خالد فضل

تلاحقت الأحداث وتطورت بصورة متسارعة على صعيد مزيد من الاهتراء في علاقات الدول العربية مع بعضها البعض , و قد اعلنت خمس دول قرارات مفاجئة بقطع العلاقات مع دولة قطر على خلفية اتهامات متناسقة بدعم الارهاب و زعزعة إستقرار تلك البلدان.

لدينا في السودان مصالح غير خفية في كل بلدان القطيعة العربية , و نقصد بذلك المصالح المباشرة لملايين من السودانيين , حيث تأوي السعودية و قطر و الامارات العربية المتحدة و البحرين مئات الآلاف من السودانيين و اسرهم يعملون في مختلف القطاعات و المجالات , و منهم بالطبع إعلاميون و مسرحيون و فنانون …إلخ و خاصة في قطر و الإمارات , بينما كانت اليمن حتى مطلع القرن الحادي و العشرين و منذ الثمانينات قبلة  للمعلميين السودانيين  بصورة خاصة , و مع ما يتبع ذلك من توفير المعيشة  للاهل في داخل السودان .

الآن وصلت الازمة بين مجموعة هذه الدول و قطر حد توقع التدخل العسكري المباشر و قلب نظام الحكم في الدوحة جرياً على العادة العربية القديمة التي كما لاحظ الزميل منعم بيجو في مقال له منشور عبر الوسائط الاسفيرية  تعود إلى عهود داحس و غبراء و حرب البسوس , و بالطبع فإن انظمة العوائل المهيمنة على إمارات الخليج و السعودية ترجع إلى ذلك الماضي السحيق , فمن جهة يمكن النظر إلى الازمة كصراع عائلي بين آل نهيان و آل سعود و آل خليفة ضد آل ثاني . بينما واقع تحولات السياسية الإقليمية و الدولية يؤشر إلى صراع حول نيل مركز الصدارة و إمتياز الطبقة الاولي في التبعية  للقطب العالمي الاوحد كما في رأي للزميل قرشي عوض . و المؤشران صحيحان على العموم مع تفاوت واضح في اسباب نشؤ هذه الازمة , فبالنسبة لمصر نجد ان النظام القطري و عبر قناة الجزيرة الفضائية  قد شكل اكبر عناصر الدعم و السند لجماعة الاخوان المسلمين و هي الجماعة التي حازت على السلطة و منصب رئيس الجمهورية في إنتخابات العام 2012م التي اعقبت سقوط نظام مبارك , و لكن منذ قيام حركة العصيان المدنية الواسعة ضد حكم الاخوان و ممارساتهم التي كادت ان تؤدي بالدولة المصرية العريقة إلى متاهات التمكين و سطوة الإخوان المسلمين و تنظيمهم الدولي الذي يجد في قطر و تركيا اكبر داعمين .

بنظرة عامة يلحظ المرء ان تهمة الإرهاب التي اسندت إلى قطر قد لا تتفق مع الواقع , فالمناهج الدراسية القطرية تعد الاحدث و الاقرب إلى المدنية و روح العصر منها في السعودية مثلاً , التي يغلب عليها الدين السلفي من مظاهره الشوفونية التي  تؤسس جماعة للامر بالمعروف و النهي عن المنكر حدودها جلد من لم يصلي في المسجد او فتاة سقط خمارها , في وقت تنزع فيه ذات الفتاة الخمار و العباية السوداء لتكشف عن شعر مسدول حتي الكفل و تي شيرت فوق بنطلون الجنز لحظة ولوجها إلى باب الطائرة المغادرة إلى بلدان اخرى تتوفر فيها ظروف العيش السوي للانسان , تبدوا قطر على الاقل في هذا المضمار كبلد حداثي لا تعبأ  دولته بازياء النساء , مثل ما تبدو الدوحة اكثر جاذبية و هي تتاهب لاستقبال فعاليات كأس العالم 2022م , في ما تبدو قناة الجزيرة كمحطة إعلامية معنية بنشر الديمقراطية خارج حدود قطر كما لم تخف ملامح إمتيازها لحركات الإسلام السياسي ذات الخلفية الإخوانية بصورة خاصة .

اما بالنسبة للحكومة السودانية فإن الازمة و تطوراتها قد افرزت واقعاً محرجاً و حرجاً فالعلاقات مع النظام القطري هي الارسخ و ربما بحكم الخلفية الاخوانية , فقد كانت حكومة السودان الإسلامية هي المعبر لشحنات السلاح القطري و التشوين العسكري لدعم جماعات الإخوان في ليبيا , كما هناك اتهامات مصرية لحكومة السودان بإيواء عناصر الإخوان الفارين من مصر و تنسحب التهمة بالتالي على قطر التي توفر الإمكانات المادية الضخمة لمثل هذه الاستضافات المكلفة , هنالك شكل آخر نشطت فيه قطر في السودان بدورها في التفاوض حتى إبرام إتفاقية الدوحة لسلام دارفور و التي تمخضت عن سلطة إقليمية إسمية بمخصصاتها و إمتيازاتها و وديعة دولارية بلغت حدود اثنين مليار دولار ذهبت الف و ثمانمائة مليون دولار منها إلى الجيوب بحسب تصريح  د.تاج الدين نيام في ورشة اصحاب العمل بنيالا قبل بضعة اعوام بينما لم يحدث السلام في دارفور حتى الآن , قطر ترعى الآثار السودانية , قطر الخيرية تدعم هنا و هناك و تحت اي لافتة و اثار لا تخفى اثار الإخوان . لذلك يبدوا موقف حكومة البشير صعباً رغم انه إعتاد على تغيير المواقف و بيع الحلفاء في اي مزاد تعرض له فيه اموال اكثر , و لعل في إشارة الطيب مصطفى (احد ابرز  دعاة الفتن في السودان , و تم تعيينه مؤخراً عضواً في برلمان البشير الذي يمت إليه بصلة الرحم) دعوة بان تستغل الحكومة الموقف للحصول على اموال اكثر نظير بقاء الجنود السودانيين يحاربون في اليمن لصالح السعودية , و هو حديث يعطي مؤشر لما يبدوا و كأنه موقف محايد من الازمة صدر حتى الان عن وزارة الخارجية , في ما يبدو ان الفريق طه الذي بات يصعد إلى قمة الحكم  بالزانة و يحضر إجتماعات القمة التي تجمع الرؤساء و الملوك إلى الرئيس الامريكي ترامب بل و يحظي بمصافحته شخصياً و هي المكانة التي حرم منها الرئيس البشير بوضعه الجنائي الدولي المعلوم كمتهم تلاحقه العدالة الدولية , الفريق طه نسج علاقات خاصة مع السعوديين و الإماراتيين و هناك احاديث تثير شكوك معقولة حول صفقات و عمولات مالية ضخمة لا يمكن التفريط فيها بسهولة لصالح وهم إسمه التنظيم الإسلامي مما يرجح فرضية الانحياز إلى حلف المقاطعين في قطر و لو ضمنية .

غداً عندما تسفر التطورات عن نتائج سيكتشف الناس ان رعاة الارهاب و مفرخيه في الاونة الاخيرة ينتمون إلى ذات العائلة التي يردد مبدعنا الراحل العطبراوي بصوته الرخيم دوحة العرب اصلها كرم و إلى العرب تنسب الفطن . ترى اليس صحيحاً و مطابقاً للواقع ان تبدل الطاء بالتاء في الفطن !