نبيل أديب عبدالله

 

“ما أقوله هو أن السلطة لايجب أبداً أن تكون موضع ثقة مالم تكن خاضعة للمراجعة “

جون آدامز في خطابه لجفرسون

حمل الاسبوع الثالث من مارس الماضي عدد أربع مراسيم مؤقتة تم بموجبها إصدار أربع قوانين  بالغة الخطورة، وهي قانون النيابة العامة، وقانون تنظيم وزارة العدل، وقانون مجلس العدل، وقانون معهد العلوم القضائية. وهذه القوانين هي قوانين تتميز بالأهمية البالغة، وبدرجة عالية من التخصص، مما يجعل إصدارها عن طريق مراسيم مؤقتة أمر مثير للدهشة المشوبة بالإستنكار، وذلك لأن القوانين الأربعة تتعلق بإجهزة عدلية، وتدخل التشريع في خلق وتنظيم عمل الأجهزة العدلية، هي مسألة يجب أن تخضع لنقاش مستفيض لأنها في جوهرها هي تنظيم لسلطة بواسطة سلطة أخرى، وهو الأمر الذي يحتم بقاء التشريع  الخاص بها في يد السلطة المناط بها التشريع .

مبدأ الفصل بين السلطات

“يقوم الدستور على مبدأ الفصل بين وظائف الدولة التشريعية والتنفيذية والقضائية فيما عدا الحالات التي يقضي الدستور فيها بغير ذلك .ورغم أن هذا المبدأ لم تعبر عنه نصوص الدستور إلا أنه يبدو واضحاً في روحه والأمر الذي يجب التمسك به بواسطة كل من يرغب في إقامة حكومة حرة” ماديسون

أن ماعبر عنه ماديسون بالنسبة للدستور الأمريكي  يصدق تماماً بالنسبة لدستورنا الإنتقالي وهو أنه دستور في اساسه وروحه يقوم على مبدأ الفصل بين السلطات، وإن كانت نصوصه قد أغفلت ذكر ذلك صراحة. ولكنه من جهة أخرى نص في المادة الرابعة منه على أن تؤسس وحدة السودان على الإرادة الحرة  لشعبه، وسيادة حكم القانون، والحكم الديمقراطي اللامركزي، والمساءلة  والمساواة والإحترام والعدالة وهذه المبادئ لايمكن تحقيقها مالم يتم الإلتزام بمبدأ الفصل بين السلطات .

أضف لذلك أن الدستور فصل في أبوابه ماتقوم به كل سلطة من السلطات الثلاث، كما وحدد المدى التي تتم فيه المراقبة المتبادلة بين تلك السلطات. ولكنه سمح بقيام سلطة بشكل محدود بأحد مهام سلطة أخرى، في نطاق نظرية الضرورة وما يتطلبه الحكم الراشد. وفقاً لذلك فقد منح الإدارة سلطة توقيع الجزاء في حالات محددة، وبشكل محدود، دون الإخلال بحق اللجوء للقضاء. وكذلك منح الرئيس سلطة الإعتراض على التشريع مع منح السلطة التشريعية سلطة تجاوز ذلك الإعتراض.ومن الجهة الأخرى فقد منح المجلس التشريعي سلطة توجيه الإتهام لرئيس الجمهورية لتتم محاكمته أمام المحكمة الدستورية، ومنح القضاء سلطة مراجعة السلطات التنفيذية فيما تقوم به.

 رغم ذلك التدخل الذي تطلبه الرقابة والموازنة Checks and Balances  بين السلطات الثلاث فإن الأساس في ممارسة السلطات وفقاً للدستور يظل قائماً على مبدأ الفصل بين السلطات منعاً للإستبداد، ووقوع الدولة في براثن الطغيان الإنتخابي.

حدود سلطة إصدار مراسيم مؤقتة

معلوم أن الهيئة التشريعية القومية هي السلطة المختصة بالتشريع على المستوى القومي وفقاً للمادة (91) من الدستور ولكن المادة (109) من الدستور وبشكل إستثنائي منحت رئيس الجمهورية سلطة التشريع لمعالجة ظروف إستثنائية عن طريق إصدار مراسيم مؤقتة، وهي سلطة أحاطها الدستور بقيود لا يجوز تخطيها أولها من حيث الموضوع فحظر عليه أن يُصدر مراسيم مؤقتة في المسائل التي تمس مسائل معينة اولها وثيقة الحقوق وفقاً لنص الفقرة الثانية من المادة 109 والمراسيم المؤقتة الأربعة تتصل بتصريف العدالة بالعدالة، والأجهزة التي تنظمها هذه المراسيم المؤقتة تتصل بأجهزة تلعب دوراً هاما في تصريف العدالة الجنائية ، وبالتالي فإن إنشاءها وتنظيمها  يمس الحق في المحاكمة العادلة، وهو  أحد الحقوق الهامة في الوثيقة للدرجة التي منع الدستور المساس بها حتى في حالة الطوارئ مما يجعل جميع المراسيم التي صدرت هي  في واقع الأمر غير دستورية. وسنرى فيما بعد أن إجازتها بواسطة الهئية التشريعية لا تزيل ما لحق بها من عوار.

