التغيير: كسلا – معسكرات اللجوء (من سلسلة حصاد التغيير فى ذكري ميلادها الخامس)  

ما ان توقفت الشاحنة الضخمة التابعة لمفوضية الامم المتحدة لشئون اللاجئين داخل معسكر الشجراب للاجئين الواقع  بالقرب من الحدود السودانية الإريترية  والتي يحرسها افراد من الامن والشرطة السودانية حتى هبط منها العشرات من اللاجئين وغالبيتهم من فئة الشباب وبدت علامات فرح طاغية على ملامحهم وكأنهم يهبطون في الجنة بالرغم من ان المعسكر يفتقر لابسط مقومات الحياة.   

سار الواصلون الجدد في صف واحد ، ووصلوا الى احدى الجملونات الضخمة تمهيدا لبدء اجراءات تسجيلهم ومنحهم بطاقة اللجوء من المنظمة الدولية. وقال ابراهام وهو لاجي ارتيري ” للتغيير الالكترونية ” انه سعيد جدا بوصوله سالما  الى معسكر الشجراب بعد رحلة طويلة استمرت لأسبوعين ” حتى الان أنا غير مصدق إننا وصلنا سالمين بعد المعاناة الكبيرة التي عانيناها في الطريق الى هنا “.  

ويسرد اللاجئ الارتيري والبالغ من العمر 25 عاما قصته بالقول ” هربت  ومعي اخرون من احدى معسكرات الخدمة العسكرية بالقرب من الحدود السودانية بعد ان تم إلقاء القبض علينا في احد شوارع اسمرا والدفع بِنَا في هذا المعسكر .. تخرجت من الجامعة وكنت أنوي السفر الى خارج البلاد للعمل ولكن دخولي معسكر الجيش والذي سأعمل به طوال حياتي طبقا لقوانيننا حطم كل أحلامي”. وتابع يقول ” بات كل همي هو كيفية الخروج من معسكر التدريب واستطعت ان اجد طريقة للهرب بعد دفع أموال لبعض قادة المعسكر والجنود علي حد سواء .. بعد خروجي من المعسكر عرفت ان هنالك عصابات متخصصة تعمل على نقل الفارين الى داخل الحدود السودانية .. وبعد اتصالات مع اشخاص في اسمرا والاتفاق على دفع نحو 5 الف دولار لأحد الاشخاص في إيطاليا”.  

ويواصل ابراهام سرد حكايته قائلا ” بعد ان ضمن الاشخاص ان المبلغ المتفق عليه في حوزتهم طلبوا مني التواجد في احدى الإماكن المعروفة بالقرب من المعسكر وجاءت شاحنة من طراز قديم ووجدت نفسي مع عشرات الاشخاص محشورين فيها ويحرسنا اشخاص مدججون بالسلاح قاموا بنهب ما نملك من نقود او طعام وقام بعضهم باغتصاب بعض السيدات خلال فترة التوقف ..

استمرت الرحلة اياما حتي طلب منا النزول في منطقة جبلية نائية قيل لنا انها الحدود المشتركة وان معسكر الشجراب يقع في الجانب الاخر”. وتابع ” طبعا كان كل شي غير حقيقي واكتشفنا اننا مازلنا داخل الاراضي الاثيوبية وتمت مطاردتنا من قبل القوات التي القت القبض علي البعض لكنني نجوت بان دفعت جزءا من مال كنت أدخره لاحد الجنود الذي غض الطرف عني.. واصلت سيري لايام حتي وصلت الحدود والقت السلطات السودانية القبض علي ، وقبل ان يتم ايصالنا الي المعسكر قام الجنود بنهب ما تبقي لدي أموال”.  

