إستشراف
قبل ما يُقارب الأربعة أعوام عزَّز من إلتصاقي بمكتبة الأغنية السودانية صديقي المثقف الموسوعي أمين حسب الرسول في إحدي زياراته بأن دفع تجاهي بذاكرة رقمية حوت كنزاً من الأغنيات، زادت من معرفتي بعمالقة لم يحظ جيلنا بحكم العمر من الإستماع إليهم جميعاً، أضفتها إلي ما جمعت لتكتسب مكتبتي الموسيقية سودنة كاملة الدسم، فها هو صوت خليل فرح يتربع على عرش القائمة، و ذاك سرور يسحرني بأداءٍ جعل الذاكرة تفتح طاقة تخيلها لتوائم بين كلمات الأغنيات والحقب الزمنية التي تغنت فيها، سكنني صوت سرور بشوق لأصدقائي علي العجب المحامي والصحفية إيمان اَدم فهما من دفعاني للإستماع إليه في العام 2007م، حينما أعدت الإذاعة السودانية أغنيات العديد من الفنانيين السودانيين و دفعت بها إلي أشرطة الكاسيت لتطلق سراحها في الهواء الطلق، تسرب عنان الذكري بشجن فوق إحتمال طاقة الذاكرة حد إتساعها علي تلك اللحظات الخالدات وجداً و أنساً حميم مع علي و إيمان .
أما صوت الراحل محمد أحمد عوض فهو يُشجيني بروعة الأداء المدوزن علي ( الرق ) و(الطبلة)، يكشف طلاوة التغريد من ’’ لدن’’ تطريب باهر ، هكذا صرت أتباهي بمعرفة أداء محمود علي الحاج، و أجيالٍ و أجيالٍ، فإكتمال قاموس ’’السودنة ’’ الغنائي لم يكن بالأمر السهل فقد أكسبني إلتقاط الوصف في دسامته المُشبَّعة ب( ياليلي هوي ياليل)، رافقت السفر طرباً برفقة قائد الأسطول مبارك حسن بركات، طرت دون أجنحة بين ’’ طيات السحاب ’’ مع إبراهيم الكاشف، و الكشف عن العتاب الشفيف من الحبيب السمير ،علي ذات طريقة أدائه ’’ قف تأمل’’ وقفت حابساً أنفاسي مع الراحل زيدان إبراهيم وروعة الأداء في ’’ داوي ناري ’’ فليت الحبيب تمهل ، فاَهات زيدان أو شجن اللوعة جسدها لوحة موسيقية كاملة .
إستشراف الصباحات مع ’’ عم عبدالرحيم’’ في حضرة راحلين ’’مقيمين في الوجدان ’’ محمد الحسن سالم ’’حميد ’’و مصطفي سيد أحمد ظل يُوازي البشارة التي تسعد الخاطر عند إقترانها بساعات الصباح الأولي، عفاريت البهجة تسكن المفاصل مقاماً حين يرتفع صوت ’’الحوت’’ محمود عبدالعزيز في ’’سكت الرباب ’’، أُمعن في عزف الدكتور الفاتح حسين، فأغوص مردداً في حنين ’’ طول الطريق أمشيهو كيف بين المغارب والمساء’’، بالرغم من الوقت هو ميقات الظهيرة الإ أن صوت سمية حسن برفقة كورال معهد الموسيقي والمسرح أعاد التوقيت إلي ’’ فلق الصباح’’ ، فما أجمل التوزيع الموسيقي و ما أروع( لطيف الطيف) .
