نبيل أديب

ناقشنا في المقال السابق إشتراط حزب المؤتمر الشعبي تفعيل الحريات الدستورية كشرط لمشاركته في حكومة الوفاق الوطني المزمع تشكيلها في المستقبل القريب. ورأينا أن الشعبي قد قنع بما لايفيد قضيته حين قبل بالتعديلات الدستورية سبيلا لذلك التفعيل، وأبدينا أسبابنا لذلك فرأينا أن الحريات الدستورية المضمنة في الدستور عن طريق النصوص المباشرة أو عن طريق الإحالة لأحكامها مثل النص في الفقرة من المادة 27 والذي يُضمِّن ما ورد في العهود الدولية من أحكام في صلب الوثيقة هي نصوص كافية إلا انها غير مفعلة. وقد رأينا أن ما يحتاج لتعديل ليس النصوص الدستورية المتعلقة بالحريات العامة، بل النصوص القانونية التي تخرقها، و أن التعديل كان يجب أن ينصب على القوانين التي ما فتئت تصادر الحريات الدستورية، دون أن تعبأ بالنص الدستوري الذي يمنعها من ذلك. والأمر لايقف عند ذلك الحد بل يتطلب ضمانات تحول دون تغول السلطتين التشريعية والتنفيذية على الحريات العامة، وننظر الآن للقضاء بإعتباره يشكل ضمانا أساسيا بالنسبة للحريات العامة لنر ما أعاقه ومازال يعيقه عن أداء المهمة الملقاة على عاتقه.

القضاء العادي وتطبيق التراتبية القانونية

لا يكفى تضمين الحريات العامة فى الدستور، لكي يتم تكريسها على الواقع، خاصة بالنسبة للدول التى عانت لسنين عديدة من نظم سلطوية عمدت إلى قمع حريات شعوبها بترسانة من القوانين التى يلزم إما إزالتها، أو وقف مفعولها. وأهم الجهات القادرة على ذلك، إن لم تكن الجهة الوحيدة، هى السلطة القضائية بفرعيها العادي والدستوري . تعمد بعض الدول التي خصصت للنزاعات الدستورية محكمة خاصة خارج النظام القضائي، إلى أن تمنع المحاكم العادية من التعرض لدستورية القانون، وتقصر ذلك على المحكمة الدستورية. وهو نظام فى تقديرنا مخالف للمنطق، ويساعد على نفاذ قوانين من شأنها إنتهاك الحقوق الدستورية. فالقاضى العادي مطالب بتطبيق القانون، وهو إذ يفعل ذلك لا يحتاج لأكثر من إعمال قواعد التفسير، بحيث يُغلِّب حكما على حكم، إذا ما حدث تعارض فى القوانين. فالمعلوم أن المنظومة القانونية في كثير من الأحوال تحمل تعارضاً بين أحكامها، ولعل أكثر ما يشار إليه من تعارض هو ما ورد من أحكام متعارضة في قوانين العمل، والشركات وإيجار المباني من جهة، مع أحكام تلك العقود، في قانون المعاملات المدنية من الجهة الأخرى. وهذا التناقض لم يؤدي إلى مشاكل عملية في الدعاوي المتعلقة بتلك القوانين، حيث أعمل القضاء قاعدة التفسير التي تقول أن الخاص يقيد العام، فكان نتيجة لتطبيق ذلك المبدأ يقيد الحكم الوارد في القانون العام، وهو هنا قانون المعاملات المدنية ، بالحكم الوارد في القانون الخاص، بحيث تسود أحكام القانون الخاص المخالفة لأحكام القانون العام، والذي لا تطبق أحكامه على الحالة المعروضة إلا إذا خلا القانون الخاص من حكم مخالف لها. ومن أهم قواعد تفسير القانون، هو أن القانون درجات يسمو بعضها على بعض، فلو خالف حكم عرفي حكم في لائحة أو قانون تشريعي يسود الحكم الوارد في التشريع أولاً ثم اللائحة ثانياً وهكذا. ومن أهم قواعد التراتيية القانونية مبدأ سمو الدستور. لا يمكن أن يُفعّل هذا المبدأ، دون أن يُلزم القاضى العادى بعدم تجاوز أحكام الدستور. فهذا المبدأ يعنى أنه إذا عرضت أمام محكمة مختصة دعوى تستند على قانون يخالف نصاً في وثيقة الحقوق، فعلى المحكمة أن تمتنع عن تطبيق ذلك القانون، بإعتبار أنه من صميم عملها القضائي، فالقاضي لا يمكنه أن يطبق القانون ما لم يفسره، والقاضي غير مكلف بتطبيق قانون واحد بل بتطبيق كل القوانين، وهذه القوانين قد تحمل أحكاماً متعارضة، لذلك فإنه مطلوب منه أن يقوم وفق قواعد التفسير بتحديد الحكم الواجب التطبيق بين أحكام تلك القوانين المختلفة. والدستور هو قانون من ضمن القوانين التي يجب على القاضي أن يطبق أحكامها، ولكنه يعلو على  كافة القوانين الأخرى، وهو ما يمنعه من تطبيق  حكم القانون العادي إذا تعارض مع حكم في الدستور.