وقصة ابراهام التي سردها ، تتكرر وبشكل يومي لعشرات من اللاجئين الذين يفرون من بلادهم ويحاولون الوصول الى معسكرات اللجوء المنتشرة في شرق السودان كما يؤكد احد الموظفين العاملين في مفوضية  الامم المتحدة التابعة لشئون اللاجئين في كسلا. وأضاف المصدر خلال حديثه ” للتغيير الالكترونية ” ان عصابات تهريب البشر تنشط بشكل كبير خارج معسكرات النزوح وداخلها وان الظاهرة اخذه في الازدياد خلال الآونة الاخيرة ” المشكلة الكبري التي تواجهنا في مكافحة اتجار البشر ان وسائل العصابات وطرقها في التجار اكبر من إمكانيات السلطات بالاضافة الى تورط نافذين ورجالات أمن وشرطة وقادة قبليون في التجارة التي أصبحت رابحة جدا ومخاطرها قليلة”.  

وكشف  الموظف الاممي عن تعقيدات تواجههم في تحجيم هذه التجارة المميتة ” لم تعد العمليات تتم بالقرب او بداخل معسكرات النزوح وانما تحولت لداخل مدينة كسلا .. ومن الصعب تعقب عمليات التجارة والخطف داخل المدينة والتي تشارك فيها جهات اخرى بالاضافة الي سائقي  سيارات الأجرة”. واضاف ان بعض القبائل في المنطقة  تركت مجالات عملها وأصبحت متخصصة في عمليات تهريب والاتجار بالبشر ” بعض قادة وأفراد القبائل والذين لديهم نفوذ واسع في المنطقة والإقليم أصبحوا يتحكمون في هذه التجارة ويقومون بابتزاز اللاجئين الذين يحاولون بكل الطرق الممكنة الوصول الى الخرطوم او سيناء المصرية عن طريق استخدام سياراتهم ودفع رشي وعمولات لرجال مكافحة التهريب”.  

وعمدت السلطات السودانية مؤخرا الي اجازة تعديلات وتشريعات قانونية تم بموجبها تشديد العقوبات والتي تصل الى الاعدام  على من يمارسون تجارة البشر ، وقامت بإنشاء نقاط حماية داخل معسكرات اللجوء وعلى الحدود المشتركة. لكن الموظف الاممي يقول ان الاجراءات الحكومية غير كافية وبها كثير من الثغرات والاهم من ذلك ان رجال الشرطة والأمن يعملون في ظروف قاسية نظير مبالغ مالية زهيدة ” بحسب خبرتنا في هذا العمل فان رجال الشرطة والأمن المكلفون بالحماية عرضة لتلقي الرشاوي خاصة وأنهم يتلقون مرتبات ضئيلة فيما تصل قيمة الرشاوي للالاف وبالتالي فان اغلبهم يقومون بالمشاركة في هذه التجارة بدلا من منعها”.

ويلفت النظر الى قضية اخري متعلقة بطول الفترة التي يقضيها اللاجئ في معسكرات اللجوء حتى يتم نقله الي دولة اخرى ” معظم اللاجئين يتخذون معسكرات اللجوء كنقاط عبور الى أوربا وأمريكا  وليس  الإقامة فيها ولكن الاجراءات تأخذ أوقات طويلة تستمر احيانا لعدة شهور وبالتالي يصاب اللاجئ بالاحباط ويفكر باي وسيلة للهرب او الخروج من المعسكر حتى لو اضطر للتعامل مع عصابات التهريب التي لديها مناديب داخل المعسكرات “. 

وتشير إحصاءات الامم المتحدة الي ان عدد اللاجئين الذين يعيشون في المعسكرات المنتشرة في شرق السودان  اكثر من مائة الف شخص معظهم من دولة ارتيريا وإثيوبيا وإعداد اخرى قليلة من الصومال والكونغو وبورندي.      

واكبر معسكرين هما معسكر الشجراب الذي يقع بالقرب من الحدود السودانية الإريترية ويضم بداخله اكثر من 30 الف لاجي ، ومعسكر ود شريفي الذي يقع بالقرب من مدينة كسلا ويعيش فيه حوالي  19 ألف شخص في الوقت الحالي.