’’ الرحيل في الليل’’ عبدالرحيم أبوذُكري و مصطفي سيد أحمد، أخالها تحتاج إلي إذن للإستماع إليها فهي لوحة فنية، اللحن أسكن كل حرفٍ نوتة موسيقة كاملة، هي عندي أميز شعر تغني به مصطفي و أروع ما سمعت، حين أهداني أستاذي و صديقي التجاني حسن المحامي رواية ’’ مرسي فاطمة’’ للروائي الإريتري ’’ حجي جابر’’قالي أخاف أن تشغلك قراءتها عنا، أفسحت لها مكاناً علي حقيبتي اليدوية التي كانت ممتلئة علي اَخرها بأن فاضلت بينها وبين الأوراق التي سأجدها علي الشبكة العنكبوتية لتستقر علي مهل، أصاب التجاني فقد إستقرت بين يدي قبل أن تقلع طائرتي، حلق بي ’’ حجي ’’ عالياً، غصتُ متناسياً نداء كابتن الطائرة بالإبقاء علي الأحزمة تفادياً لبعض المطبات الهوائية، تنازلت عن وجبة الإفطار التي تناولتها لأضعها جانباً فكلي مملوك ذاك العالم الساحر ، في الطريق إلي ( ساوا) داهمني الرحيل في الليل، باغتتني المرأة الجالسة علي جانبي بإلتفاته عقبتها إبتسامة حين إنتبهت فبادلتها الإلتفات لأردد في سري ( عذراً ) أنا في محرابي المقدس..
صبابة
دروك راقص يهز الكتف والوجدان في رشاقة علي أنغام أغنيات الأمهرينه، يضرب علي الأرض كلما حرضه إيقاع الطبل لأن يفعل في دوزنة تتسق و حال الرقص المسكون بالسحر الشفيف، عرفته مسارح الرقص في مدينة ’’جوبا’’ بجنوب السودان، مع أحدي الفرق الأثيوبية، فهو ’’ الصبي المحترف’’ الذي يستجيب لنداء أمسياتها بشلالاتٍ تتدفق فرحاً، صافحني بعد أن تولي ’’حمادة ’’ تقديمنا لبعض، و ل’’حمادة ’’ سيرة فتيً جسدَّت حال وطن يُعرِّفه الساسة ب ’’السودانان ’’ بينما يصر عليه الوجدان نداءاً ب(سودان ما قبل الإنفصال)، سارت الشوارع تنادي عليه ب’’ حمادة’’ فذاك ما أطلقته عليه القابلة التي شهدت صرخته الأولي بمدينة ’’ واو’’ فلازمه ظلاً وهوية، لتمضي السنون و يلتئم شمل الأسرة عند مقرن النيلين بعد أن فرقت الحرب بينها ليلتقي جده رجل الدين المسيحي الذي غير دفة النداء من ’’ حمادة ’’ إلي ’’باترك’’ محمولاً علي يقين ديني ، ’’دروك’’ سكنه عشق للراحل الفنان محمد وردي فأخذ في مباشرة وطدت من علاقتنا سؤالي إن كنت أحتفظ بإغنيات له، أومأت بالإيجاب فتوهجت إبتسامته بالغبطة، إستمر في إلحاحٍ محاولاً دفعي للكشف عن أسماء الأغنيات التي بحوزتي، لم يمهلني للإجابة فأخذ مسترسلا و مستفسراً ’’عندك في أغنية 19 سنة؟’’، ثم مد حبل الثرثرة عن حفلة الراحل وردي بمدينة أديس ابابا في العام 1994م، عمراً يبدو دروك في نهاية العقد الثاني من العمر ، لا أحسبه ضمن من إستبد بهم الطرب في ذاك الحفل لكنه تأكيداً لأواصر الإرتباط و المحبة جعله يُشير إليه، تركته وأنا أكثر يقيناً بأن ما سكبه الراحل وردي في ذاك الحفل دلف مرتاح الخاطر ليسكن صفحات التاريخ الخالدات .
دمعة شوق
الساعه تستقبل الواحدة و الثلث ظهراً من الثاني من فبراير 2014م ، كنت أرقب ذاك النهر الذي ( عاكسه الخصر ) عند مقرن النيلين ( قليلاً فمال) من علي نافذة الطائرة التي إرتقت تودع مطار ’’ جوبا الدولي ’’ لدولة جنوب السودان ، لوح قلبي بالوداع علي المدينة التي بدأت أسقف مبانيها المكعبة علي نسق معمار شرق إفريقيا بلونها القرمزي زاهية مع إنعكاس الخضرة التي أمتدت علي مد البصر علي ضفتي النهر الراسي، باغتني سري سائلاً و كم خصر تحزم بالأناقة قبالة جوبا ؟.