ضرورة وجود ظروف ذات طبيعة مستعجلة

تنص الفقرة الأولى من المادة 109 من الدستور على أنه “يجوز لرئيس الجمهورية، إن لم تكن الهيئة التشـريعية القومية في حالة انعقاد، ولأمر عاجل، أن يْصِدر مرسوماً مؤقتاً تكون له قوة القانون النافذ، ومع ذلك يجب عرض المرسوم المؤقت على المجلس المعني في الهيئة التشريعية القومية حال انعقاده، فإذا أجازت الهيئة التشريعية القومية المرسوم المؤقت بذات أحكامه، فيجب سنَّه كقانون أما إذا رفضه أي من المجلسين أو انقضت الدورة البرلمانية دون إجازته يزول مفعوله دون أثر رجعي.”

فهل كان هنالك ما يدعو السيد رئيس الجمهورية لأن يستخدم هذه السلطة الدستورية الإستثنائية لبصدر تلك المراسيم؟ الثابت هو أن الهيئة التشريعية لم تكن في حالة إنعقاد عند صدور المراسيم الأربعة، ولكن الثابت أيضا هو أنه  لم يكن قد بقي على موعد إنعقادها سوى أسبوع  واحد. وهذا لا يمنع من إصدار المراسيم، ولكنه يشدد من معيار العجلة الذي يتطلب إصدارها، فما هو الأمر العاجل التي صدرت المراسيم لمقابلته. المراسيم الثلاثة الأوائل تنظم مسألة ظلت محل نقاش لمدة عامين. والمراسيم الأربعة جميعاً تنظم أمراً هنالك بالفعل قوانين تنظمه، ورغم أن بعضها مستوجبة التعديل لتتوافق مع التعديل الدستوري الذي فصل النائب العام عن وزارة العدل، إلا أن المادة 226  (5) من الدستور عالجت ذلك حين نصت على أن تظل القوانين سائدة حتى يتم تعديلها بما يتوافق مع الدستور. اي أنه ليس هنالك فراغاً قانونياً بسبب التعديل الدستوري يستدعي إصدار المراسيم. كما و أن بقاء المسألة محل نقاش كل هذه المدة تسبب فيه أنها تتعلق بمبادئ فنية تحتاج لمعرفة أهل الخبرة. ومثل هذه القوانين يكون التريث في إصدارها هو الأدعى وهو الذي تتحقق منه المصلحة المرجوة.

 شرط وجود ظروف ذات طبيعة مستعجلة هو شرط أساسي بدونه ما كان الدستور ليمنح سلطة التشريع للسلطة التنفيذية لما في ذلك من مخالفة للمنهج الذي إختطه في الفصل بين السلطات، مع المراقبة المتبادلة، والموازنة بينهم. وقد قصد الدستور بهذا الشرط أن لا تتحول سلطة التشريع للسيد رئيس الجمهورية تلقائياً لمجرد غياب المجلس التشريعي في فترة بين الدورتين، بل تطلب عنصر قيام أمر عاجل يستدعي ذلك. وإلا فما الذي يمنع من أن يترك التشريع المراد إصداره لحين عودة المجلس التشريعي، حتي يتم إصداره بالطريق المعروف الذي يوفر النقاش المطلوب في عملية إصدار القوانين.

بالعودة للتاريخ الدستوري السوداني، يرى الأستاذ محمد احمد سالم أن إلتزام السلطة التنفيذية بعنصر الإستعجال لإصدار الأوامر كان ثابتاً في جميع العهود الدستورية التي تبنت هذا الحكم، فيما عدا الفترة المايوية سيئة الذكر والتي تحللت السلطة فيها من شرط الإستعجال بصورة شبة كاملة. ولكن كل المسائل التي نظمت بأوامر مؤقتة طيلة فترة الحكم الذاتي وفترة ما بعد الاستقلال قبل نظام مايو، كانت تتناول مسائل مالية. ومن الأمثلة أيضا قانون إنتخابات الجمعية التأسيسية لسنة 1968م الذى أصدره مجلس الوزراء بعد حل  الجمعية التأسيسية الأولي ، إذ لم تكن هناك هيئة تشريعية وكان لا بد من إجراء الإنتخابات العامة باسرع وقت ممكن.