دور القضاء العادي في حماية الدستور

الدستور وفقا للمادة الثالثة منه هو القانون الأعلى للبلاد، ويجب أن تتوافق معه جميع القوانين، و هذا ينطوى على مخاطبة للمشرع وللقاضي الدستوري، وللقاضي العادي، كل في مجاله. على المشرع أن يلغى القوانين المخالفة للدستور، وأن يمتنع عن إصدار قوانين تحوي أحكاماً مخالفة للدستور، و على القاضي الدستوري إلغاء القوانين المخالفة للدستور، متى ما عُرِضت أمامه في دعوى إلغاء، وعلى القاضي العادي تجاهلها إذا عُرِضت عليه في أي دعوى. يجب دعم الحقوق الدستورية بوضع نص، يلزم المحاكم العادية بعدم تطبيق أحكام القوانين المخالفة لأحكام وثيقة الحقوق، وتجربة السودان تدعو لذلك فالمادة 48 من دستور 2005 تنص على أنه “لا يجوز الانتقاص من الحقوق والحريات المنصوص عليها في هذه الوثيقة, وتصون المحكمة الدستورية والمحاكم المختصة الأُخرى هذه الوثيقة وتحميها وتطبقها، وتراقب مفوضية حقوق الإنسان تطبيقها في الدولة وفقاً للمادة 142من هذا الدستور” وهو حكم واضح فى إلزامه للمحاكم العادية بذلك.  كما وأن المادة 6 من قانون تفسير القوانين والنصوص العامة تذكر ذلك صراحة،  بنصها على أنه”إذا تعارض أي نص في أي قانون مع أي حكم من أحكام الدستور تسود أحكام الدستور بالقدر الذي يزيل ذلك التعارض “. إلا أن إصرار المحاكم العادية على تجاهل كل ذلك، بزعم أن المحكمة الدستورية هى وحدها التى تطبق الدستور، يدفعنا لأن نطالب بأن يتضمن الدستور نصاً يمنع المحاكم العادية من تطبيق أى نص قانونى يؤدى تطبيقه لخرق أى من الحقوق والحريات العامة المضمنة فيه.    كيف يتم تفعيل هذا المبدأ؟ إذا ما تبين للقاضي أن الحكم الوارد في  قانون يستند عليه أحد أطراف الخصومة الماثلة أمامه هو  قانون غير دستوري فإنه لا يطبقه على ذلك النزاع ، ولكنه لا يستطيع إلغائه. هذه الرقابة أساسها مبدأ تدرج القواعد القانونية و ضرورة خضوع القواعد الدنيا للقواعد العليا، وفكرة الرقابة على دستورية القوانين ظهرت أول ما ظهرت في الولايات المتحدة الامريكية بصفة تلقائية و تم تكريسها بواسطة المحكمة الامريكية العليا سنة 1803 في  قضية (ماربوري ضد ماديسون) و قد لعب القاضي مارشال دور حاسم في إقرارها و انتهجت دول أخرى هذا المنهج مثل كندا ، أستراليا ، المكسيك ، و عدة دول من أمريكا اللاتينية .

