بقلم : محمد بدوي

تشهد الساحة  السودانية العديد من التطورات   لكن يظل أهمها هو قرار  الولايات المتحدة الأمريكية برفع العقوبات الإقتصادية المفروضة علي السودان منذ العام 1991م ، بالنظر إلي تلك الخطوة يمكن الركون إلى العديد من الإسباب التي قادت إلي ذلك ، فمن الجانب الأمريكي فقد كشف عن الفلسفة الجديدة للسياسة الخارجية بتخطيها مرحلة المغازلة السياسية إلي واقع جديد في تقديري أنه جاء مدفوعاً بالتطورات في العلاقة بين السودان و دول الإتحاد الأروبي في أغسطس 2016م و التي عرفت بإتفاقية الخرطوم ) Khartoum Process   ( التي حصلت بموجبها كل من الخرطوم  و أسمرا علي دعم مالي قدر ب155 مليون يورو  تحت تبرير محاربة الهجرة غير الشرعية  عبر دعم مشاريع تنموية إلي جانب حراسة الحدود السودانية الليبية أحد مسارات الهجرة غير الشرعية .السبب الأخر  هو سباق المصالح العالمية  الذي حاول إستخدام فزاعة تنامي صعود اليمين المتطرف إلي سده الحكم لتبرير  التعاون مع نظام الخرطوم .

التغيرات على مستوى أداء وزارة الخارجية السودانية بعد انتخابات 2015م يمكن رصده في إتخاذها فلسفة التسويق  للجهود التي تساعدها علي  رفع العقوبات الإقتصادية ، لأنها ظلت تشكل هاجساً يهدد بقاء حزب المؤتمر الوطني علي كرسي السلطة ، بل أنها لم تتوان في بذل الكثير من المساعي علي كافة المستويات لحمل الولايات المتحدة الأمريكية علي رفع العقوبات  فعلي المستوي السياسي فقد حمل  خطاب الرئيس السوداني عمر  حسن أحمد البشير في إحتفال إعلان إنفصال دولة جنوب السودان إشارة إلي ذلك ، علي المستوي الإقليمي فقد حاولت الخرطوم إدراجها ضمن إجندة التفاوض بينها وبين الحركة الشعبية لتحرير السودان – قطاع الشمال   تحت رعاية الالية الرفيعة للإتحاد الإفريقي ، علي المستوي المدني فلم تفتر جهود المنظمات الحكومية من المطالبة برفع العقوبات في المحافل الدولية مثل جلسات مجلس حقوق الانسان.

منذ أن حاولت الخرطوم في العام 2001م تعبيد المسار بينها وصندوق النقد الدولي شكلت العقوبات العائق الأساسي تجاه ذلك ، لأن الطريق إلي الصندوق يتطلب الإنتقال إلي نظام الإقتصاد الحر الذي يتطلب رفع الدعم عن الخدمات ، باءت  بالفشل كل الإجراءات الإقتصادية  التي أتخذتها  في  الأعوام 2011-2013-2016م في رفع الدعم عن السلع أو غير المعلنة المتمثلة في زيادة اسعار السلع مثل غاز الطبخ  الكهرباء في تحسين سجلها أمام شروط صندوق النقد الدولي

 (2)

بالرغم من التحليلات و الأراء التي فسرت إبتعاد الخرطوم من حلف إيران إلي التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية للقتال ضد الحوثيين باليمن برغبتها في الحصول علي الدعم المالي ، لكن في تقديري أن السبب الأساسي ظل يستهدف رفع العقوبات ، حيث أدركت الخرطوم أن الطريق إلي ذلك يمر عبر الإنضمام إلي التحالفات التي تدعمها سياسياً الولايات المتحدة الأمريكية و لا سيما إقتران الأمر بمحاربة الإرهاب .

الأمر الذي يبرر  مشاركة الخرطوم  في القتال بقوات مدمجة ( نظامية و مليشيات ) في الوقت الذي  كانت تعاني من  الهزائم العسكرية من قوات الحركة الشعبية لتحرير السودان – قطاع الشمال ، ما عزز من فرص الخرطوم هو تصديها للقتال في توقيت أنهكت فيه المملكة العربية السعودية مادياً من جراء ذلك ،إلي جانب إرتفاع الأصوات التي بدأت تندد بإرتفاع الضحايا من المدنيين من جراء العمليات العسكرية للتحالف باليمن ، إضافة إلي الإتهامات المبطنة لقوات التحالف بإستهدافها العسكري للحضارة اليمنية ،الأمر الذي تمكنت الخرطوم من إستغلالها في جهود الوساطة السعودية لدي الولايات المتحدة الأمريكية .

