوطن وهذه أخطر مراحل التفكك وأبرز الخيبات والفشل الذى لازم نظام الإنقاذ وهو يكمل 28 سنة، ضاع الوطن وحقوق الناس خلالها وتحول أفراد منهم إلى مليونيرات بالدولار فما اتعس الذكرى ويا لبؤس حال الأمة والوطن،كل عام وانتم بخير وقوموا لاسترداد حقكم من السارقين والمتغطرسين فما ضاع حق وراءه مطالب.