نتجت الدعوى عن عريضة قدمها إلى المحكمة العليا وليام ماربوري، الذي كان قد عين قاضيا في مقاطعة كولومبيا بواسطة الرئيس جون ادامز ولكن تعيينه لم يسلم له بعد ذلك . قدم ماربوري التماسا إلى المحكمة العليا لإجبار وزير الدولة الجديد جيمس ماديسون، أن يسلمه المستندات. قررت المحكمة، والتي كان يرأسها جون مارشال رئيس المحكمة العليا، أنها وجدت أولا رفض ماديسون تسليم القرار كان على حد سواء غير شرعي، وتصحيحه جائز قانونا. ومع ذلك، رفضت المحكمة أن تأمر ماديسون (عن طريق أمر امتثال)  mandamus بتسليم ماربوري قرار التعيين حيث رأت أن حكم قانون السلطة القضائية لعام 1789 الذي مكن ماربوري من تقديم دعواه أمام المحكمة العليا في حد ذاته غير دستوري، لأنه يخالف الولاية الأصلية المحكمة التي أنشأت المادة الثالثة من الدستور. وبالتالي تم رفض الالتماس

براندون مايفيلد

إذا تقاعست  السلطة التشريعية عن إلغاء القوانين المخالفة للدستور، وإستمرت السلطة التنفيذية فى إستخدامها، فإن على السلطة القضائية بشقيها الدستوري والعادي أن تقوم بواجبها فى حماية الدستور، و ذلك بأن تتعامل المحكمة الدستورية مع هذه القوانين كلما أتت إليها في الدعاوي الدستورية بالسرعة والحزم اللازمين، و أن يمتنع القضاء العادي عن تطبيقها وفاءاً لواجبه الدستوري والقانوني، وهو ما قامت به القاضية آن إيكن في عام 2007 فى ولاية أوريجون في أمريكا في دعوى براندون مايفيلد الذي كان قد إتهم دون أي بينة تدعو للإشتباه، بالتورط في تفجيرات مدريد، و أصدر مكتب التحقيقات الفيدرالي خطابات أمن وطني وحصل على معلومات خاصة به، وهى خطابات وفقاً لقانون الشعور الوطنى،  تأمر الجهة الموجهة لها بالإفضاء بالمعلومات المطلوبة عن أى شخص، دون أن تخطر الشخص المعنى بذلك. قام براندون برفع دعاوي على مكتب التحقيقات الفيدرالي مدعياً أنهم قد خرقوا خصوصيته، ومطالباً بإعدام ما تم الحصول عليه من بينات، وقد طالب مكتب التحقيقات برفض دعاويه بإعتبار أن البينات تتعلق بالأمن الوطني، وأن الإجراءات التى إتخذها مكتب التحقيقات كانت صحيحة وفقاً لقانون الشعور الوطني The Patriotic Act وقد دفع براندون بأن القانون الذي يسمح بالتفتيش بدون إشتباه معقول هو قانون غير دستوري.

وقد أصدرت آن  إيكين القاضي الجزئي الفيدرالي قرارها في الدعوى لصالح براندون، وذكرت أن “قانون المراقبة للمخابرات الخارجية وفقاً للتعديل الذي أجراه قانون الشعور الوطني يسمح بأن تقوم جهة حكومية بمراقبة وتفتيش مواطنين أمريكيين، دون أن توفى بمتطلبات الإشتباه المعقول الدستورية،وهذا يفرض إجراءات مخالفة للدستور على الأمة التى عاشت لمائتي عام تحت حكم القانون في نجاح منقطع النظير، هو أمر غير سائغ وغير مرغوب فيه” وجاء في خاتمة حكمها ” إن طلب النائب العام بأن نشطب دعوى مايفيلد هو في أساسه طلب لهذه المحكمة بأن تعدل وثيقة الحقوق بان تضفي عليها تفسيراً يجعلها بدون أي معنى. و هذه المحكمة ترفض أن تفعل ذلك” .وعلى القضاء العربى أيضاً أن يرفض أن يفعل ذلك