أبتسمت قبل أن أهمس له بذات ’’التون’’ يبدو أن النهر في كمال ’’ أُبهته’’
’’سلام عليك يا إبنة النهر الفتية ’’
رددتها قبل أن تختفي ملامح ’’ جوبا ’’ رهاباً .. رهاب
’ تلك الصلاة كانت كانت ودعاً بالستر و أَسف علي إشتعال فوهات البنادق التي أجبربت عصافير الطمانينة أن تفر من سمائها، و الطائرة ترتفع بذات السرعة تدفقت المشاهد تتحكر علي وجدان الحنين، أغصان أشجار المنقي وهي تلامس صفحة النهر عند تلك النقطة تعودت التردد عليها بالقرب من فندق ( ٍSTAR )، قفزت الذاكرة إلي مشاهد جعلتني دون شعور أردد مقطع من الحجل بالرجل كان ذاك تمهيداً لإستشراف ذكري قريبة من ذات الطقس، إلي مقهي بدأت فيه كتابة رواية ’’بوتابيكا ’’ المكان الذي داهمني فيه ذاك الصوت المليئي بالشجن و الحنين وهو يردد، في سياق ثرثرتة الحميمة مع أصدقائه الذين تقاسمنا معهم الجلوس في المكان، بعض الأغنيات والتي استوقفتني فيها أغنية ( الحجل بالرجل )، واصل ’’دينق’’ في دفق شجونه مُتحسر اً علي ما فعلته السياسية بالوطن، مضي يستعرض ذكرياته و الأصحاب منو فيكم حافظ أغنية سكت الرباب ؟.
يا غالية يا زينة حياتي
صامويل أو ( سامي) كيفما يكون الحال، مرحاباً فتقاسيم الوجه تسكنها جينات البشاشة، بينه و التقرنه طلاقة لسان يتخذها كلغةِ أمٍ أما اللغة الإيطالية تعلمها من والده حيث تدرج صبياً في المكانيكا في الورشة التي يديرها ليتخصص في كهرباء السيارات والماكينات، إبتسم له الحظ لينهي الخدمة العسكرية في إريتريا فعبر الحدود حيث الهروب من السجن الكبير، منحته خبرته فرصة عمل سريعة مع إحدي الشركات التي تعمل في مجال المولدات الكهربائية، فجاب السودان قبل مغادرته إلي جوبا حاملاً ذكريات من نيالا، سواكن، كسلا و الخرطوم ولغة عربية بينها و التقرنا تقاطعات نطق الحروف، يا محمد في أغنية تقول ( يا غاليه يا زينة حياتي أنت تعرف؟ فأجبت علي الفور للراحل زيدان إبراهيم، للحظة بدأت أحاول تجسير العلاقة بينه وزيدان ذاك البريق الذي لمع من عينيه مسكوناً بإطمئنانٍ سري ليسكنني بأن دفة الونسة تسير نحو سودنة غنائية بهيجة الملامح، فرحت أُثرثر قدر طاقتي عن الراحل زيدان وتميزه و رقة أدائه، علاقته بعمر الشاعر و التجاني حاج موسي، ظل ينصت بإهتمام طيلة ما قارب الخمس دقائق إلى أن قاطعني ياخ مالك ! هو غناي شديد و الله، كان ذاك تمهيداً ليمد لي هاتفه المحمول قائلاً أنا بفتش في أغنية يا غالية يازينة حياتي لكن ما قدرت عليها، ساعدني مشغل ال( YouTube) لأبحث في ثوانٍ عن الأغنية بصوت زيدان، فصاح مبتهجاً شكراً والله يا محمد، تركته منداحاً مع الأغنية التي لم يُشاتر في تريدها و لم ينشرق بعيداً عن إيقاع زمنها .
سكنني الشغف في معرفة سر ( تلك الريدة)، والعلاقة التي ربطته بالأغنية، ضحك سامي قائلاً أول مره مشيت السودان في 2008، مشيت سواكن في زول قريبي مشيت معاه مطعم الأغنية دي كانت شغالة وعجبتني، مضت سنون و أنا أنتقل بين مدن السودان، أحببت غناء محمود عبدالعزيز ، صوته قوي شديد، واصل في 2011م ساقني قدري للإعتقال بمدينة كسلا، بعد أيام رافقني بالمعتقل أحد التجار القادمين من الخرطوم، تفاجأت به في صباح اليوم الأول بعد أن نهض أخذ في ترديد ذات الأغنية التي أعادتني إلي شغفي بها عند سماعي لها في المرة الأولي بمدينة سواكن، هكذا كان حال رفيقي في في الصباحات، ضحك سامي ثم واصل أنا حفظت منو الأغنية لأنه كان كل يوم بيغنيها لما عرف أنو أنا بحيها بقي يغنيها بالليل قبل النوم كمان! خرجت من المعتقل زادي أغنية ’’يا غالية يا زينة حياتي ’’.

