ركن نقاش

عيسى إبراهيم *

* لا أخفي مشاعري، وتدافع أنفاسي، وسروري الطاغي، حين علمت أن المدعي العام قام بشطب البلاغ ضد “محمد صالح الدسوقي عبدالباقي – البارون” بحجة عدم استوائه وأهليته النفسية، بعد عرضه على اختصاصي  في مجال الطب النفسي (لست هنا بصدد تصديق حيثيات العرض على الطب النفسي، أو قول البعض أنها حيلة لتفادي مأزق احراج الدولة المواجهة برفع عقوبات أمريكية ضدها وحسن سير وسلوك دولي، ولكني أحيي المدعي العام بخطوته الجريئة والعقلانية والمستعلية على واقعنا المأزوم والمحاط بـ “متلمظين” للدماء وقساة ينتظرون التهام فريستهم)، كنت أعلم أبعاد المأزق الذي أدخل فيه نفسه هذا الشاب ذي الثلاثة وعشرين ربيعاً، والذي تقدم بعريضة امام محكمة امدرمان الشرعية وسط يوم الأحد 7 مايو 2017، مطالبا بافادة اشهاد شرعي  بتغيير ديانته في بطاقته الشخصية من “مسلم” الي “لاديني”، والتي ردته بعدم الاختصاص، يوم الاثنين 8 مايو 2017 تقدم “لبارون” بعريضته بذات الفحوى أمام وكيل نيابة أمبدة الذي حاوره وراجعه وبعد لأيٍ واصرار من “البارون”، قام وكيل النيابة بفتح بلاغ ضده وفق المادة 126 من القانون الجنائي السوداني 1991 “الردة” والمادة 69 الاخلال بالسلامة، رغم علمي التام وفق عقيدتي الدينية – لا على أساس القوانين الوضعية أو مواثيق حقوق الانسان الدولية فحسب، فالآية المنسوخة تقرر حرية الاعتقاد بلا لبس: “وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر”، والأخرى: “لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي” والنسخ لهما ارجاء وليس الغاء؛ ارجاء يتوقت الوقت ويتحين الحين لاحكامه، ونسخ محكم القرن السابع الميلادي، وهما من آيات الأصول المنسوخة (آيات الاسماح المنسوخة بآية السيف)، وآيات الأصول أعظم ما في ديننا، ولقد حزنت لمجموعة محاميه – بما فيهم الصديق العزيز القانوني المتمرس رفعت المكاوي – قال محامو البارون في بيانٍ اطلعت على فحواه لقد تم: “شطب البلاغ بموجب تقرير طبيب نفسي بدعوى الجنون، مع العلم بأن الجنون دفع يقدمه المتهم أو ممثله القانوني، ونحن في هيئة الدفاع لم ندفع بذلك، والمتهم أيضا لم يتقدم بهذا الدفع، كما أن الجنون لا يتم التحقق منه الا بعد عرض المتهم  على لجنة طبية بمستشفى مختص بالامراض العقلية والنفسية وان موكلنا كان يسعى الى الغاء خانة الديانة في البطاقة الثبوتية”. هيئة الدفاع: رفعت عثمان المكاوي، الفاتح حسين محمد علي، سمية الشيخ محمد، المحامون”، ذهب محامو البارون في اتجاه أهلية موكلهم لمواجهة الدعوى، وهم حين يفعلون ذلك يبررون الغاية بالوسيلة، ولقد علمت مِنْ مَنْ أثق في رأيهم أن من حق المدعي العام، أن يشكك ويتفحص أهلية من هو أمامه في الدعوى، ومن حق النائب العام أن يسحب أوراق القضية ويحفظها، بل من حق المحكمة إذا تشككت في أهلية من هو أمامها أن تطمئن بالطرق المقبولبة عن أهلية من هو شاخص أمامها، وأعلن هنا أمامكم جميعاً أنني ضد المادة “126” الخاصة بالردة، ولكني أرفض تقديم ذبائح بشرية على منصات الغائها!!، ولعلي أؤكد أن مطلب “البارون – ازالة خانة الديانة من الوثيقة الثبوتية” لن يتحقق، ليس لعدم موضوعيته، ولكن لـ “عصلجة” الحكومة الانقاذية الـ “مهجسة” بين متشددين صنعتهم بيديها وفقدت العقلانية أمامهم!، وسيُقدم ضحية بلا مسوِّغ مقبول أو نتيجة مرتجاة!..

