خالد فضل

السودان بعد ما يقارب الثلاثين عاماً من حكم الرئيس البشير تحول إلى ثقافة الاستهلاك بجدارة , لقد تم تحطيم القطاعات الامدادية ذات الملكية العامة باتباع سياسات السوق الحر و الخصخصة باسلوب الصدمة لدرجة اثارت شفقة صندوق النقد الدولي و كل واجهات الرأسمالية , فاوردوا في تقاريرهم ان اداء الحكومة السودانية في تنفيذ وصفاتهم قد فاق الحدود المتوقعة .

 لقد تخلت حكومة الانقاذيين عن الدور الرئيس للحكومات في معاقل الدول الرأسمالية مثل امريكا و بريطانيا , حيث القطاعات الخدمية الاساسية لحياة المواطنين ما تزال بيد حكومات تلك البلدان و هي القطاعات التي تمثل الحقوق الاساسية للانسان , في التعليم العام الجيد , و خدمة الرعاية الصحية الاولية و توفير العلاج و توزيع هذه الخدمات بعدالة و توفيرها لكل المواطنين و المقيمين في البلد , تخلت الانقاذ عن هذا الدور و بالنتيجة تحول قطاعا التعليم و الصحة إلى اكبر مجالين للاستثمار , و بالطبع و مع تدمير سلك الخدمة العامة بمؤسساتها و لوائحها و نظمها بتطبيق سياسة التمكين التي حولت الوظيفة العامة إلى امتياز خاص بمنسوبي الحركة الاسلامية  فغاب عنصر التأهيل  و الكفاءة  و حل محلهما عنصر الولاء فقط و بطبيعة الحال تعددت المؤهلات بعد مفارقة النظم و اللوائح فصار من المؤهلات الجهة  والقبيلة و العرق و الدين و النوع و اللون … إلخ .

حدثني ذات مرة احد الاصدقاء من ذوي المواقع الادارية الرفيعة بوزارة الزراعة في ولاية الخرطوم , ان ولايته قد اصبحت الولاية الزراعية الاولى في السودان , لم اتعجب فقد اختصر الامر شاعرنا المرهف ازهري محمد علي بعبارته العميقة  (و اتقسموها رتب رتب) ولا غرو فقد استشهد الرئيس البشير بنجاعة الاستثمار الزراعي بحواشته الخاصة في مشروع السليت شرقي النيل في ولاية الخرطوم و التي تدر عليه دخلاً سنوياً  قدره مليار ونصف جنيه , كما عدها في آخر لقاء تلفزيوني مع الاستاذ حسين خوجلي بأنها من مصادر زيادة دخله الشخصي إذ ان مخصصات و راتب وظيفة الرئيس لا تفي باحتياجات الاسرة الممتدة , و لا تثريب على الرئيس في امتهان حرفة الزراعة , فهو كما معلوم من سيرته الذاتية سليل اسرة من المزارعين , و ما يزال امتداد اسرته يعمل بالزراعة في مشروع الجزيرة , هنا يمتد ليل الاسى فقد تم التحطيم المنهجي والمقصود لمشروع الجزيرة الزراعي ضمن هوجة التحطيم لبنية الدولة السودانية , بل ان الرئيس البشير نفسه كان قد وصف مشروع الجزيرة بالعبء على الاقتصاد الوطني.

 و يشهد كل السودانيين بل حتى الاجانب ان مشروع الجزيرة كان هو الرافعة الاساسية للاقتصاد الوطني , ولكن فساد الاسلاميين حطمه و دوننا تقرير لجنة د.عبد السلام المشهور حيث وصف ذلك التقرير ما حاق بالمشروع من دمار و حدد المسؤولين عن ذلك بالاسم والوظيفة , فماذا كانت ردة فعل الرئيس و الواجب يقتضي اعمال سلطته باتخاذ إجراءت المحاسبة ضد الفاسدين , لكنه عوضاً عن ذلك صار يحدث الناس عن مزارعي الجزيرة السذج الذين عندما يزورون الخرطوم و يشاهدون دعاية الكوكا كولا على صهاريج المياه في الاحياء يظنون ان سكان الخرطوم يشربون المياه الغازية من مواسير منازلهم بفضل جهود و انتاج المزارعين في الجزيرة , لان هذا من اثار تربية الشيوعيين او كما قال .