فات الأوان و العشق ’’جيبوتي’’
باغتني ( السادات ) الجالس علي الجانب الآخر بالسؤال قائلاً انت سوداني ؟ بتتكلم عربي ؟ ممكن تترجم لي اغنية؟ هكذا صوب كل تلك الأسئلة دفعة واحدة، ترددت قليلاً فما أصعبها مهمة، فالشاب الذي يبدو في بداية الثلاثينات تنحدر أصوله من أرض الصومال لكنه تقاسم النشأه بينها و بين جيبوتي، بدأ بتشغيل الأغنية من هاتفه المحمول لأكتشف حجم الورطة التي حملها تأهب إحساسه لبدء الترجمة، سري صوت صلاح بن البادية قويا و جميلاً“ فات الآوان والإنكتب علي جبينا الليلة بان “، بذلت جهداً كبيراً في الا أُخيب ظنه، ظل يُردد بين الحين و الآخر ( مشاء الله)، أضاف أنا درست العربي عند تحفيظ القرآن لكن سوط الشيخ المرتفع في محاذاة الظهر جعلني أكره تعلمها في ذات السياق، انتهت الأغنية ليسالني مختبراً تعرف أغنية ’’أودعكم ’’ ؟
فأسرعت مجيباً أجل إنها للراحل سيد خليفة، تأسف لرحيلة وأخذ يسأل عن تاريخ ذلك قبل أن يفاجأني بأنه يحتفظ بصورة معه عندما زار جيبوتي في وقت سابق، دفعت ناحيتة باغنية أندريا تؤديها الفنانة نناسي عجاج في حفل بدبي 2014م ، ليباغتني بسؤال آخر هل السودانيين عرب؟.
تادرس … و الحنين إلي الديم
بينها والسحر منبت حسن و جمال، وعلاقتها بالروعة شبكيات من الحسن المسكونة بالدعة، فهي عروس المدائن التي ظلت علي مدار العمر تخضب يديها الحناء، مدينة جنيف السويسرية حاضرة في دنيا الجمال و المال و الحياه في صورتها المتحضرة، الوز علي بحيرتها يسبح كأنه يسبح بحمد الماء، كل ما فيها وحولها يجعل الروح ترتقي نحو الراحة و الإطمئنان، علي بعد محطتين من محطة (الكارنفا ) الرئيسية في اتجاه كان لقائي بالأصدقاء الذين بادرت بالإتصال بهم عند وصولي، كان موعدنا مساء لم يتجاوز السابعة بعد، وصلت إلي المكان الذي ساعدتني الخريطة في الوصول إليه ماشيا فقد كنت أتمني أن أسير لأعرف الكثير عن تلك الساحرة، وصلت إلي العنوان الذي كان مطعماً إثيوبياً أشارت لافتته التي كُتبت بالإنجليزية باللون الأصفر ’’Awash’’، دلفت فقد كان المكان دافئا مقارنة بالجو البارد في شهر أكتوبر ، رحب بنا صاحب المحل الذي حيا أصدقائي بمودة كبيرة، عاد بعض قليل ليخطرننا بإبتسامة مرحة بأن المشروبات التي طلبناها في البدء لن تشملها الفاتورة، مضي المكان يحتشد بالرواد رويداً رويدا فاليوم كان مساء الجمعة، دارت الموسيقي بأغنيةٍ للراحل سيد حليفة رفعت يدي ملوحا بالشكر علي ذاك الإستقبال، مضت الأغنيات متنوعة بين الامهريه والتقرينيه والسودانية، وقفت علي حواف الإنصات حين لامست مسامعي أغنية زينوبا بصوت الراحل ’’محمود عبدالعزيز ’’فاستبد بي الطرب تمايلاً و أنا جالس، ذلك ما حرضه ليجعل مسار الأغنية التالية أيضاً سودانية بصوت الراحل’’ محمد وردي ’’ و التي بدأت ب :
خلاااااااااااس كبرت وليك تسعتاشر سنة .
