بروفايل : شوقي عبد العظيم

سنعود للوراء كثيراً ..إلى صبيحة انقلاب 30 يونيو1989، البيان أذيع على الناس، قادة الانقلاب لم يبرحوا القيادة العامة بعد، يحكي أحد الضباط: ” كنا معتقلين بالقيادة العامة ،متهمين في محاولة انقلابية ، قائد الانقلاب الجديد العميد عمر حسن البشير أمر باطلاق سراحنا فوراً ، بعد أن تجمعنا قررنا أنا وضباط آخرين أن نذهب ونهنيه.. في الطريق قابلنا الضابط محمد أحمد قاسم سألنا عن وجهتنا، وبعد أن أخبرناه طلبنا منه أن يذهب معنا، أعتذر بأنه مشغول ووعد أن يلحق بنا ..دخلنا على العميد عمر كان يستغل  قاعة كبيرة في القيادة يقف حرس من قوات المظلات في مدخلها..كان الاجهاد باديا عليه.. القاعة خالية إلا منه والمقدم بكري حسن صالح  يقف خلفه .. صافحناه وقدمنا له تهانينا بنجاح الانقلاب ..قلنا له أن الضباط في الميز قالوا أن الجبهة الإسلامية وراء الانقلاب.. ضحك عمر ولم يهتم هنا تدخل بكري وقال :”نفى أي علاقة مع جهة لا جبهة ولا خلافه وذكر في البيان نحن لا مع اليمين ولا مع اليسار” وإن سألت عن الفريق بكري عشية الانقلاب كان ليلتها الضابط المسئول عن البوابة الشرقية للقيادة، ووجوده هناك وفي ذلك الوقت لم يكن صدفة، وساهم بقدر كبير في نجاح الانقلاب وبالذات حينما عزز تأمين القيادة بعدد من الدبابات..  من يومها وبكري لم يفارق الرئيس البشير، وظل يكسب ثقته كل صباح، أمس الأول تتوجت هذه الثقة بأن إختاره الرئيس رئيسا للوزراء ، بعد أن اختاره قبل ثلاث سنوات نائبا له.

الأمن وكشف الانقلاب

بكري، كان ثاني أصغر أعضاء مجلس قيادة الثورة في الرتبة العسكرية، لا يسبقه إلى ذلك إلا الرائد إبراهيم شمس الدين، يقول أحد من عاصروه في المجلس وقتها ” كان قليل الكلام ولا يميل إلى خلق صلات وعلاقات مع المدنيين الإسلاميين، ويحتفظ بعلاقته الجيدة مع الضباط في المجلس وبالذات الرئيس البشير، الذي يطيعه ويكتم أسراره وأسرار مجلس الثورة” ثقة الرئيس ومجلس الثورة فيه دفعتهم لأختياره لتولي أكثر الوظائف حساسية وتحتاج إلى إلى ثقة وهي الأمن ..وكان مسمى الوظيفة مدير جهاز الأمن ومستشار الرئيس للأمن…. أخوانه في التنظيم والثورة رأيهم أن بكري أبلي بلاء حسنا في إدارته للأمن..وبطبيعة الحال يرى المعارضون أنه نكل بهم شر تنكيل في المعتقلات وفي دهاليز العمل العام وأن عهده كان بداية للقمع السياسي..بكري لم ينفى حديث معارضيه إلا أنه قدم مبررات لطريقة عمله وقال أن المرحلة كانت تتطلب ذلك لتمكين الثورة التي تربص بها الأعداء..إلا أن إخوانه يحتفظون له بجميل وهو إجهاضه لأخطر محاولة انقلابية هددت الانقاذ وبعد شهور من إستيلائها على السلطة وهو إنقلاب رمضان الشهير ..وذلك بعد أن حصل على معلومة بأن الفريق خالد الزين و27 ضابطا شرعوا في تنفيذ انقلاب وتدخله في اللحظات الأخيرة بعد معلومة حصل عليها من أحد كان بين الانقلابين فشلت الانقلاب.