عشرة أعوام ثم آن أخرى

وكان علينا أن نننتظر عشرة أعوام لتأتي آن أخرى وهي قاضي المحكمة الجزئية الأمريكية آن دونلي لتصدر أمرا مساء السبت 28 يناير توقف به سريان أمر الرئيس ترامب بمنع مواطني سبع دول الغالبية العظمى من شعوبها تدين بالإسلام من دخول الولايات المتحدة الأمريكية، رغم أنهم يحملون تأشيرات دخول سارية المفعول. بعد دقائق من صدور أمر دونلي، أصدرت قاضية أخرى هي ليوني برينكيما قاضية المحكمة الجزئية الامريكية للمنطقة الشرقية من ولاية فرجينيا، أمر منع مؤقت يمنع إدارة ترمب من منع المقيمين بالولايات المتحدة إقامة قانونية دائمة من العودة عبر مطار دالاس الدولي. تلى ذلك أمر منع آخر لنفس الأمر من قاض اتحادي في سياتل.تمثل القرارات تحديا كبيرا لادارة ترامب، الذي قرر أن يستأنف على الفور. ولكنه لم يكتفي بذلك بل إنتقد الحكم بفظاظة حين ذكر في تغريدة له لا يمكنني أن أصدق أن أحد القضاة من شأنه أن يضع بلدنا في مثل هذا الخطر “واضاف” اذا حدث شيء ما فعليكم أن توجهوا اللوم للقاضي ولنظام المحاكم. الناس يتدفقون إلى الداخل. أمر سيء! “

قبل النائب العام لولاية واشنطن بوب فيرغسون التحدي فذكر في بيان يوم الاثنين الماضي  “سأواصل هذه المعركة – على طول الطريق إلى المحكمة العليا في الولايات المتحدة إذا لزم الأمر – لدعم سيادة القانون.”

محكمة الاستئناف تتصدى لموضوع الطلب

أصدرت الدائرة التاسعة في محكمة الاستئناف الأمريكية في 9 فبراير والمكونة من ثلاث قضاة قراراً برفض طلب إدارة ترمب بإعادة العمل  بقرارها بمنع دخول رعايا سبع دول الى الولايات المتحدة  حتى ولو كانوا من حملة تاشيرات صحيحة سارية المفعول للولايات المتحدة. ورغم أن حكم محكمة الإستئناف لا يعدو أن يكون حلقة من حلقات معركة طويلة المدى، إلا أن ما يهمنا هنا هو أن المعركة بين رئيس جمهورية الولايات المتحدة وبين الذين يرون أنه أصدر أمراً يخالف للدستور يتم خوضها أمام القضاء الأمريكي الذي يثبت مرة أخرى أنه حارس الدستور والضمانة الحقيقية لمنع إنتهاكه بواسطة السلطتين التنفيذية والتشريعية .

قررت محكمة الاستئناف الفدرالية أن تبقى على أمر المنع الصادر من المحاكم الأدنى بوقف تنفيذ أمر رئيس الجمهورية، وهذا لايعني حق  رعايا تلك الدول في الدخول الى الولايات المتحدة كيفما شاؤوا، كما توحي تغريدة ترمب،  بل يعني فقط أنهم لن  يُميّز ضدهم بسبب جنسايتهم. بمعنى أن عليهم أن يتقدموا كغيرهم من الأجانب بطلبات للحصول على تأشيرات لدخول أمريكا، مالم يكونوا بموجب القانون الامريكي معفيين من ذلك، وأن طلباتهم سيتم النظر فيها بشكل منصف يقرر فيه في طلباتهم وفقاً لحالاتهم الفردية.

قررت المحكمة بإجماع الاراء أن يظل أمر المحاكم الدنيا بمنع الإدارة من تنفيذ قرار الرئيس سارياً. ذكرت المحكمة في قرارها أن هذه الدعوى مازالت في بداياتها، وأن المطلوب أن تقرره لايتصل بالفصل في الدعوى نفسها، وإنما هو قرار طبيعته مبدئية، وأن المحكمة  لكي تصل إلى قرار في تلك المسألة المبدئية يتوجب عليها أن تفحص عدد من العوامل على ضوء البينة المحدودة التي قدمت لها في تلك المرحلة، ومن ضمن العوامل التي يتوجب على المحكمة أن تفحصها، هو درجة إحتمال أن تنجح الحكومة في دعواها بالنسبة لموضوع الدعوى. وأيضاً درجة المشقة المتصلة بالقرار سواء أكان  بالغاء أو الإبقاء على أمر المنع.  والمصلحة العامة المتصلة بالإبقاء على الأمر أو الغائه. وقد رأت محكمة الإستئناف أن الحكومة لم تنجح في أن تظهر إحتمال نجاحها في دعواها من حيث الموضوع، ولا أن عدم وقف الأمر سينتج عنه ضرر يستحيل توقيه. ولذلك فإن المحكمة نرفض طلبها العاجل بوقف تنفيذ أمر المنع.  

