لؤي قور

أمسية مع الكائن الخلوي:

ضمن فعالياته الثقافية الرمضانية هذا العام، إستضاف الإتحاد العام للكتاب والأدباء السودانيين، الشاعر “عثمان البشرى” في أمسية أعلن لها كـ”أمسية مع الكائن الخلوي”، تحدث فيها الشاعر عن شعره، وقرأ ما شاءت له الأمسية من قصائد. كما قرأ له بعض من مجايليه، قصائد كان لها من الصيت وافر حظ ونصيب. في أواخر الثمانينيات، وأوائل التسعينات، من القرن المنصرم. من قبيل قصيدته “تومة”، والتي تغنت بها فرقة “ساورا” الغنائية، في النصف الأول من التسعينات. ومن قبيل إخواتها من قصائد، كانت بشارة لميلاد “الكائن الخلوي” أول دواوين الشاعر بالقاهرة والذي أصدره في العام “1994”.

شعر مغاير:

وعن مشروعه الشعري، الذي ظهرت أولى ملامح تخلقه في نهاية الثمانينيات، وبداية التسعينات، يقول البشرى لـ “التغيير الإلكترونية”، إن مطلع التسعينات في السودان شهد تعتيماً وتعمية، وعداءً سافراً للشعر والشعراء من قبل السلطة لحساب مشروعها الحضاري الظلامي المرتاب بطبعه من الشعر، باعتباره مهدداً لهذا المشروع. وعلى الرغم من هذا العداء السافر، وشح المنابر، وصعوبة التوثيق وقتها، فقد برز عدة شعراء أمثال (الصادق الرضي، عبدالله الزين، خالد عبدالله، خالد عمر، خالد مونيكا، عاطف خيري، فايز قاسم، مصطفى شيخ ادريس، محمد الجزولي سنهوري، مصطفى عجب)، وغيرهم. وحاولت السلطة في ذلك الحين – والحديث لا يزال للبشرى – وأد و تقليم أظافر هذا المشروع الشعري الناهض، والذي فضح زيف المشروع الحضاري الإسلاموي إلى حد بعيد، وبآليات بسيطة جداً، لكنها استطاعت – مع ذلك – أن تكسر حاجز الخوف والرتابة، والكآبة، بروح وثابة، في محاولة لتوطين الكلمة. فكانت هناك إشراقات أضاءت المشهد الثقافي السوداني، وكانت نصوص متفردة، أنتجها هؤلاء الشعراء. ولعله من نافلة القول أن لكل شاعر طابعه و”لقيته” الخاصة، كما يقول الأستاذ بشرى الفاضل، لكن ما يربط كل تلك النصوص، كان التمرد على كل ما هو سائد، فوصفونا بـ(الصعاليك)، وحاولوا وصمنا بعدة نعوت، في محاولة لمحاربة هذا النوع من الكتابة، بلا طائل. 

إنتشار “الجسارة”:

في نهاية “1987” – يقول البشرى – نشأت بداخلي ملامح لتحدي آخر، هو مشروع إقحام المفردة العامية مع الفصحى لانتاج نص مغاير، فكتبت قصيدة “السقوط”  في العام  “1988”. لكن يمكنك اعتبار أن العام “1989” هو العام الذي شهد بروز البشرى كشاعر، ويمكنك القول أيضاً أنه امتداد لجيل يحي فضل الله، وقاسم ابوزيد. الذين كتبوا النص الغنائي المغاير بالإضافة لسعد الدين ابراهيم، وعبد الوهاب هلاوي، وعادل ابراهيم محمد خير، وغيرهم. فانتقلت روح التمرد من القصيد وهو شعر الأغنية، للشعر. باعتبار أن الشعر سؤال كبير، وانفجار كوني عظيم. وأصبح النص الشعري “غير تقليدي”، فكان هناك صلاح حاج سعيد، وعمر الطيب الدوش، الذي كان نسيج وحده. وكان يسأل أسئلة فوق العادة. ويمكنك القول أن الدوش كان وجودياً بامتياز، واختلف النقاد وقتها حول سؤال هل هو شعر؟ أم منشور سياسي؟ وكتب حينها باللغة الدارجة والفصيحة والمزاوجة بينهما وأعتبره البعض إنقلاب شعري وأحب البعض هذه التسمية، لكنني رأيت أن لا بد من التوثيق لهذه المرحلة بكامل غرائبيتها، والشاعر لا ينفصل من إنسانيته، كما إن “الشعر جرثومة بلا شك، لكنها جرثومة حميدة على كل حال”.

