خالد فضل

تشهد العلاقات بين الحكومتين السودانية والمصرية توتراً متصاعداً في الآونة الاخيرة , عتاد كلا النظامين هو الاعلام بمختلف وسائطه , و ضحيته هم الاعلاميون في البلدين, فقد منعت السلطات المصرية الصحفي الطاهر ساتي و الصحفية إيمان كمال الدين من دخول اراضيها و اعادتهما الى الخرطوم في حادثتين منفصلتين , في ما طالب اتحاد الصحفيين السودانيين  السلطات في الخرطوم بردالصاع صاعين و طرد جميع الاعلاميين المصريين الموجودين بالسودان .

 الشاهد في الامر ان حالة التربص التي تمارسها الاجهزة الامنية في البلدين تستهدف اول من تستهدف قطاع الاعلاميين باعتبارهم (الحيطة القصيرة) لفش الغبائن السياسية , الواقع ان العلاقات بين نظام الانقاذ و النظام المصري الاسبق برئاسة حسن مبارك شابها كثير من التوتر  و ان لم تبلغ حد القطيعة , خاصة بعد انكشاف توجه نظام الخرطوم الاخواني و تورطه في دعم الحركات الارهابية الاسلامية و المصرية منها على وجه الخصوص و التي كادت ان تفتك بالرئيس المصري نفسه في اديس ابابا صيف العام 1995م , لتجئ  ردة الفعل المصرية بإحتلال مثلث حلايب شلاتين المتنازع عليه بين البلدين منذ استقلال السودان عن مصر في 1956م , و فرض سياسة الامرالواقع و المحاولات المستمرة لتمصير المثلث و إلحاقه بالاراضي المصرية , و قد تحاشى نظام الخرطوم دوماً الدخول في مواجهة مباشرة مع النظام المصري حول امر حلايب , و يكتفي قادته بالرد المحفوظ لدى سؤالهم عن هذا الامر , بأن لدينا شكوى في مجلس الامن الدولي يتم تجديدها كل عام , إضافة الى عبارات اخرى فضفاضة مثل (جعل منطقة حلايب منطقة تكامل , و لن تؤثر على العلاقات الازلية … إلخ) . فما الذي جد ؟.

هطلت امطار الربيع العربي و اجتاحت الثورات الشعبية انظمة علمانية عتيدة في تونس و مصر و ليبيا , و بدأت (دوحة) الاخوان المسلمين تثمر , فتولت حركة النهضة  في تونس مقاليد الحكم عن طريق صناديق الاقتراع الديمقراطي , و بزغ نجم اخوان ليبيا , و فازوا في انتخابات مصر و جاء مرسي رئيساً , و لكن سرعان ما هب الشعب المصري و انحاز له الجيش فاحبط محاولة الاخوان بتحويل مصر الى  اقطاعية خاصة بالتنظيم و مرتعاً لتوجيهات التنظيم الدولي للاخوان المسلمين , لم يهنأ  نظام الخرطوم بتمدد نفوذ مرجعيته الاخوانية إلى مصر , كما انحسر ظلها في ليبيا , و اضطرار حركة النهضة  التونسية للركون إلى وفاق وطني حقيقي , بل تغيير جذري في توجهها  و اعتماد مبدأ فصل الدين عن السياسة , بالطبع سادت حالة من الحسرة و الارتباك في اوساط اسلاميي السلطة في السودان إثر هذه التداعيات , و لما كانت حكومة الاخوان في مصر تحظي بالرضا الامريكي  و الرعاية القطرية و التركية , فإن الاطاحة بهم بالثورة الشعبية المصرية كان محل سخط الداعمين الاقليميين و الدوليين , و بالفعل فإن مجموعات من قياداتهم و عناصرهم لاذت بالنظام في الخرطوم بإيعاز من الثالوث المار ذكره , و بترتيب من التنظيم الدولي للاخوان المسلميين فيما يبدو و بحسب تقارير اعلامية مختلفة تناولت الموضوع .

 و قد تم تصنيف جماعة الاخوان كمجموعة  ارهابية في مصر و بعض دول الخليج العربي و لذلك كان النظام المصري متوجساً من نظام الخرطوم الذي يأوي خصومهم .

