خالد فضل

رمضان كريم , و لكن منذ 28سنة يبارك السودانيون رمضان و العيد الذي يعقبه و الآخر الذي يليه , و يرددون العبارات المحفوظة مثل كل عام و انتم بخير , في الواقع لم ير السودانيون خيراً منذ ان سرقت دولتهم بواسطة عصابة من المجرمين و الفاسدين استولوا على السلطة و سيطروا على مفاتيح الثروة دون وجه حق , تباعدت آمال التقدم و كاد يتلاشى الامل في اصلاح .

رمضان كريم , و لكن هنالك حوالي 3 ملايين نفس بشرية من السودانيين تعيش في معسكرات النزوح و اللجوء , يمر رمضان و عيده و الدعاء مستمر بالعودة إلى الديار في اقليم دارفور و جبال النوبة و النيل الازرق , و لا شئ يبدو في الافق لوضع حد لتلك المأساة بل تتجدد المآسي كل حين في ثوب جديد , فالمتهمون بارتكاب افظع انتهاكات حقوق الانسان في دارفور صاروا في الآونة الاخيرة هم عصب القوات المسلحة السودانية , و لا ادري اي معنى لكلمات نشيد العلم , نحن جند الله جند الوطن … إلخ ,إذ لم يعد الوطن هو الوطن الذي صيغت كلمات النشيد من وحيه , انقسم الجنوب بكامله و صارت خريطة الوطن إلى رسم مشوه لا اعتقد ان طالب دراسات عليا في قسم الجغرافيا في اي جامعة يمكنه رسمها بالتقريب ناهيك عن الدقة , و يتهدد التمزيق اجزاء اخرى .

رمضان كريم , و لكن الاوطان يبنيها بنوها , و القيادة الحقيقية تعمر البلاد لا تخربها و نماذج القادة الذين صنعوا اوطانهم تترى عبر العصور , و لكن قيادة بلادنا المعطوبة هي سبب كل البلاوي , يعرف ذلك الصبي الغر بينما يتهافت للحوار المزعوم نفر من ذوي المصالح الخاصة و المطامح الشخصية الضيقة , تهافتوا على طاولة الدكتاتور و بشروطه المجحفة , حوار إفتقر إلى الجدية منذ خطابه الاول , لم تكن له مبادئ تحكمه متفق عليها بين الجميع, و لم يتحدد الهدف منه , و لم تتهيأ له الظروف الموضوعية للنجاح , و لم يشمل المعارضين الجادين او الثوار المقاتلين , فقد جرى و انتهى تحت سقف القبضة الامنية القاسية , و في ظل تمركز السلطات الحقيقية في يد الدكتاتور الحاكم و زمرته الضيقة , و افضى إلى تشكيل حكومة يتخلل مسامها النفاق و الخداع تحت مسمى الوفاق , فلا الحرب توقفت في اقاليم الصراع المسلح و لا الحريات اطلقت , و لا الظروف الاقتصادية تحسنت , و لا معيشة الناس تتطورت , و لا ملامح إعادة بناء الوطن قد ظهرت , تبدلت اسماء خلف طاولات الوزراء و المسؤولين و لم تتبدل السياسات العامة , فبرنامج التمكين و المصالح الذاتية و التمتع بإمتيازات السلطة و غياب المحاسبة و الشفافية ما تزال سائدة .

رمضان كريم و لكن , صار النفاق حكومة , و اصبح اناس كثيرون يسايرون القهر و القمع رهبة او رغبة , و ساد النفاق الاجتماعي , و اهدرت القيم الرفيعة , و مع التخريب المتعمد للوطن ارضاً و موارد و بشر صارت المبادئ و القيم النبيلة محل سخرية و صار القابضون عليها كالقابضين على الجمر , تمدد الطغيان و تحول القصر الرئاسي إلى وكر للدسائس و المكائد , و ساد إعلام الكذب و التشويه و تلوين الحقائق . و دوننا تسمية الكوليرا بالاسهال المائي , و الثوار بالمرتزقة , و النفاق بالوفاق , ما هي برامج الاحزاب التي شاركت في ملهاة الحوار بل ما هي عناوينها ؟ يكفي ان احد ابرز الذين شاركوا في الحوار ظناً او تجريباً وفق قاعدة الارضة التي جربت الحجر قد لفقت له التهم و ظل قيد الحبس و الاعتقال التعسفي منذ ستة اشهر , و اعني به د.مضوي ابراهيم , فما هي نتيجة الحوار بالنسبة لاسرته و طلابه و زملائه , ما هو الجديد على صعيد تقديم الخدمات الاساسية التي تقع مسؤليتها على الحكومة , ماء الشرب و الغذاء الصحي و العلاج و التعليم و المواصلات و الصرف الصحي و نظافة البيئة و غاز المنازل و الكهرباء و كل البنية التحتية من طرق و مشروعات زراعية و مصانع و ورش …إلخ , لم و لن يتحقق شئ ما دام السلطان المستبد يحكم طغيانه و استبداده و يد الاجهزة الامنية مطلوقة و يد المحاسبة و العدالة مغلولة , هذا اس البلاء و ثمرة الحوار هي تعيين زيد او عبيد في منصب إسمي بلا صلاحيات حتى و إن صدقت نوايا بعض المستوزرين الجدد .

 رمضان كريم ولكن , حل ازمات البلاد يبدأ بإسقاط كل النظام السياسي السائد و بناء نظام سياسي جديد يقوم اصلاً على الحرية و حقوق الانسان و رعاية التعددية و سيادة الديمقراطية و العدالة الاجتماعية و المساوة على اسس المواطنة فحسب , دون ذلك ستظل بلادنا تتقهقر من سيئ إلى أسوأ , و ما دامت ذات الوجوه المعطوبة إنسانياً و فكرياً و اخلاقياً تتصدر المشهد السياسي العام فلن تقوم لنا قائمة , و شعبنا يمكن ان يمرض و لكنه لن يموت ابداً ابدً .