(3)

جاء إتفاق السلام الشامل بين الحكومة السودانية و الحركة الشعبية لتحرير السودان في العام 2005م بمكاسب عديدة  ، فرغم ثنائية الإتفاق و التعقيدات التي طرأت علي وضع إقليمي  جبال النوبة و النيل الأزرق لاحقاً ، الإ أن أنه من النحسة السياسية  عزز من تراجع الدولة الدينية ا لتي أخذت في الأنحدار علي خلفية إنقسام الإسلاميين السودانيين إلي معسكرين ( وطني و شعبي) في العام 1999م ، أضف إلي ذلك  أن الإتفاق كسر طوق مرحلة ما عرفت( التمكين)  أو السيطرة الكاملة للإسلاميين علي  الموارد و السلطة ،  ساعد في ذلك الدور السياسي لأحزاب المعارضة السودانية التي أستطاعت أن تساهم بفعالية في الساحة السودانية في تلك الفترة ، مما إنعكس في تفكيك قناعة الإسلاميين المسيطرين علي السلطة حول المفاهيم المرتبطة بالإسلام السياسي (الدولة الدينية)  مثل إلغاء الأخر  أو السيطرة المطلقة و الأبدية علي السلطة .

شهدت ذات الفترة إتساع  نشاط المجتمع المدني  السودان بشكل واسع ، مرتكزة علي المكاسب التي وردت في الدستور  الإنتقالي مثل المواطنة في المادة (7) و ووثيقة الحقوق في المادة (27) لينعكس ذلك في ترسيخ ثقافة حقوق الإنسان من ناحية و إتساع نشاط التعليم في مجال حقوق الإنسان ،  كما شهدت مفاهيم المناصرة تطوراً تشكل في المزج بين تحليل الواقع السياسي و مفاهيم حقوق الإنسان من خلال تعميد  التقاطعات المشتركة الأمر الذي نقلها من المدرسة الكلاسيكية لحقوق الإنسان إلي الحداثة وفقاً للتطورات ، خير مثال لذلك إحالة ملف  حالة دارفور للمحكمة الجنائية الدولية . .

تجذر مفهوم حقوق الانسان في الفترة الانتقالية لم يقف عند جهود المجتمع المدني بل إمتد إلي الجهات الحكومية التي وجدت نفسها في وسط الزحم الذي أحدثه ذاك النشاط لتستجيب إلي حد ما الإنخراط ، فالأمانة تقتضي الإشارة إلي الإنفتاح النسبي الذي شهده المجلس الإستشاري لحقوق الإنسان التابع لوزارة العدل أنذاك فقد شارك المجلس في بالحضور في نشاط مركز الخرطوم لحقوق الانسان وحماية البيئة في حملة دفع الحكومة السودانية للمصادقة علي إتفاقية مناهضة التعذيب في العام 2005م ، أضف إلي ذلك فقد برز تطور اّخر سواء من المجلس أو وزارة العدل في الحرص علي حضور جلسات المفوضية الافريقية لحقوق الانسان والشعوب، اضف إلي ألتزام غير معهود سابقاً بالرد علي مذكرات الطعون امام المفوضية في مواجهة حكومة السودان من قبل وزارة العدل ، كل ما سبق يمكن تلخيصة بالمكاسب التي أتاحتها الفترة الإنتقالية في تعزيز مفهوم حقوق الإنسان .

(4)

مع إقتراب نهاية الفترة الإنتقالية و الإنتخابات العمومية السودانية في ابريل 2010م بدأت تتكشف  ملامح ترجيح إنفصال جنوب السودان  في ظل مؤشرات إستمرار  تراجع الوحدة الجاذبة نتيجة للتراكمات السالبة التي اعترت علاقة الشريكين ، و هنا برزت التدخلات الدولية التي أخذت في تعزيز دعم بقاء  حزب الموتمر الوطني في السلطة مقابل تحقيق الانفصال السلمي ، إذاء  بدأت الهجمة الأمنية علي الحريات في تقديري  خطاب الرئيس السوداني عمر حسن أحمد البشير  بمدينة القضارف ، شرقي السودان  قبل الإنفصال  مثل الضوء الأخضر لذلك ، سرعان ما بدأت تكتيكات قمعية جديدة ، علي سبيل المثال فقد واجهت حرية التعبير الإنتقال من مربع الرقابة القبلية إلي إستخدام سلطات جهاز الأمن لإغلاق الصحف و مصادرتها و إعتقال العاملين في الحقل الصحفي بالإضافة إلي القانون الجنائي لعام 1991م  في الملاحقة القانونية الكيدية ، إلي جانب التضييق علي الأحزاب السياسية في ممارسة أنشتطها التي جعلت من الشارع العام مساحة محرمة قانوناً .