في الآونة الاخيرة , و بعد ان اكمل نظام الخرطوم رضوخه التام للمخابرات الامريكية  و اوفى بمطلوباتها المتعلقة باجندتها في حماية الامن القومي الامريكي , بدأ رفع الحظر الامريكي  ضد نظام الخرطوم متزامناً مع تحول بوصلة اتجاه علاقاته الاقليمية من محور الدول و الحركات ذات اللافتات الاسلامية الثورية كإيران و حماس و حزب الله اللبناني إلى الارتماء التام في حضن النظام السعودي لدرجة خوض الحرب في اليمن بالوكالة عنه , و قد قتل مؤخراً بعض الجنود السودانيين في حرب اليمن الاهلية , في المقابل رفض النظام المصري المشاركة في حرب الوكالة في اليمن و لم يشاء التورط في محرقة الجبال اليمنية الوعرة , و لعل ذكريات الحرب الاولى التي شارك فيها الجيش المصري في الستينات من القرن الماضي ما تزال حاضرة بمأساتها المؤلمة , و ما تزال مقبرة الجنود المصريين في صنعاء تشهد بفداحة الثمن , لعل الموقف المصري لم يعجب نظام آل سعود , فتوترة العلاقات فجأة بين الرياض و القاهرة في تزامن مع ازدهارها بين الرياض و الخرطوم وصل حد إجراء المناورات العسكرية المشتركة في شمال السودان , و هو امر يبعث برسالة إلى النظام المصري مفادها ان نظام الخرطوم بات مرغوباً في خدماته الاستخبارية و الامنية و الاقتصادية من جانب دول النفط الخليجي و بشهادة حسن سير و سلوك امريكية  و اسرائيلية و اوربية , و هذه من اللحظات المناسبة  للتصعيد ضد النظام المصري الذي يحتجز (اخوان الصفا) في سجونهم و يصنفهم ارهابيين , و لعل تصادف الاهواء القطرية مع السخط السعودي ضد النظام المصري يعتبر من اللحظات النادرة التي تمكن نظام البشير من التجروء  و مناكفة النظام المصري تارة بالتصعيد الاعلامي حول سودانية حلايب , و مرة باتهام مصر بالتورط في حرب جنوب السودان بدعمها لنظام سلفاكير في جوبا , و هو كما معلوم من الانظمة التي باتت محل تنديد و تبرم متزايد من المجتمع الدولي , تداخلت هذه العوامل و انتابت حالة من الشعور بالقوة نظام الخرطوم , و بدأت سلسلة قرارات اقتصادية بمنع استيراد الفواكه و المواد الغذائية المصرية , و بث رسائل عبر وسائط التواصل الاجتماعي و اجهزة الاعلام السودانية تفيد بفساد المنتجات المصرية  و اشاعة جو من التخويف من احتوائها على مواد مسرطنة , او فاسدة , و في إشارة الرئيس البشير للكاتشب النظيف عن افتتاحه لمصنع تعليب الطماطم في كريمة تعريض بما يشاع عن المنتجات المصرية .

هل يمكن الركون إلى ان حالة شعور وطني عارم قد اجتاح السودانيين و باتوا يعبرون عنه اعلامياً ضد مصر , بحجة الرد بالمثل على تحرشات الاعلام المصري و استحقاره للسودانيين , ام ان الامر برمته تنافس بين نظامين , اجد نفسي متأكداً من ان احدهما  و هو نظام الخرطوم يزايد بالمواقف الوطنية فعلى مدى يقارب ثلاثة العقود ظل همه البقاء في السلطة ضارباً بعرض الحائط لكل المصالح الوطنية الحقيقية , فلم يعد احد يصدق ما يزعمه من شعارات وطنية فارغة المضمون , و هنا تكمن خطورة انسياق الاعلاميين السودانيين وراء خطط و تدابير ذلك النظام , اما الاساءة  إلى السودانيين او الحط من قيمتهم الانسانية في اجهزة الاعلام المصرية فهو امر مرفوض بكل تأكيد , و هو نتاج جهل و سطحية في التناول , و كلام الجهلاء لا يعتد به , مجدداً اجد نفسي منحاز لقيم حرية التعبير و الصحافة و أؤكد تضامني الشخصي مع الزملاء الصحفيين السودانيين المبعدين عن مصر , و في ذات الوقت ارفض فكرة طرد الصحفيين المصريين من السودان إذ لا تزر وازرة وزر اخرى , يمكن منع من يسيئون إلى السودانيين من الدخول كردة فعل تناسب منع الزملاء من دخول مصر.