سيف الدولة حمدنا الله

ليس هناك دليل على ترنّح النظام وإقتراب نهايته مثل “البَطبَطة” التي يقوم بها  الآن، وهي “بطبطة” تزداد مع كل يوم يقترب فيه موعد العصيان الثاني في يوم 19 ديسمبر 2016، وما لا يدركه النظام، أن تجربة الشعوب مع الأنظمة التي تُمسك على الحكم باليد القوية (بما في ذلك ما حدث في السودان في أكتوبر وأبريل) أثبتت أنه مهما تنمّرت على الشعوب وطال عمرها، فهناك نقطة فاصلة تُسمّى (نقطة اللاعودة) لا تُجدي معها أي محاولة للإمساك برقبة الشعب من جديد، سواء بالتهديد أو بالتراجع عمّا كان يؤخذ عليها قبل بداية الحِراك، ومن جنس الأخير ما حدث من تراجع للرئيس مبارك الذي ظل يرفض طوال فترة حكمه تعيين شخص في منصب نائب الرئيس برغم مناشدته ومخالفة ذلك للدستور، وكان يحتفظ بالمقعد ليجلس عليه إبنه من هو صبي وقبل أن يصل مرحلة البلوغ، وحينما إندلعت الثورة، قام بتعيين عمر سليمان بقرار لم يستغرق منه عشرة دقائق، ولكن حدث ذلك بعد أن بلغ الشارع نقطة اللاعودة.

 

ما يؤكد أن شعبنا قد بلغ هذه النقطة، أنه لم يعد هناك اليوم من يتحدث عن زيادة أسعار الدواء وتحرير سعر الدولار اللذان كانا السبب وراء تحريك الشارع، فقد كان ذلك مجرد شرارة أشعلت النار في الفتيل المُتراكم، فقد إندلعت الحرب العالمية الثانية وعمّت الكون بسبب لا علاقة له بالخلاف الذي كان يجري بين الأقطاب (إغتيال ولي عهد النمسا في سراييفو)، فالذي يشعل حراك الشارع ويزيد من لهيبه لا علاقة له بغلاء المعيشة، وإنما هي الأخطاء والأضرار المتراكمة  التي كان النظام يمضي فيها ولا يريد أن يستمع إلى النصيحة بمعالجتها، ولا حاجة بنا إلى تعديدها وهي تُلخّص في الحرب والفساد وقمع الحريات والفشل في إدارة الدولة الذي إنتهى بها إلى دولة تتسول رزقها من الآخرين مع إنعدام الموارد بعد أن قامت بتدمير المشاريع الزراعية والصناعية في البلاد.

 

بوصول الشعب إلى نقطة اللاعودة، لن ينفع النظام أن يلجأ إلى لغة التهديد بإستخدام القوة كما حدث في خطاب الرئيس بمدينة كسلا، أو يلجأ للتحايل على خطة العصيان بإعلان إحتفالات قومية بعيد الإستقلال في ذلك اليوم بخلاف العادة، فلا يكفي فريق الكرة الذي يعاني الضعف والإصابات بين لاعبيه أن يقاطع المبارة حتى يُقال أنه تفادى الهزيمة، فإنسحاب الفريق يعني إعلانه لهزيمته بنفسه، فالجماهير حين تصل نقطة اللاعودة تظهر لها قوة خارقة بحيث تستطيع أن تحمل شاحنة الشرطة – كما حدث في الثورة المصرية – وبباطنها الجنود وإزاحتها عن الطريق كما يحمل الطفل اللعبة بين يديه، بعد أن كان يتم في السابق بتفريقهم بخرطوش ماء.

 

كما فات الوقت على النظام لمصالحة الشعب بعمل إصلاحات وتراجعات عن أخطائه، كأن يقوم بالتسريع في تطبيق مُخرجات الحوار كما يحاول وتعيين رئيس وزراء وتقديم عدد من قضايا الفساد للمحاكمة، أو حتى بمحاكمته كل قضايا الفساد وإسترجاع ما تم نهبه وعاد رموز النظام حفاة عراة كما كانوا قبل إستيلائهم على السلطة، فالذي تسبب في دمار البلاد لا يمكن أن يُعهد إليه بالإصلاح.

 

يستطيع قالب طوب أن يمنع تدحرج القطار وهو متوقف، ولكن حين يتحرك القطار فلا توقفه بناية كاملة إذا إعترضت طريقه، وقطار الثورة قد تحرك، ومع كل صباح يشرق يزداد إندفاعه وتتعاظم قوته، أنظر إلى بناتنا وأولادنا داخل الوطن وهم ينشرون أسمائهم في قوائم المهنيين الذين يساندون العصيان والإحتجاج، وفي كل ساعة يزيد عدد المنضمين إلى الركب بمقاطع صوتية وبيانات قطاعات المِهن المختلفة.

 

لقد مضى الوقت الذي يُهدد فيه الأمن بإعتقال الشرفاء، فالأمن لا يستطيع إعتقال كل أبناء الشعب متى رأى أنه أصبح يحمل قلب رجل واحد، فالثورة لا يقف وراءها حزب أو نقابة حتى يستطيع النظام أن يوصمها بالمؤامرة، فهي ثورة شعب مغلوب طاله الظلم وصبر على الظالم بقدر إستطاعته حتى يتجنب المواجهة، ولكنه أيقن أن هذا نظام عدو نفسه ولا يريد أن يفهم، ويكفي (والحديث عن السبب في حدوث الشرارة) أن وزير العدل قد وقف بنفسه أمام البرلمان وأعلن أن جهات سيادية عليا قد وجهته بعدم إتخاذ إجراءات ملاحقة قضائية في مواجهة الذين نهبوا أموال دعم الأدوية (230 مليون دولار).

 

لا ننتظر أن يكون يوم 19 ديسمبر هو نهاية النظام، فلا أعرف مجرماً أعياه الجري ووقف يستسلم لمطاردته بواسطة الذين يريدون الإمساك به، ولكن هذا اليوم سوف يكون معلماً في الطريق، وسوف تعقبه خطوة لم يتحسّب لها النظام، فقد بات الطريق ممهداً للتغيير بعد أن إطمأن الشعب إلى أن كل ما كان يردده النظام حول حدوث إنفلات في الأمن عند حدوث التغيير دعوى باطلة وأن ذلك مجرد حيلة لإستمرار بقائه في السلطة، فقد رأى الشعب بأعينه كيف توحدت الصفوف والأفئدة، وأن جميع أبناء الوطن يجمعهم هدف واحد، وهو أن يُعيدوا الوطن إلى الحال الذي كان عليه قبل تسلّط هذه الجماعة، وطن يتساوى فيه الجميع، لا تمييز فيه لأحد ولا تستأثر فيه جماعة بالسلطة دون الآخرين، وطن تكون فيه السيادة للقانون ويخضع فيه من يخطئ للمحاسبة بدون حماية في القانون، وطن يرتفع فيه صوت السلام والمحبة لا صوت البندقية، وبعد أن تأكد أن الذين يحملون السلاح يحاربون به النظام ولديهم إستعداد لوقف الحرب والإنخراط مع الشعب في بناء الوطن.

 

لقد بدأ المشوار وموعدنا في يوم الإثنين 19 ديسمبر.

saifuldawlah@hotmail.com