نهضت محمولاً علي تحريض من شاب عرفته لاحقاً بإسم ’’ تادرس’’ حينما أشار بلغة الجسد المشتعله بالطرب ناحية الباحة التي يتفسح فيها المجال للرقص بعيداً عن زحام الطاولات، كان تادارس الذي إنحدرت أصوله من الهضبة الإريترية راقصاً ماهراً إمتلك ناصية الرقص ’’ الرسم ’’ بكل جسده، باغتني بعربية سليمة انا ’’ود الديم يا مان’’، عرفت منه أنه قضي بحي الديم الخرطوم خمسة عشر عاماً قبل وصولة إلي سويسرا، إشتقنا للخرطوم ياخ ! .
الخرطوم و إن طال السفر
كيف الحال يا أخي، قالها بشير الطالب الجامعي، بعد أن صادف وقوفه في مسار الحديث بيني و صديق سوداني، حيث كنا جلوساً في إسترخاء اللقاءات التي تجمع سوداني المنافي نجتر الذكريات و نحكي عن المسافة و الشجن و الغربة التي سكنت المفاصل، دلته لهجتنا علي أن يستبين لنا إنتماء للسودان، جلس علي مقربة منا في كرسي مجاور، إنفصال جنوب السودان دفع معه قاموس جديد تردد كثيرا علي مسامعي، الخرطوم و لا جوبا ؟.
قادم آخر يبدو في العقد الخامس من العمر إنضم إلي’’ بشير’’ ، الذي سعى إلي تعريفنا به ليمنحه أسم’’ علي ’’ ، و يُضيف إلي إسمي و صديقي ’’ من السودان’’ إتسعت إبتسامته تمهيداً لإبتدار حديث ساقه شكراً للسودان والشعب السوداني علي فرص التعليم التي أُتيحت للطلاب الصومالين، مضي مسترسلاً نحن نحب الشعب السوداني، في مباغتة سأل ’’ علي ’’ عن الراحل سيد خلفيه لم يتمكن من إستحضار الإسم إلا بعدأن إستدرجته بذكر أغنية له، فكانت أزيكم .. كيفنكم أنا لي زمان ما شفتكم، رددناها معاً فخرج عن وقاره الذي رسمه عند مقيات الحضور الأول، بشير محاولاً الإمسكاك بدفة الحديث، ليؤكد ما ذهب إليه كل الصومالين بيعرفوا محمد وردي، جدتي كانت تحفظ كل أغانيه تحسر علي إهماله اللغة العربية التي بدأ تعلمها باللمملكة العربية السعودية التي قضي فيها بعض من طفولة قبل أن يُغادرها إلي دولة كينيا لينفتح علي السواحلية و الإنجليزية، سار متباهياً بأن والده يعشق الأغنيات السودانية كما يتقن العربية، لقد زار الخرطوم في وقت سابق، مضي قائلاً لقد أحسن والدي وصف الخرطوم ، قبل أن يختم حديثه إن شالله يوماً ما سأزورها .
موسيقي الختام
هذا كان حالُ غنائنا وصلاُ بين كل أفريقيا رغم إنني هنا تناولت القرن الافريقي فقط، فقد كانت هنالك فرصة ذهبية ليصبح السودان مركزاً فنياً في قلب إفريقيا، فقد امتلك كل المقومات التي تُمكنه من ذلك، فهنالك كلية الموسيقي والدراما و تاريخها العريق بالرغم مما طالها خلال الثلاث عقود المنصرمة، لو أمعنا التفكير في إقتصاد الفن لأدركنا حجم الفرص الضائعة و التي كانت يمكن أن تجعل من الخرطوم هوليود غنائية و موسيقية، فيكفي أن الراحل محمد وردي أستقبل بعقود من الذهب شبالات عندما غني في هارقسا عاصمة جهمورية أرض الصومال و أن أستاد أديس أبابا إمتلأ علي آخره عندما صدح في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا في العام 1994م.