التغيير : جودة

في ظل انشغال الجميع بازمة اللاجئين الذين عبروا الحدود المشتركة الى السودان بسبب الجوع والقتال المستمر في دولتهم الوليدة ، تعيش الالاف من الاسر السودانية التي اجبرت على العودة الى السودان بعد انفصال الجنوب أوضاعا معيشية شديدة القسوة والمعاناة.

” قرون وسطى”

واضطرت المئات من العائلات المكوث في قرية ” جودة الفخار ” الواقعة علي بعد بضع كيلومترات من معبر جودة بعد ان تنازل لهم سكان القرية الأصليين من بعض أراضيهم لإقامة مساكنهم المكونة من قطاطي و ” ورواكيب” مصنوعة من القش ويفتقرون لابسط مقومات الحياة من مياه صالحة للشرب والكهرباء والمدارس والمرافق الصحية وغيرها.
ويقول احد أعيان القرية سليمان عبد التواب ” للتغيير الالكترونية ” انهم ظلوا على هذه الحالة منذ ان أجبروا على ترك مساكنهم ومتاجرهم واراضيهم الزراعية واستوطنوا في هذه القرية ” وصلنا الى هنا مع عائلاتنا واطفالنا قبل ثلاث سنوات وظللنا نشتكي للسلطات من عدم توفر الخدمات وكأننا نعيش في القرون الوسطى مع ان محلية الجبلين على بعد خطوات منا وفي كل مرة يعدوننا بتقديمها ولكن لا جديد.. المرة الاخيرة جاءنا الوالي كاشا بنفسه قبل اشهر ورأي وضعنا وقال انه سيقوم باللازم ولكن ليس هنالك اي جديد”.

” عطالة عن العمل”

في احدي الرواكيب الضخمة جلس العشرات من الشباب وهم يلعبون الورق والنرد ، فيما فضل اخرون الجلوس بعيدا واشعال السجاير وعدم الاكتراث لما يجري من حوله. وقال احد هؤلاء انهم يقضون النهار بطوله في لعب الورق ليس حبا في اللعب وانما قتلا للوقت في ظل عدم وجود مصدر للرزق ” كل هؤلاء الشباب عاطلون عن العمل تماما.. كانوا تجارا ومزارعون ورعاة والآن فقدوا مصدر رزقهم بعد ان تم طردهم من الجنوب.. لا ارض يزرعون عليها ولا يوجد محل للعمل فيه .. وحتي الماشية القليلة لو أردت ان تذهب بها للمرعي علي الجانب الاخر من الحدود فانت مطالب بدفع مائة جنيه كرسوم للعبور عن كل رأس يوميا لجمارك الجنوب”.

ويقدر أعداد الشباب في القرية باكثر من 70 % من جملة السكان ، وفضل الكثير منهم الهجرة الي الحضر والمدن الكبري مثل الخرطوم وكوستي وربك والعمل في مهن هامشية. وادي هذا الوضع الي بروز مشكلات اجتماعية.

واضاف محدثي يقول: ” العطالة ادت الي انتشار الفقر وسط المجتمع وبالتالي الي بروز مشكلات بين الاسر مما زاد من انتشار حالات الطلاق في القرية.. في الاسبوع الماضي فقط وقعت نحو 7 حالات طلاق بسبب المشاكل الاقتصادية او هجرة الازواج وهي ظاهرة جديدة علي مجتمعنا ومقلقة بطبيعة الحال”.

” ممتلكات ضائعة ”

وقصة سكان قرية ” جودة الفخار” مطابقة تماما لما وقع للالاف من العائلات السودانية – تقدر رسميا بنحو 60 الف أسرة – التي اضطرت الي العودة من جنوب السودان الي مناطق متاخمة في ولاية النيل الأبيض الحدودية منذ انفصال الجنوب في العام 2011. حيث تعيش هذه العائلات في قري منتشرة علي طوال الحدود المشتركة بعد ان فقدوا أراضيهم التي ظلوا يعيشون فيها لمئات السنين قبل الانفصال.

لكن تبدو مأساة أهالي الفخار اكبر بعد ان اجبروا علي ترك كل شي خلفهم بعد احداث العنف التي وقعت في الجنوب في العام 2013 ، بعد ان استولت مليشيات حكومية وغيرها علي منازلهم ومحالهم التجارية خلال احداث العنف. ويوضح عبد الله رجب وهو احد اشهر التجار في المنطقة قبل الانفصال ” لم نعود الي السودان بعد الانفصال مباشرة لان المنطقة هي احدي المناطق المتنازع عليها بين البلدين .. ولكن بعد اندلاع احداث العنف فررنا الي الحدود وتركنا كل شي خلفنا .. وبعض التجار خسر الملايين من الجنيهات والمزارعين فقدوا أراضيهم التي كانوا يزرعونها”.

واضاف يقول : ” تواصلنا مع السلطات من اجل تثبيت حقوقنا علي اقل تقدير وليست استعادتها في الوقت الحالي.. وأمددناهم بقائمة تحوي اسماء المتاجر والبيوت والأراضي الزراعية وغيرها من الممتلكات وايضاً وعدونا بأنهم سيفعلون ما بوسعهم من اجل مساعدتنا ولكننا صراحة أصبحنا لا نثق فيهم لانهم لم يفعلوا لنا اي شي حتي الان”.

” إمكانيات محدودة ”

قامت السلطات المحلية خلال الفترات السابقة بزيارات ميدانية لعدد من قري العائدين وقدمت لهم بعض المساعدات الغذائية. ويقول مسئول العون الإنساني في ولاية النيل الأبيض محمد ادريس انهم فعلوا ما باستطاعتهم من اجل تقديم العون للعائدين ” ليست لدينا إمكانيات كبيرة لتقديم المزيد العدد كبير جدا .. ولذا فنحن قد طلبنا من المنظمات الدولية التي تقدم المساعدات للاجئين الجنوبين في الولاية بالالتفات للسودانيين العائدين من الجنوب وتقديم المساعدات لهم ايضا”.