* خطوة “البارون” رغم احترامي لها، وأحيي شجاعته وهو في مقتبل العمر، ونحن في أرزله، وحالت عقولنا وتفحصنا للواقع المعاش من الولوج في عرصاتها، ورغم اعتزازي بخطوته الفريدة، أشبهها بالذين يفخخون أنفسهم ويفجرونها وسط بشر يختلفون معهم أيديولوجياً، وأحمد الله أن “البارون” لم يقصد غير تفجير نفسه أمام مادة مرفوضة إلا من أشياخ ضاقت عقولهم عن مواكبة الواقع العالمي الانساني، الذي يرفض تماماً القهر العقائدي، ولو كان أشياخنا هؤلاء علموا أنهم مأمورون بـ “التفكر” بين قمة القرآن “وأنزلنا إليك الذكر”، (كل القرآن)، وقاعدته المأمورون بالتزامها: “لتبيِّن للناس ما نزل إليهم”، (القدر من القرآن الذي يطيقون ممارسته)، أرجو ملاحظة التعبير القرآني بـ “أنزل”، و”نزَّل”، ففيه توقف لذوي العقول الدرًّاكة للفحص والتقرير!، ثم جاءت العلة المطلوبة بين قمة القرآن وقاعدته حيث قال (جلَّ من قائل): “ولعلهم يتفكرون”، هذه هي علة المعلول، وطلب المطلوب؛ إعمال العقل بالتفكر اللازم للوصول إلى ما هو مخفي من تشريع!، والمشكلة الحقيقية أن ليس بيننا الآن مثل عمر بن الخطاب (زعيم مدرسة الرأي في الفقه الاسلامي بلا منازع) حين أوقف العمل بنصيب المؤلفة قلوبهم من أنصبة الزكاة الثمانية وقال لهم: “من شاء فليسلم ومن شاء فليبق على دينه، فلسنا بحاجة إليهم“!..

* نعم المادة 126 تخالف المادة 38 من دستور 2005 الانتقالي والتي تنص على حرية الاعتقاد: “لكل انسان الحق في حرية العقيدة والعبادة وله الحق في اعلان دينه…إلى آخر النص”، ولكن السؤال: هل هي وحدها المناقضة للدستور الساري، ونكتشف وفق العلم القانوني ذرب اللسان والمنطق نجيب أديب عبدالله أن دستور 2005 الانتقالي به من الحريات ما لا يحتاج لزيادة، والمطلوب تفعيل القضاة من أدنى درجة لأعلى درجة لرفض ما هو مخالف للدستور والغائه، وأكبر عقبة أمام ذلك هي إنشاء المحكمة الدستورية و”فرملة” القضاة – وفق نجيب – من فحص دستورية القوانين السارية ومضاهاتها بالقانون الأساسي، وهنا مربط الفرس، فالحكام يعيشون “شيزوفرينيا ازدواج الشخصية” فعين لهم على الحضارة الغربية ومكوناتها في مجال الحريات، وعينٌ لهم أخرى على نصوص الشريعة السلفية، ولا يستطيعون المزاوجة بين التراث والمعاصرة، وعلينا إذن نحن طلاب ازالة المادة 126 من قوانين السودان بـ “القرع” المستمر، والفهم الساند للحريات، وتعرية الفهوم المتخلفة من أغطية عوراتها، لا بتقديم ضحايا وقرابين بشرية على مذابح إزالة المادة المعطلة لحرية الاعتقاد!..