الإجراءات التي صدرت من المحكمة الجنائية الدولية بالإضافة إلي واقع  إنفصال جنوب السودان  وفشل الإسلاميين السودانيين في الحفاظ علي سودان العام 1989م موحداً أخرج الإتهامات المبطنة بين قادة المؤتمر الوطني إلي حيز العلن ، فأنعكست حالة التوهان السياسي و النفسي في هجمة شرسة إستهدفت مجال حقوق الإنسان عبر التصريحات السياسية التي كانت تحاول الربط بين نشاط حقوق الإنسان بالعاملة و التجسس و التخوين ، راكم من سوء الحالة  تراجع دور المحكمة الدستورية الذي ركن إلي الولاء و المفاضلة خاضعاً  للمحاصصة السياسية لقضاته التي إستندت علي إتفاق السلام .

(5)

يمكننا القول بان العام 2014م تسارعت فيه وتيرة تجريم نشاط حقوق الانسان و التنوير و مواجهة غير المسلمين بالإجراءات التعسفية  ، هدفت الحملة إلي  أغلاق  كامل لحركة حقوق الانسان التي نشطت أو تلك التي وجدت السبيل إلي اعادة نشاطها في العام 2005م بعد الإغلاق الذي تم في العام 1989م تحت ذريعة الشرعية الثورية ،   فتم إستهداف ممنهج للمنظمات و المراكز  و الإتحادات و المنتديات  بالإغلاق والمصادرة ، و التضييق علي غير المسلمين بالمحاكمات الجنائية و التصرف في الممتلكات الدينية بما يحد من قيامها بدورها  إلي أن تطور الأمر في العام 2015م إلي المحاكمات الجنائية التي تمر عبر فترات إعتقال طويلة قبل توجيه تهم  تتعارض من التمتع بالحقوق القانونية مثل الضمان و المحاكمة العادلة  ، ذاك التراجع برز في أروقة مجلس حقوق الإنسان الذي اصبح منازعاً  في  تعيز تحفيز الخرطوم في التفكير في التراجع عن تلك الإنتهاكات التي أخرجتها  تفويض البند 4 الذي يفوض وحدة رصد كاملة لأوضاع حقوق الأنسان إلي 10  الذي يعد أخفاً من قيود سابقه حيث يركز علي الدعم التقني و التشيجع لتحسين الحالة

(7)

الالتزامات الدولية التي تقع علي عاتق الدول تحمل فلسفة الالتزام  ، الإحترام و تحقيق الرفاهية سواء غرتبطت بالخقوق المدنية والسياسية أو الإجتماعية و الثقافية  ، بل مضي الامر الي التعامل الايجابي مع الحقوق المرتبطة بتقرير المصير ووصلت الي صلب الدساتير  .

الاقتراب و طلب دعم الموسسات الاقليمية مثل الاتحاد الافريقي الذي يلعب ادوار مختلفة في السودان من دعم سياسية السودان الرافضة لاختصاص المحكمة الجنائية الدولية اضف الي قبول  مشاركتها في بعثتي حفظ السلام بدارفور و منطقة ابيي المتنازع عليها ، اضافة الي رعاية عمليات التفاوض السياسية مع الاحزاب والحركات المعارضة ، الاعتماد علي سند المجموعة الافريقية امام مجلس حقوق الانسان .

التعاون في مجال الارهاب و محاربة الهجرة غير الشرعية و الاتجار بالبشر   مع  المجتمع الدولي  لا  يتحقق فقط بالجهود السياسية لإرتباطها بحزم حقوق الإنسان من جانب اخر اصبحت أفردت  لها تعريفات و معاهدات واليات للمتابعة و التنفيذ

أذن تجريم نشاط  حقوق الانسان يصب في خانة سالبة تمثل خصماً علي جهود الحكومة التي تسعي لتحقيقها مع رفع العقوبات  ، كما أنها  تصب في خانة تدهور سجل حقوق الانسان الذي في جميع الاحوال يتم استصحابة في اتخاذ القرارات من المجتمع الدولي .