موقف مخالف للهيكل الأساسي للنظام الدستوري الديمقراطي

يبدو من المهم أن نلاحظ أن الإستئناف الذي قدمته الحكومة كان في مواجهة ولايتين صدر الأمر لصالحهما وهما ولاية واشنطن وولاية منيوسيتا، وهو أمر سنتطرق لأهميته لاحقا. كما ونلاحظ أن محكمة الإستئناف قد إختارت  ليس فقط أن تمتنع عن التدخل بحجة أن مسائل أوامر المنع المؤقتة الصادرة أثناء سير الدعوى لا يجوز إستئنافها، وهو أمر كان سيغنيها عن رفض طلب الحكومة، بل قررت أن الأمر جائز إستئنافه لأنه غير محدد المدة، و إختارت أن تفصل في موضوع الطلب بل وذهبت في فصلها في الطلب أيضاً، للحد الذي يسمح به الموقف في موضوع الدعوى نفسه وفصلت أيضاً في إدعاء الحكومة أن الولايتين لا مصلحة لهما في الإعتراض على الأمر الذي لاصلة له بشكل واضح بسكان الولايتين، فرأت المحكمة أن الأمر من شأنه منع دخول رعايا الدول السبع إلى الولايتين، وأن  ذلك يمنح الولايتين مصلحة في الأمر، وتعرضت المحكمة  بالتفصيل لجامعات  الولايتين حيث ذكرت المحكمة أن مصلحة الجامعات  تتفق مع مصالح طلبتها سواء كانوا من الملتحقين بالفعل يالجامعة والذين  سيمنعون من السفر إلى إلى الخارج لأغراض البحث، أو الإجازة، خوفا من  منعهم من العودة، أو أولئك الذين يرغبون في الإنضمام لتلك الجامعات من رعايا تلك الدول.

 وناقشت المحكمة الموقف الذي أبدته الحكومة حين ذكرت أن رئيس الجمهورية لديه السلطة غير القابلة للمراجعة القضائية، في أن يوقف دخول أي فئة من الأجانب. وقد رأت المحكمة أن موقف الحكومة هنا هو موقف غير مقبول، لأنها لاتدفع فقط بأن المحاكم عليها أن تترك للجهات التنفيذية سلطة تفسير القانون فيما يتعلق بالقرارات المتعلقة بالهجرة. رأت المحكمة أن الحكومة لو أسست طلبها على ذلك لربما كان ذلك سيضعها في موقف أحسن لأن هذا الرأي يتمتع بوزن كبير في  الفقه الأمريكي، وأشارت لعدد من السوابق في هذا الصدد، إلا أن الحكومة لم تدفع بذلك بل دفعت بأن تدخل المحاكم في موضوع القرار هو أمر يخالف مبدأ الفصل بين السلطات. رأت المحكمة أنه لا توجد سابقة تدعم مثل هذا الموقف والذي يبدو مخالفاً للهيكل الأساسي للنظام الدستوري الديمقراطي.

سقوط التذرع بالأمن القومي

رأت المحكمة أن دعوى الحكومة في منع المحاكم من مراجعة قراراتها بدعوى أنها تتعلق بالأمن القومي هي دعوى زائفة، وذكرت أن المحاكم الفدرالية تراجع بشكل روتيني، وتلغي قرارات حكومية إتخذت بغرض حماية الامن القومي متى كانت مخالفة للدستور.

وقد رأت المحكمة أنه  من سلطة المحكمة التدخل في الأوامرالتنفيذية في كل حالة تكون الحقوق الدستورية فيها مهددة. وذكرت المحكمة أن التعديل الخامس للدستور الأمريكي يمنع الحكومة من أن تحرم الأفراد من حياتهم، أو حريتهم، أو ممتلكاتهم، بدون التدابير السليمة للقانون  Due process of the lawوالحكومة لا تستيطع أن تحرم الفرد من التمتع بأي من تلك الحقوق المحمية بدون أن تخطره وتمنحه فرصة للرد. أو بتعبير آخر أن تمنحه فرصة ليبدى الأسباب التي تمنع من السير في حرمانه من أحد تلك الحقوق، وأن يتم فحص تلك الأسباب. الحكومة لم تبدى ما يوضح أن الأمر التنفيذي يوفر ما يتطلبه الدستور، مثل إخطار الشخص، وسماعه قبل تقييد حقه في السفر.

