التغيير : امبدة (من سلسلة حصاد التغيير فى ذكري ميلادها الخامس) 

على نحو مفاجئ ، أصبحت احدى القرى الواقعة في منطقة امبدة غرب العاصمة الخرطوم ، في صدارة اخبار الصحف ووسائل الاعلام السودانية ، بعد ان اكتشف سكانها المحليون ، ذات صباح ، وجود حاويات مجهولة الهوية بالقرب من احد المدافن القديمة ودون ان يدروا متى جاءت ومن هم الذين أتوا بها ، والاهم من ذلك كله ، ماذا يوجد بها.  

وكشفت جولة قامت بها ” التغيير الالكترونية” في المنطقة التي وضعت فيها هذه الحاويات عن وجود نحو 14 حاوية بعضها غير مغلق بإحكام ولم توضع بشكل مرتب ما يشي ان الامر تم على نحو عاجل. لم نتمكن من معرفة محتوى هذه الحاويات بعد ان اعترضنا بعض الاشخاص وطلبوا منا المغادرة . وهنالك عدد اخر من المدافن لشركات اخرى ومعظها لشركات لديها علاقة بصناعة النفط.

غير ان احد أعيان المنطقة وهو علي ابراهيم أبدي انزعاجا شديدا من وجود هذه الحاويات ” لاندري صراحة من الذي اتى بها وماذا فيها ولكننا سمعنا ان بها مواد مشعة تم جلبها من منطقة سد مروي”. وتساءل يقول ” لماذا لم تدفن هنالك في ذات المنطقة هل قيمة الانسان هنالك أفضل من هنا .. ولماذا اختاروا منطقتنا بالذات دونا عن بقية المناطق .. نحن نطالب بضرورة ابعاد هذه الحاويات من هنا وإلا سنقوم بالاحتجاج وبوسائل مختلفة”.  

اشرف  المجلس الاعلى للبيئة ، وهو الجهة المسئولة عن البيئة بولاية الخرطوم على عملية إيصال الحاويات التي تحمل النفايات الي منطقة الكيلو 30 غرب امدرمان دون ان تخبر اي جهة مسئولة مثل المجلس التشريعي بولاية الخرطوم او المسئولون في محافظة امبدة أوحتى المواطنين الذين تفاجئوا بوجود هذه النفايات ذات صباح. مسئولوا المجلس قالوا ان هذه النفايات هي عبارة  مخلفات سد مروي وتشمل بوهيات وأسمنت ومواد اخرى ” غير ضارة”. لكن الطريقة التي تم بها جلب النفايات من مروي الى الخرطوم ودفنها في منطقة يقطنها فقراء ودون علم اي جهات اخرى فتح الباب امام تساؤلات حقيقية حول صحة الرواية الرسمية. 

وللإجابة على هذه الأسئلة يجدر بِنَا العودة الي الوراء ، وتحديدا ، في اواخر شهر يوليو الماضي عندما عقدت لجنة تقصي الحقائق عن وجود مواد مشعة وكيميائية ضارة في المخلفات الناتجة من انشاء سد مروي بالولاية الشمالية. خلال ذلك المؤتمر الصحافي اكد الامين العام للمجلس الاعلى للبيئة بولاية الخرطوم وعضو لجنة التحقيق التجاني الاصم انهم كجهة مسئولة سيقومون بدفن النفايات والتي تحوي ايضا مادة الآي بوكس  العازلة والتي حدث لها تلف بسبب سوء التخزين. واضاف ان هذه المادة تحتاج الى معاملة خاصة بسبب حساسيتها الشديدة وانه يجب ان يتم دفنها بعد تجهيز مدفن بمواصفات محددة وتحتاج الى مواد يجب ان تستورد من خارج البلاد. 

ولكن لماذا لم يتم دفن هذه المواد في مروي حيث انشاء السد وتكبد المشاق وجلبه الي الخرطوم. مصادر عليمة تحدثت ” للتغيير الالكترونية ” كشفت فيه ان وزارة الصحة في ولاية الخرطوم هي من طلبت هذه المواد من اجل الاستفادة منها في بناء وطلاء غرف العمليات في المستشفيات من الداخل، واضافت ” عندما تم جلب الحاويات تدخلت إدارة الجمارك وطالبت بضرورة فحصها وأخذ الرسوم عليها ، وظلت في سوبا  لفترة طويلة وأُقدِّمت إدارة الجمارك علي فتح الحاويات لمعرفة محتواها ما ادى الي تلف مادة الليموين بعد ان تعرضت للهواء ولم تعد صالحة للاستعمال”. 

ازاء هذا الوضع ، انبرى المجلس الاعلى للبيئة ، يقوده  محافظ الخرطوم السابق اللواء علي نمر والذي تدور حوله شبهات بالفساد المالي والاداري لمعالجة الامر ” قدموا ميزانية من الالاف الدولارات  لدفن هذه الحاويات في منطقة ذات مواصفات محددة ، لكن الجهات الاخرى اعتبرت ان الميزانية المرفوعة خيالية وغير منطقية وتحوم حولها شبهة فساد خاصة وأنها تتحدث عن استجلاب مواد غالية الثمن من  خارج السودان فلم يستجيبوا لهم.. فما كان منهم الا ان ألقوا الحاويات في منطقة غرب امدرمان في العراء دون دفنها”.

ويؤكد احد اعضاء لجنة التحقيق المختصين ان هذه النفايات سيكون لها ضرر بيئي كبير جدا على سكان المنطقة وبقية الاحياء والتربة في حال عدم تدارك الاوضاع. وقال العضو بعد ان فضل حجب هويته ” من المعروف ان مادة الآي بوكس والتي تتكون من جزيئات بالغة الصغر تتفاعل بشكل سريع في حال تعرضها للهواء الطلق  فانها تتعرض للتلف ومن ثم امكانية ان تتفاعل مع المحيط الموجود بها .. وفي مثل حالة النفايات في منطقة امبدة فان الطريقة التي عولجت بها تمثل خطورة على البيئة المحيطة والأثر لن يظهر في الوقت الحالي ولكن بعد مرور سنوات”.