أنظر الأستاذ محمد احمد سالم في رسالته المعنونة “الأوامر المؤقتة كأداة تشريعية في السودان والرقابة البرلمانية عليها” ص 73 و 74

الظروف المستعجلة في  القانون الدستوري المقارن

الملاحظ هو أن  دول العالم الثالث وحدها هي التي أخذت بسلطة إصدار المراسيم المؤقتة، و أهمها الهند ومصر.

في الهند تضمن الدستور هذه السلطة في المادة 123 ونصها “إذا اقتنع الرئيس، في أي وقت لايكون فيه مجلسا البرلمان في حالة انعقاد، بأن الظروف تتطلب منه ضرورة إتخاذ إجراءات فورية، يجوز له أن يصدر المرسوم الذي يبدو له أن الظروف تتطلب إصداره”

وقد تم تبرير هذه السلطة عند مناقشة المادة (123) من الدستور الهندي في مواجهة المعارضين لها، بأنها مسألة تفرضها حالة الضرورة حتي لا تتعطل مصالح الدولة. وقد ضرب البعض مثالاً لذلك عندما أبطلت محكمة الإستئناف قانون ضريبة بومباي، لأن تعريف كلمة بيع في ذلك القانون كان يتعدى السلطات التشريعية للولاية. ولم تجد المحكمة مجالاً لفصل المادة المعيبة في القانون لإبقاء أحكام القانون الأخرى، مما أدى لإلغاء القانون بأكمله، كان من الضروري مواجهة ذلك بسلطة المراسيم الدستورية في غيبة المجلس وإلا لخلق ذلك فراغاً قانونياً فيما ينظمه القانون الذي تم إلغائه.

و قد أدلت المحكمة القومية العليا بدلوها في هذا الخصوص، فذكرت “قد يبدو للوهلة الأولى من الغريب ما قام به الآباء المؤسسون للدستور، حين عهدوا للسلطة التنفيذية بسلطة سن القوانين، لأنه وفقا للهيكل السياسي الديمقراطي التقليدي للسلطة التشريعية، يجب أن يتولى سلطة التشريع حصريا الممثلون المنتخبون للشعب، مما جعل وضعها في يد السلطة التنفيذية يبدو كمظهرغير ديمقراطي، على الرغم من كونها مسؤولة أمام السلطة التشريعية، لأنه قد يمكن الجهاز التنفيذي من إساءة إستعمال هذه السلطة من خلال تمرير مشروع قانون عادي من دون أن يعرضه للنقاش في المجلس التشريعي ……… إن السلطة التشريعية الممنوحة للرئيس بموجب هذه المادة ليست سلطة موازية للتشريع، وهذا ما أوضحه بشدة الدكتور أمبيدكار في رده على الانتقادات التي أثيرت في الجمعية التأسيسية ضد إدخال المادة 123. فهي سلطة تمارس فقط عند عدم إنعقاد مجلسي البرلمان وذلك لتمكين السلطة التنفيذية من تلبية حالة طارئة. وعلاوة على ذلك، فإن القانون الذي يصدره الرئيس بمرسوم هو لمدة محدودة للغاية

 R.K. Garg etc. etc. V. Union of India & Ors. etc. (1982 (1) SCR 947 at page 964)

الوضع في مصر

كانت المادة 147 من الدستور المصري عام 1971 تنص على أنه إذا حدث في غيبة مجلس الشعب ما يوجب الإسراع في اتخاذ تدابير لا تحتمل التأخير، جاز لرئيس الجمهورية أن يصدر في شأنها قرارات تكون لها قوة القانون. ويجب عرض هذه القرارات على مجلس الشعب خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ صدورها إذا كان المجلس قائماً، وتعرض في أول اجتماع له في حالة الحل أو وقف جلساته، فإذا لم تعرض زال بأثر رجعي ما كان لها من قوة القانون دون حاجة إلى إصدار قرار بذلك، وإذا عرضت ولم يقرها المجلس زال بأثر رجعي ما كان لها من قوة القانون، إلا إذا رأى المجلس اعتماد نفاذها في الفترة السابقة أو تسوية ما ترتب على آثارها بوجه آخر. وهو نفسه حكم المادة 156 من دستور 2014 

وقد إستقر الفقه والقضاء في مصر على أنه يترتب على عدم استيفاء الشروط اللازمة لإصدار التشريعات التي يصدرها رئيس الجمهورية بقرارات بقوانين، عدم دستورية تلك القرارات. ولقد أصدرت المحكمة الدستورية العليا عدة أحكام بعدم دستورية عديداً من القرارات التي صدرت استناداً لهذه المادة دون أن تستوفي الشروط اللازمة لإصدارها. فقررت  أن مجرد الرغبة فى تعديل قوانين الأحوال الشخصية بعد أن طال الأمد على العمل بها لا تتحقق بها الضوابط المقررة في المادة 147، لذا قضت المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية القرار الجمهوري رقم 44 لسنة 1979. أنظر الحكم رقم 28 لسنة 2 ق

