التغيير : امدرمان 

كان الجدل محتدما على أشده بين رواد بائعة الشاي تحت شجرة النيم الظليلة الواقعة في الجزء الجنوبي الغربي من سجن النساء في امدرمان حول الوجود غير المعتاد لقوات الشرطة والأجهزة الامنية الآخرى جوار السجن. 

احدهم كان يقسم بان سبب الحضور الأمني المكثف  هو وجود  صحافية داخل السجن ، لكن يبدو ان قسمه لم يقنع الآخرين عندما رد عليه اخر بالقول: ” صحافية شنو الجايبين ليها البوليس دا كلوا.. الحكاية تكون اكبر من كدا “. 

 لكن الوقائع تقول ان الصحافية امل هباني أمضت ليلتها في السجن بعد ان رفضت دفع الغرامة التي حكمت بها المحكمة  بعد ان ادانتها بتهمة اعتراض موظف حكومي اثناء تأدية عمله. ورجال الشرطة والاجهزة الامنية الاخرى  كانوا فعلا يحيطون بالسجن بعد ان صدرت اليهم تعليمات من جهات عليا تحسبا لاي ردة فعل بعد ان أصبحت القضية قضية رأي عام. 

في حوالي الساعة الثالثة الا ربعا  بتوقيت الخرطوم، تم الافراج عن هباني وخرجت من السجن برفقة زوجها الصحافي شوقي عبد العظيم وسط هتافات من العديد من الناشطات اللائي كن في انتظارها.   

وبدأت قصة امل كما سردتها خلال تنوير صحافي بدار حزب الأمة  بأمدرمان بعد خروجها من السجن مباشرة عندما طلب منها احد افراد الامن السوداني عدم التصوير او تغطية جلسات محاكمة ناشطي مركز تراكس الحقوقي في نوفمبر  الماضي. وقالت انها طلبت منه إبراز هويته فرفض ثم هجم عليها وضربها ”  وتم اعتقالنا مع عدد من الناشطين  ومن ثم تفاجأت بأمر قبض بعد شكوى منه، واستمرت المحكمة حتى صدور الحكم والذي كان الغرامة او السجن لمدة اربعة اشهر “.  

 

واضافت هباني والتي تعتبر من الصحافيات القلائل اللائي تم تكريمهن من قبل منظمة العفو الدولية انها رفضت دفع الغرامة حتى ترسل رسالة للصحافيين والنشطاء بان السجن ليس نهاية المطاف ” رفضت  دفع الغرامة لأنني لست مذنبة ولكي يعرف الناس ان السجن ليس نهاية المطاف وحتى نودي عملنا دون رقابة امنية “.  

وبعد دخولها حراسة المحكمة في الخرطرم  وقبل نقلها الى سجن النساء وجدت هباني  تضامنا وتعاطفا غير مسبوق  من العديد من القطاعات من صحافيين وسياسيين وناشطين وأنتشرت صورتها وهي خلف القضبان في وسائل التواصل الاجتماعي على نطاق واسع ، فيما دشنت شبكة الصحافيين المعنية بالحريات الصحافية مبادرة ” جنيه الكرامة” من اجل التكفل بدفع الغرامة. وخلال نهار الاثنين كان هنالك تدافعا كبيرا من اجل دفع الغرامة ومن قطاعات مختلفة ، وهو الامر الذي دعا امل الي تغيير رأيها وقضاء يوم واحد في السجن ” كنت قررت ان أقضي فترة العقوبة في السجن لكن بعد التشاور مع الاسرة والمتضامنين قررت ان اخرج بعد يوم واحد .. وانا شاكرة لكل من تضامن معي من الشعب السوداني والمجتمع الصحافي”.  

واوضحت هباني ان المبلغ الذي تم جمعه كان اكبر بكثير من المطلوب وهو ما دعاها الي فكرة التبرع به لقضايا إنسانية اخرى ” المبلغ الذي تم جمعه اكبر بكثير من المطلوب وبالتالي قررت ان أتبرع بجزء منه للنساء في سجن النساء ولقضايا الحريات الصحافية”. 

وكشفت عن ان   اتحاد الصحافيين – المقرب من الحكومة السودانية –  استلم خطابا من الجهات الامنية  منذ بدء القضية يفيد بأنهم بصدد فتح بلاغ ضدي ، مشيرة الي انهم لم يحركوا ساكنا ” ولكنهم لم يتحركوا في وقتها ولا بعد صدور الحكم” . 

ممثلة مبادرة لا لقهر النساء احسان فقيري التي كانت في استقبال أمل بعد خروجها من السجن اكدت انهم سيستأنفون    الحكم  الصادر وسيبداون حملة واسعة للتوعية بحقوق النساء. اما ممثل الاحزاب السياسية المعارضة  بكري يوسف  فقد قال ان امل اختارت السجن لانها لديها قضية حقيقية  ” لديها قضية وليس ترفا .. والقضية مهمة لرفع القهر عن النساء”. مؤكدا  انها تناضل بشكل يومي من اجل المرأة السودانية. 

اما ممثل شبكة الصحافيين خالد احمد فقد لفت الى ان  جهاز الامن والمخابرات هو الرئيس الفعلي للصحف وما أقدمت عليه امل هو ” كسر حاجز الخوف”. ودعا الى ان تكون  الصحافة  السودانية  في مقدمة معركة الحريات. 

وحازت هباني  على جائزة مقدمة من منظمة العفو الدولية للمدافعات عن حقوق الإنسان وتم تكريمها بهذه المناسبة في مدينة نيويورك بالولايات المتحدة عام 2014 ، وتعد أول امرأة في المنطقة العربية تفوز بهذه الجائزة.

 وتضع المنظمات الحقوقية المعنية بحرية الصحافة السودان في أسفل قائمة الدول من حيث الحريات الصحافية ، كما يشتكي الصحافيون من استمرار الانتهاكات التي تمارسها الاجهزة الامنية ضدهم من اعتقالات واستدعاءات بسبب قضايا متعلقة بالنشر، بالاضافة الى مصادرة الصحف بعد طباعتها