واقع الأمر أن الحكومة تفسر أن بعض أو كل الأفراد المتأثرين بالأمر لا يتمتعون بالحقوق التي يوفرها التعديل الخامس. وعلى عكس ما يعتقد بعض الناس من أن الحماية الدستورية هى حماية للمواطنين فقط وليس للأجانب أن يطالبوا بها، تذهب المحكمة الى القول بأن ” الحماية الإجرائية المتعلقة بالتدابير السليمة للقانون التي يوفرها التعديل الخامس، لا تقتصر على المواطنين بل تمتد إلى كل الأشخاص الموجودون على أرض الولايات المتحدة بما فيهم الأجانب بغض النظر عما إذا كان تواجدهم في الولايات المتحدة هو تواجد مشروع، أو غير مشروع. وسواء أكان تواجد مؤقت أو دائم . وهى تمتد أيضاً لتشمل الأجانب الذين يحاولون العودة الى الولايات المتحدة بعد أن يكونوا قد غادروها. الحكومة لم تبذل أي جهد لتثبت أن إدعاء الولايتين بأن الحماية الإجرائية المتصلة بالتدابير السليمة للقانون لا تتوفر في حق الأجانب. كما وفشلت الحكومة في أن تثبت أن المقيمين إقامة دائمة في الولايات المتحدة بشكل شرعي لا يتمتعون بحماية التدابير السليمة للقانون عند محاولتهم العودة الى البلاد.

من جهة أخرى فقد رأت المحكمة أن تفسير الحكومة للقرار التنفيذي نفسه غير جدير بالثقة. وقد أشارت المحكمة لأن الحكومة تستند في قولها أن القرار لا ينطبق على حملة الكروت الخضراء على تصريح مستشار البيت الأبيض والذي ذكر ذلك. ولكن المحكمة ترى أن الحكومة لم تثبت أن المستشار يملك سلطة تعديل الأمر التنفيذي الصادر من رئيس الجمهورية، ولم تثبت الحكومة أن تفسير المستشار للأمر التنفيذي هو تفسير ملزم لكافة الأجهزة الحكومية المنوط بها تنفيذ الأمر.

وقد قررت المحكمة في جزء هام من حكمها أن الحكومة لم تثبت أن هنالك ضرراً سيتم من عدم إلغاء أمر الوقف، ومجرد الصراخ بجملة الأمن القومي لا يكفى . فرغم أن الحكومة لديها مصلحة واضحة وعاجلة في محاربة الإرهاب إلا أنها لم تفعل شيئاً لتوضح صلة الأمر التنفيذي بذلك. بل ولم تستطع أن ترد على الحجة التي قدمتها الولايتان والتي تذكر أن أمر المنع لم يفعل أكثر من إعادة الأمور إلى ما كانت عليه لزمن طويل. لم تشر الحكومة لأي بنية تثبت أن أحد مواطني الدول السبع قد إرتكب عملية إجرامية داخل الولايات المتحدة.

ورأت المحكمة أخيراً أن الحكومة فشلت في أن توضح أي ضرر سيحيق بالأمن القومي من جراء أمر المنع، في حين أن الولايتين أثبتا أنهما وعدد كبير من المنضمين الى النزاع قد تضرروا من الأمر اثناء سريانه. فقد أضر بالولايتين وبموظفي وطلبة جامعتها، وفرق بين الأسرة الواحدة، وأوقف حركة سكان الولايات الذين تصادف وجودهم بالخارج، وهذا ضرر واضح.