 وقد قضت أن ” السبب الذي حدا برئيس الجمهورية لإصدار القرار بقانون رقم 154 لسنة 1981 بإضافة بند جديد إلى المادة 34 من قانون حماية القيم من العيب الصادر بالقانون رقم 95 لسنة 1980 لا يشكل بذاته حالة ضرورة تدعو رئيس الجمهورية إلى مباشرة سلطته التشريعية الاستثنائية المقررة بالمادة 147 من الدستور، فإن هذا القرار وقد صدر استناداً إلى هذه المادة وعلى خلاف الأوضاع المقررة فيها، يكون مشوباً بمخالفة الدستور” أنظر الحكم رقم 15 لسنة 18 ق

هل إجازة المجلس الوطني للمراسيم يصححها؟

أعتقد أن المرسوم المؤقت نفسه يجب أن يصدر سليماً، وإلا فإنه يكون باطلاً، ولا تصححه إجازة المجلس التشريعي له. لأن إجازة المجلس التشريعي للمرسوم لا تمر عبر قناة إصدار القوانين فالقوانين قبل إصدارها يتم عرضها على مجلس الوزراء، ثم وضعها علي منضدة المجلس التشريعي، ليتم عرضها على اللجنة المختصة، و ما يلي ذلك من نقاش في القراءات المتعددة. وهذه القناة تمنح المجلس عمقا معرفياً بالنسبة لدقائقها، يوفرها له المختصون الذين يقدمون شهادات شفوية للجان المجلس المختصة بتلك القوانين. كذلك فإن وضع مشاريع القوانين على منضدة المجلس ثم القراءات المتعددة لها تمنح المجلس فرصة لنقاشها بشكل تفصيلي متعدد المراحل، مما يجعل قراره حولها قراراً مستنيراً، كما وتعرض المشروع برمته على الرأي العام للنقاش حوله، مما يطلع المجلس على موقف الرأي العام منها. لذلك فإن مخالفة هذا السبيل و إصدار القانون عن طريق مرسوم مؤقت، دون أن يكون هنالك أمراً عاجلاً يستدعي ذلك يلحق بالقانون عيباً، أو عواراً بلغة المحكمة الدستورية المصرية، لا تصححه إجازته بعد ذلك من المجلس التشريعي، خاصة و أن الإجازة لا تمر بمراحل التشريع المختلفة بحيث يمكن أن يجاز دون نقاش كاف لبعض مواده. أضف لذلك أن المجلس التشريعي يكون مقيداً بقبول أو رفض المرسوم بكامله، مما يقيد إرادته بحيث يمكن أن يجاز لمجرد أن المجلس يجد فيه بعض ما يستدعي عدم إسقاطه. وتقول في ذلك المحكمة الدستورية المصرية “ لما كان السبب الذي حدا برئيس الجمهورية لإصدار القرار بقانون المطعون فيه، لا يشكل بذاته حالة ضرورة تدعو رئيس الجمهورية إلى مباشرة سلطته التشريعية الاستثنائية المقررة بالمادة 147 من الدستور، فإن هذا القرار وقد صدر استنادا إلى هذه المادة وعلى خلاف الأوضاع المقررة فيها، يكون مشوبا بمخالفة الدستور.

وحيث إنه لا ينال مما تقدم مقالة إن مجلس الشعب وقد أقر القرار بقانون المطعون فيه، فإنه بذلك يكون قد طهره مما شابه من عيوب دستورية، ذلك أن إقرار مجلس الشعب له لا يترتب عليه سوى مجرد استمرار نفاذه بوصفه الذي نشأ عليه كقرار بقانون دون تطهيره من العوار الدستوري الذي لازم صدوره. كما أنه ليس من شأن هذا الإقرار في ذاته أن ينقلب به القرار بقانون المذكور إلي عمل تشريعي جديد يدخل في زمرة القوانين التي يتعين أن يُتبّع في كيفية اقتراحها، والموافقة عليها، وإصدارها القواعد والإجراءات التي حددها الدستور في هذا الصدد، وإلا ترتب على مخالفتها عدم دستورية القانون.”

 قضية رقم 15 لسنة 18 قضائية دستورية المحكمة الدستورية العليا “

وختاما إذا كان تجاوز النصوص الدستورية يتم بهذه السهولة، فالسؤال هو علام الإنشغال بكل هذه التعديلات الدستورية، ألم يكن يكفي تجاوزالنصوص المراد تعديلها كما تم تجاوز غيرها؟!!