ويمضي البشرى للقول أن تلك النصوص الشعرية، انتشرت عبر تسجيلات الكاسيت من المنتديات، ووصلت إلى أصقاع الأقاليم النائية، في ظل غياب تام للنقد الذي كان يمكن أن يضئ هذه التجارب بما يعين على تشريحها وفهمها بصورة أعمق. ما عدا محاولات فردية متناثرة هنا وهناك لبعض النقاد أمثال سامي سالم، وأمبريب وغيرهم. لكن كانت المنابر الثقافية قليلة العدد وحتى تلك التي كانت موجودة تم تجفيفها ما عدا منبر جامعة القاهرة “فرع الخرطوم” والذي حاولت السلطة  أن تنشئ فيه جسما مناوئًا لهذا الاتجاه الشعري، وكان لهم عداء مع كل ما ينتجه اليسار من إبداع، على الرغم من أن أغلب المبدعين كانوا من اليساريين. وبالنسبة لي فقد كانت هناك كتابات في ذلك الحين، وكنت حينها موزعاً ما بين الحرف واللون، قبل أن يأخذني الحرف بعيداً عن اللون. فاستمرأت الشعر، وكان لا بد أن أكتب شيئاً مغايراً، فكتبت قصيدة “تومة .. إمرأة الغيم” في العام (1989) كما كتبت مجموعة و”هنالك شجراً يرى” وقدمت هذه المجموعات في منتديات منبر جامعة الخرطوم، ومنبر أبناء شمبات، ومنبر أبناء كوستي، ومنبر أبناء الحصاحيصا، والمسرح القومي. ونشأت علاقة حميمة ما بين المتلقي و”كل هذه الجسارة” المتحدية للقمع.

منتدى جامعة القاهرة “فرع الخرطوم” الثقافي:

ويرجع البشرى الفضل في انتشار هذه الرؤى المغايرة في الشعر للعام (1991)، حيث كان منتدى جامعة القاهرة “فرع الخرطوم” الثقافي أقوى من أقوى التنظيمات السياسية، وما حدث أنه كان هناك شعراء يحيون النشاط الثقافي الأسبوعي للجامعة، فيستمع إليهم الآلاف من الحضور في هذه المنابر، وكانت هناك تسجيلات لهذه القراءات الشعرية، لينتشر هذا الصوت، ويجد القبول من كل أبناء جلدة الثقافة، كما كانت تقام ندوات في الأقاليم، تتكفل فيها الروابط الإقليمية بتأمين وإقامة الشاعر بالإقليم المعين، ويقرأ ما شاء له في الأمسيات، ثم يعود.

يقول البشرى:(نتيجة لكل ذلك،انتشر هذا الشعر انتشاراً كبيراً، فاق كل التصورات، على الرغم من الحرب التي كنا نواجهها، ووسط تجاهل تام من وسائل الإعلام. وبرزت أسماء عدة في ذلك الحين. وكانوا يتساءلون عن اتجاهاتنا السياسية، ووسائل كسب عيشنا، وعناوين سكننا إلى أن تم إقصائي من كافة المنابر الثقافية بعد كتابتي لمجموعة الحوارات الثلاث (حوار الله – حوار التيه – حوار الطين)، ومنها حوار الله، فتعرضت للمضايقة، والملاحقة، والتكفير. وحوار الله ضرب من ضروب التوحيد بطريقة ما لم تنفذ إليه القراءة المتعجلة للنص، فهو حوار عرفاني الطابع، يتعامل بشفافية مع الذات الإلهية، وبجرأة تتناول العلاقة بين خليفة الله على الأرض، وبين خالقه. ومن ثم كتبت “حوار التيه” والتيه هو وصف للعهد الغيهب في السودان، وتعامل المبدع مع ما تسومه السلطة له من خسف، كحوار بين المثقف السوداني، وسلطة القمع القائمة. وكانت المزاوجة ما بين الفصحى والعامية هي السمة المميزة لهذه الحوارات، ومن ثم جاء حوار الطين ويتحدث عن الإنسان السوداني ما قبل الإنقاذ. وكنت في ذلك الوقت أكتب نصين في الزمن الواحد، وربما كنت أكتب الدارجي في نفس الوقت الذي كنت أكتب فيه الفصيح.