 بعد أن نجح في الأمن دفع به إلى وزارة الداخلية إلا أنه تمسك باستراتجيته المعادية للإعلام والظهور، حتى أنه في وقت وجيز بات جميع أعضاء مجلس الثورة معروفين لدى الناس عدا بكري أمين أسرار مجلس الثورة الذي اختار له إستراتجية خاصة للتعامل مع وسائل الإعلام ويمكن أن نختصرها في مقاطعته..كان لا يصرح للصحف ولا يظهر أمام كاميرا وحال ظهر مصادفة في محفل تجده متدرعا نظارة سوداء زادت من غموضه وتخفيه

بكري والترابي

كاتم الأسرار سيصبح أكثر قربا من الرئيس.. بعدما اختير هذه المرة وزيرا  للرئاسة  وتحديدا في العام 1998، بيد أنه في ذات التوقيت، علاقة الرئيس البشير بعراب الثورة الشيخ حسن الترابي كانت تمر بوقت عصيب وفي طريقها للإنفجار ..بكري خلال تلك المرحلة كان موقفه “عدو صديقي عدوي” لم يخفي تأييده المطلق للبشير وإعتراضه الكامل على طريقة الشيخ الترابي التي يريد أن يدير بها الأمور، ولا حتى من باب المجاملة كما فعل كثيرون وقتها مع الشيخ ..في تلك الفترة كان بكري ملازما للبشير ،ولا يفارقه بحكم وظيفته وعمله وعلاقتهما تزداد توثقا ..الأمور داخل الحزب بلغت شأوا عظيما وتجلى موقف كاتم الأسرار حينما دخل عليه عدد من الإسلاميين في القصر يقودهم د.غازي صلاح الدين العتباني وبين أيديهم مذكرة – التي صارت شهيرة بمذكرة العشرة- بغية إداخالها على الرئيس، وطلب منهم بكري أن يطلع عليها قبل أن يدخلوا بها على البشير، إذ أنها لم تعلن بعد، هنا توجس غازي ورفاقه من أن يعترضهم، ويفسد عليهم الخطة، ولكن سرعان ما إندهشوا بعد أن فرغ من مطالعتها وأخذ قلمه ووقع عليها بعنف وإصرار دون أن يطلب منه أحد ذلك ..لذا ستجد بكري العسكري الوحيد في قائمة موقعي المذكرة ..والواقع أن كاتم أسرار الثورة لم يعرف عنه التزاما سياسيا لجماعة الأخوان المسلمين أيام دراسته في دنقلا الثانوية ولم يشتهر بمواقف سياسية وقتها، وبعد أن تخرج من الثانوي عمل في وظيفة في مصلحة الزراعة والغابات ..ثم التحق بالجيش الذي حرمه من ممارسة السياسة على الأقل المعلن منها.

نيفاشا ..توريت ..دارفور

الرجل الذي يتحاشى أن يطلع الأخرون على أسراره يتجه إلى وزارة الدفاع، ووقتها أكبر العمليات العسكرية للقضاء على التمرد في الجنوب تراوح مكانها، وعرفت في أدبيات الجيش بصيف العبور، العام 2000 كان في نهايته، تعقيدات كبيرة تكتنف الحرب، وعلى الرغم من إن الهجوم الكثيف الذي شنه الجيش الشعبي مسنودا بقوات يوغندية في عملية “الأمطار الغزيرة” قد انحسر..إلا إن البلاد لم تفك عزلتها بالكامل، العراق وليبيا وحدهما من يقدمان العون ..الجيش يحتاج إلى عتاد وتدريب ومهمات..الجيش ظل صامدا وزير الدفاع بكري تمكن من الحفاظ على أوضاع المعركة التي كانت سجالا بين الجانبين..رد الخطر عن جوبا وحقق انتصارات هنا وهناك..وقتها نيفاشا لاحت في الأفق ومفاوضات اندلعت في مشاكوس ..لما بلغ الوسطاء مرحلة بروتكول الترتيبات الأمنية كان رأيهم أن يحضر وزير الدفاع شخصيا ..ظنهم أن وجوده سيسهم في تجاوز نقاط الخلاف وتسريع الحل ..وزير الدفاع بكري كانت يده على الزناد لا يصرح ولا يتكلم في السياسة..فعلا وصل بكري إلى المفاوضات ..المفارقة أنه ظهر أكثر تمسكا بالنقاط الخلافية من المفاوضين أنفسهم ..أعترض على عدد قوات الجيش الشعبي ولم يجد الوسطاء بدا من تقليصها من 1500 إلى 1200 ، تعنت في مسألة القوات المشتركة ولم يقبل الفكرة إلا بعد أن أصر عليها الطرف الآخر وكادت تنسف المفاوضات وقال د.جون قرنق قولته المشهورة” أنا أندمجت من قبل من المستحيل أن أندمج مرة ثانية” وكان يعني اتفاقية أدس أبابا 72،