لا أحد فوق القانون

 كعادته قابل ترمب الحكم بتغريدة تقول ” إلى اللقاء في المحكمة إن أمن أمتنا في خطر” وهو ما تعنى بعيداً عن التهريج أنه سيطعن في الحكم. وجاء الرد سريعاً من النائب العام لولاية واشنطن بوب فيرجسون والذي ذكر “لقد راً ينا ترامب في المحكمة مرتين، وإنتصرنا عليه في المرتين . إن الأمر قد منح ولاية وأشنطن كل ما طلبته ولكن هذا يوضح أن أمتنا هي أمة قوانين أنه لا أحد ولا حتى الرئيس فوق القانون”

من الجهة الثانية فإن زعيم الأقلية في الكونجرس تشك شومر صرح بأنه علن الرئيس ترمب أن يقرا ماهو مكتوب على الحائط وهو أن هذا الأمر التنفيذي مخالف للدستور وعليه أن يسحبه

إستقلال النيابة العمومية

والإشارات المتعددة التي أشارت لها الدائرة التاسعة في محكمة الإستئناف حول ضعف موقف الحكومة يؤكد ما قالت به سالي يتس SALLY YATES  النائب العام في إدارة أوباما والتي إستمرت تقوم بدورها في إدارة ترمب لحين موافقة الكونجرس على مرشحه للمنصب. فقد ذكرت أن الأمر غير دستوري، وأن محامي مصلحة (وزارة) العدل لن يدافعوا عن ذلك الأمر في المحاكم. إلا أن ترمب أسرع فعزلها عن منصبها وعين في محلها المدعو Boente  ليصرف أعباء المنصب لحين تأييد ترشحه بواسطة الكونجرس. وقد سارع النائب العام المكلف بإلغاء أمر YATES  ودافع محامو الوزارة عن الأمر، إلا أنهم لم يستطيعو إقناع المحكمة بصحة موقف الرئيس الذي يمثلونه. عموماُ فإن موقف YATES  المناهض لموقف رئيسها رغم غرابته إلا أنه يقول  شيئاً يجدر بنا الإنتباه له ونحن مقدمون على فصل النيابة العمومية عن وزارة العدل بغرص تأكيد إستقلال النيابة عن السلطة التنفيذية. فالنائب العام هو الضابط القانوني الأول للدولة، و لذلك فهو مكلف بإحترام سيادة القانون وليس سياسة الحكومة. وفصل ترامب لسالي يذكرنا بالرئيس نيكسون حين فصل النائب العام ونائبه عام 1973 عندما رفضا تنفيذ رغبته في فصل المدعى العام الخاص في دعوى ووتر جيت. لم يطل الأمر بنيكسون بعد ذلك إذ اضطر للإستقالة من منصبه استباقا لعزله بواسطة الكونجرس. أما ترامب فلا نعرف بعد أين ستقوده غطرسته في مواجهة مؤسسات دولة القانون.

بالعودة لأطراف الدعوى نجد انهم يوفرون درسا آخر في الضمانة التي توفرها إستقلال النيابة العمومية عن السلطة التنفيذية . الدعوى أقامها النائب العام لولاية واشنطن، والنائب العام لولاية مينوستا وقد فعلا ذلك بقرار منهما وأداء لواجبهما. قدم النائب العام لولاية واشنطن بوب فيرغسون الدعوى يوم الاثنين قائلا انه قد إتخذ  القرار بعد تفكير عميق لأنه يحمل حقوق سكان الولاية على محمل الجد.
وقال “اعتقد جازما أن لا أحد فوق القانون، ومع ذلك، فإنه لدي واجب حماية جميع سكان واشنطن من الإجراءات غير القانونية التي تنتهك الدستور”،.

 

المسألة هنا تدعو للتفحص لأن النائب العام للولاية في أمريكا يأتي عن طريق الإنتخاب وهو بالتالي مستقل تماماً في قرارته. وهذه مسألة عبرت عنها في شهادتي أمام لجنة التعديلات الدستورية حيث رأيت أن تعيين النائب العام يجب أن يكون بقرار من رئيس الجمهورية بناء على ترشيح من مفوضية القضاء، على يتم تأييد التعيين بواسطة الهيئة التشريعية لتشارك السلطات الثلاث في التعيين. وأن يتم العزل بواسطة إجراءات العزل أمام الهيئة التشريعية لإرتكابه فعلاً لا يتناسب مع المنصب ولكن لم اللجنة تأخذ بهذا الرأي.

عموماً إن النيابة العامة المستقلة عن السلطة التنفيذية والتي تمثل المجتمع عموماً وليس الحكومة هى أيضاً من الضمانات الهامة لإعمال سيادة حكم القانون والتي من شأنها أن ترسخ الحريات الدستورية.