تأسيس عقلاني لازالة مادة الردة من القانون

* ليس لمطلق حي، يبحث عن حريته وانعتاقه من وصاية الغير، والمفاهيم السلفية المنغلقة على ذاتها، وجبروتها، وتشددها، واحتكارها الحق، إلا بالتعرف على فهم تطوير التشريع الاسلامي، كما طرحه الأستاذ محمود محمد طه، بالانتقال من نص فرعي في القرآن أسس للشريعة السلفية التي طبقت في القرن السابع الميلادي خدم غرضه حتى استنفده، إلى نص أصلي مدخر لانسانية اليوم في أصول القرآن، ومن هنا ندلف مباشرة لنقول بلا مواربة: إن المادة “126” من القانون الجنائي السوداني لعام 1991 والخاصة بـ”الردة” هي ظل لآية السيف المحكمة في القرن السابع الميلادي، و“النسخ” عند فقهاء السلف يعني المحو، والازالة، وبالتالي التعطيل، أي زوال الحكم وإبقاء اللفظ، بعكس ما ورد في فهم الأستاذ محمود محمد طه أن النسخ ارجاءٌ، وليس الغاءً، وهو يتحين الحين ويتوقت الوقت، وقد ورد في أحد أقدم كتب فقه “الناسخ والمنسوخ”، لهبة الله البغدادي (ت 410هـ) نصاً: إن الآية “فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رحيم”، وكمثال للآيات المنسوخة بها مثالاً لا حصراً: الآية: “أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين”، والآية: “وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر”، والآية: “لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ”، (البقرة: 256). والآية: “وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ في الأرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ” (يونس: 99)، وقد ورد عن الجمهوريين: “وفي هذا المقام فاننا نخاطب القانونيين جميعاً بأنهم قد آن لهم أن يدركوا أن قانون الردة في الاسلام إنما هو قانون مرحلي، وهو طرف من تشريع الجهاد بالسيف، حيث كانت الوصاية قائمة، ومن هنا كنا ولا نزال ندعو لتطوير التشريع الاسلامي، ولن تكون هناك نهضة حقيقية في هذه البلاد بغير وحدة التشريع وضبطها ضبطاً دستورياً، وهذا مفصل في غير هذا المجال…”، (الأخوان الجمهوريون – مهزلة محكمة الردة مكيدة سياسية – الطبعة الثانية – مايو 1975 – صفحة 28)..

حرية المعتقد تزيل النفاق

* لا شك أن الغاء المادة “126” الردة من القانون سيزيل المنافقين من بيننا، الذين هم في الدرك الأسفل من النار، والنفاق يبرز نتيجة الخوف الناتج من الكبت على العقيدة، فاذا أبيح الكفر نصاً “ومن شاء فليكفر”، سيعقب ذلك إيمانٌ صُراح، أو كُفرٌ صُراح، وسنكتشف أننا لم نخسر شيئاً البتة، بل كسبنا دفعاً إيمانياً أقوى، بتعارك وتدافع بين قبيلي الكفر والايمان، و”الحشاس يملا شبكتو”، ولقد شاهدت مناظرات جرت بين القبيلين – في غرب العالم الذي يتيح حرية المعتقد – في الـ “you tube” كانت موضوعية وكل فريق يحشد ما يشاء، وقد هزني تقديم “الملحد” دفعه لالتزامهم بالفضائل الانسانية، حين ذكر “المؤمن” أن كرائم الأخلاق لا تنمو إلا في ظل الايمان، وفي صميم وجداني أن الكفر لا مستقبل له مع الحقائق الايمانية المحتشدة المجردة!!..

* في نهاية المطاف (قانوناً) سيكون الكفر مباحاً لمن شاء، إذ الكفر (الشك المرضي)، كما الإيمان (الشك الموزون)، ضروري للوصول إلى اليقين الذي لا يعتوره الشك لا من بين يديه ولا من خلفه، و”الكافر” بالطبع يخضع لقانون المجتمع كما يخضع المجتمع ذاته لقانونه، فإذا تعدى حده أخذ بقانون الجماعة، ومن هنا فحكم الردة مرحلي وحرية الاعتقاد هي الأصل، ولنا في تجربة الغرب أسوة، وإن كانت ليست حسنة في المرحلة، ولكنها موجبة (نوعاً ما) وليست كلها سلبية، فقد تمت حوارات بين مؤمنين وملحدين، وما زالت تتم في أوروبا وأمريكا وغيرهما في جو من الحرية بلا كبت كابتين ولا عنف متشددين، وتنتظر من المسلمين أن يثروها ويجعلوا إيجابياتها أكثر من سلبياتها، ولهذا السبب ورد القول المنسوب للنبي (صلى الله عليه وسلم): “رحم الله آل مكة إما كفرٌ صراح أو إيمان صراح”، وفي قوله – إن صحت نسبته إليه – كفاية!.

 

* eisay@hotmail.com