والذي أدهش الوسطاء عندما تلوا وثيقة التفاوض والتي حوت “أن تنسحب القوات المسلحة إلى وراء خط 13 شمالا ” وقف بكري واعترض بشدة وقال ” القوات المسلحة لا تنسحب” وطلب بأن تستبدل بإعادة انتشار القوات المسلحة ..و في هذا السياق مؤكد أن اتفاقية السلام من أهم الأحداث في عهد ولايته في الدفاع، غير أن هنالك حدثين في عهده كوزير دفاع لا يمكن تجاهلهما، أولها إحتلال مدينة توريت ..الذي وقع في المراحل الأخيرة من مفاوضات نيفاشا عندما تحين الجيش الشعبي الفرصة لمهاجمتها واحتلالها ..هنا غضب بكري ودخل على الرئيس البشير وطلب أن تتوقف المفاوضات فورا ..علي عثمان محمد  طه نائب الرئيس السابق كان منخرطا في المفاوضات، ولما بلغه الأمر استجاب وعاد ووفده للخرطوم..الحادث الثاني يتعلق بدارفور إذ أنها خلال تلك الفترة خرجت من طور النهب المسلح إلى حرب صريحة طرفها حركات مسلحة تقاتل القوات المسلحة ..وتكشفت على حقيقتها بمهاجمة قوات أركو مناوي مدينة الفاشر واختطاف قائد سلاح الجو من مطار الفاشر ..هنا كشف وزير الدفاع بكري عن خطة للقضاء على التمرد .بيد أن نيفاشا لم تسعفه لأن التوقيع عليها تبعته ترتيبات من نتائجها عودة بكري للقصر وخلفه على وزارة الدفاع أيضا عبد الرحيم محمد حسين.

كاتم الأسرار يعود

بعد اتفاقية السلام وفي التشكيل الوزاري الذي أعقبها عاد كاتم الأسرار إلى القصر وزيرا لشؤون الرئاسة، ليمضى هذه المرة ثمانية سنوات حسوما، لم تنتهي إلا بتعيينه في المكتب المجاور للرئيس نائبا له، في أغسطس 2012، طوال الثمانية سنوات ظل بكري ملازما للرئيس وهو من يحدد جدول أعماله ومقابلاته ويرتب رحلاته الداخلية والخارجية ويشرف على ميزانية القصر ويتلوالمراسيم الجمهورية، مؤكد أنه فارق النظارة السوداء التي كانت تخفي تفاصيل وجهه، ولكنه لم يتزحزح عن صمته، ثمانية سنوات وبكري وزير شؤون الرئاسة شحيح على الإعلام ..في مرة طلبت من مساعديه أن أجري معه مقابلة ..رحبوا جدا وبعد نهاية الحفل إعتذروا مني وعلى شفاههم ابتسامة وقالوا “الريس ما بعمل مقابلات صحفية”

النائب الأول بكري

الفريق أول بكري جلس في المكتب المجاور لرفيق دربه لأكثر من 24 سنة المشير البشير..في مكتب نائب الرئيس الذي سبقه عليه علي عثمان محمد طه  وسلفاكير ميارديت ..خلال إنابته للرئيس ظهرت له صورة جديدة لم تكن معروفة عنه ، على الأقل لرجل الشارع، وهي صورة المصلح النزيه ، الذي يغضب من الفساد والمفسدين، وكاد يصبح أيقونة لمكافحة الفساد، على الرغم من إن المجرمين الحقيقيين لم تتم معاقبتهم حتى اليوم ، ولم يقدم أحد لمحاكمة حقيقية، وظل متمسكا بصمته وتخفيه عن كاميرات الإعلام

رئيس الوزراء

 المقربون منه وخدموا إلى جواره في القصر يؤكدون أن الرجل خفيف الظل ..يحب المداعبه ويتحدث في كل شيء ..عدا ما يدور في عمله ..وقالوا أن دقة العسكريين لم تفارقه ويمارسها بتطرف ويكاد يشرف على كل شيء شخصيا..بكري بلغ من سنوات العمر (69) عاما ..وفي سنوات السلطة 82 عاما ..هو الآن يختبر وظيفة جديدة، وهي رئيس وزراء، مع احتافظه بوظيفته القديمة نائبا أولا، ليؤكد ثقة الرئيس المطلقة فيه، أو بالأحرى ليؤكد تهيئته لخلافته على مقعد الرئاسة نفسه كما اتفق المحللون وكما يسرب المقربون من أروقة القصر الجمهوري، غير إن الذي يجمع عليه الجميع بأنه بات من الواضح العصر الذي يضع حدا للإسلاميين المدنيين، ومن سينفذ الانقلاب الناعم عليهم وإبعادهم عن دائرة الحكم.