الرئيس البشير ابن اسرة سودانية عادية كما نعلم و حظي كأبناء جيله و الاجيال التالية حتى عام الرمادة الممتد منذ 1989 بوجود مؤسسات دولة الرعاية , فنال تعليمه حتى تخرجه في الكلية الحربية بالمجان , و هي ليست مجانية مطلقة كما يتبادر للذهن بل توزيع الموارد العامة وفق اولويات تراعي حاجات الناس الاساسية و على رأسها التعليم و الصحة ,و لكن عهد الرئيس البشير قلب الطاولة فباتت اولويات الحكومة توفير الحماية و الحراسة و الامن لمنسوبي السلطة و وظائفها الدستورية و السياسية , فعشنا في زمن اغتيل فيه الطالب الشهيد محمد عبد السلام في جامعة الخرطوم بسبب مطالبته مع زملائه بـ(مرتبة) , تبع ذلك التحول نمو نمط  ثقافة الاستهلاك , و كثيراً ما نسمع من احاديث الانقاذيين من ينشر ادبيات المجتمع الاستهلاكي فقد قال احدهم ذات مرة ان الفرد السوداني الذي كان يمتلك قميصين صار دولابه يئن بالعشرات من القمصان , و ان الاسر التي كانت تقتسم الصابونة صار امامها ارفف مكتظة بانواع الصابون , و ان شيطة الكسرة اصبحت اشكال و الوان من الخبز و المخبوزات خلف واجهات زجاجية في المجمعات الاستهلاكية , كما ان البشير عندما برر لرفع اسعار الوقود لم يجد سوى الاستشهاد بجيرانه في الحي الرئاسي الذين يمتلكون سبع سيارات يخرجون بها كلها لمناسبة اجتماعية واحدة , و لم ينس ان يتحدث عن (الهوت دوق) , مثلما بشر مؤخراً بـ(الكاتشب)اللذيذ النظيف وارد مصنع كريمة .

في الواقع وقف الحرب و ويلاتها مقدم عند ملايين السودانيين على تذوق طعم (الهوت دوق و الكاتشب) , تقديم خدمات العلاج و التعليم العام مع مراعاة جودة المواصفات يعتبر حق اولياً للمواطنيين السودانيين قبل تربية الابقار الهولندية في المزارع الخاصة الممتدة من جهات الجيلي إلى ام ضواً بان , كما ان عودة الحياة لمشروع الجزيرة و المشاريع الزراعية الاخري في جبال النوبة و ساق النعام و الزيداب و دلتا طوكر و القاش و حلفا الجديدة يعد اولوية لصالح الشعب السوداني و مستقبل الاجيال القادمة اهم من مزارع الاعلاف التي تمثل عصب الاستثمار الزراعي الخليجي في السودان .

السودان بلد عريق و نواة تكوينه البشري تغوص عميقاً في التاريخ , فقد بنى النوبيون المعابد و الاهرامات و نظم الري الهندسية البديعة و صهروا الحديد و شادوا حضارة من اعرق حضارات الدنيا , و لم يولد السودان يوم حطمت بعض القبائل الوافدة إلى ارضه آخر الممالك النوبية العظيمة  و خربوا عاصمتها سوبا , و تاريخ اجتماع السودانيين و من خالطهم من اعراق فتسودن قائم على قيم الجماعية و المشاعية في امتلاك الارض و المرعى , و لم تفش في ثقافاتهم قيم المجتمعات الاستهلاكية إلا مؤخراً تحت عهد جماعة الاسلاميين السياسيين و مرجعيتهم و الرأسمالية , فتراهم يهللون الآن برفع الحظر الامريكي لتزدهر شركاتهم و تزداد ثرواتهم , بينما تزداد اعداد المواطنيين المصابين بالسرطانات و الفشل الكلوي و كل الامراض المزمنة بسبب تحطيم دولة الرعاية و نشؤ دولة الجباية .