بابكر فيصل بابكر

“صفَّرنا العدَّاد.. والمرحلة الثالثة للإنقاذ تتشكل بقوة هذه الأيام”, هذه العبارة الدالة التي لخَّص بها مدير مكتب الرئيس طه عثمان الحسين حواره الأخطر مع صحيفة “اليوم التالي” في يناير الماضي, لم تكن سوى تعبير كلاسيكي عن المراحل التي تمرُّ بها علاقة “العساكر” مع “الأحزاب” التي تتخَّذ منهم وسيلة للوصول للسلطة عبر الإنقلاب العسكري.

في تجربة “حزب البعث” في سوريا, إستولت اللجنة العسكرية للحزب على السلطة بالإنقلاب العسكري في عام 1963 وهو الإنقلاب الذي تم التخطيط له وتنفيذه بموافقة زعيم الحزب ومؤسسه “ميشيل عفلق”, ولكن سرعان ما دبَّت الخلافات بين القيادة القومية بزعامة عفلق وأمين الحافظ من جهة, واللجنة العسكرية بقيادة “صلاح جديد” من جهة أخرى حيث تمكن الأخير من الإستيلاء على السلطة في 1966 , ليتكرَّر ذات السيناريو بإنقلاب “حافظ الأسد” الذي أطاح فيه برئاسة صلاح جديد عام 1970.

تجربة جعفر النميري مع “الحزب الشيوعي” و”القوميين العرب” أيضاً تفيد في هذا الخصوص, حيث إستعانت به قوى معتبرة من كلا المعسكرين لتدبير الإنقلاب العسكري في مايو 1969, ولكنه سرعان ما تخلص من كليهما, ودخل في مراحل مختلفة من التحالفات, كان آخرها إستعانته “بالإخوان المسلمين” حتى أطيح بنظامه في أبريل 1989.

تجربة الإنقاذ مرَّت بثلاث مراحل, إنتهت الأولى منها بالصدام والتخلص من عرَّاب النظام الدكتور حسن الترابي بعد عشر سنوات من قيام الإنقلاب العسكري, أي في عام 1999, وفي هذه المرحلة إشترك الرمز العسكري “عمر البشير” مع تلاميذ الترابي المُقربين في التخلص منه, وكانت هذه المرحلة – في تقدير كاتب هذه السطور – هى الأخطر التي إجتازها القائد العسكري في سبيل توطيد أركان حكمه, وخرج منها منتصراً.

ساهمت المرحلة أعلاه في تقوية نفوذ القائد العسكري في مواجهة الأطر الحزبية بصورة كبيرة, حيث إختفى الزعيم المُلهم, ولم يعُد هناك منافس سوى بعض القيادات الحزبية المتشاكسة والتي بدأت تتصارع مبكراً حول وراثة المقعد, ولكن الرئيس إستطاع بهدوء شديد- وبعد تمكنه من السيطرة على مفاصل الحزب- من التخلص منهم جميعاً بضربة واحدة في عام 2013 بدعوى تجديد الدماء, لينفرد بقيادة الدولة والحزب دون منافس.

جاءت المرحلة الثالثة – التي أشار لها مدير مكتب الرئيس – في ظل أوضاع داخلية مأزومة للغاية, أزمة إقتصادية مستحكِمة وحروب أهلية مستعرة وحصار دولي خانق, حيث لم تجد الحكومة سبيلاً للإنفكاك منها سوى إحداث تحول جذري في علاقات السودان الخارجية, وهو الأمر الذي بدأت ملامحه في الظهور في سبتمبر من عام 2014 حينما أمرت السلطات- في خطوة فاجأت الكثيرين – بإغلاق المركز الثقافي الإيراني في الخرطوم وطالبت الملحق الثقافي بمغادرة الخرطوم خلال 72 ساعة.

ثم جاءت مشاركة السودان العسكرية في “عاصفة الحزم” ضمن الحلف الذي تقوده السعودية في اليمن ضد التمرد الحوثي المدعوم من إيران, ومن ثم تسارعت خطوات التطبيع مع دول الخليج العربي بعد فتور في العلاقات دام لسنوات طويلة, حتى إنتهى الأمر بالسودان لاعباً أساسياً ضمن معسكر “الإعتدال العربي”.

مطلوبات التواجد ضمن هذا المعسكر لا تقتصرُ فقط على الوقوف في وجه إيران والسعي للإنتقال من خانة العداء لإسرائيل ووقف دعم حركة “حماس”, بل تتطلبُ أكثر من ذلك “فك الإرتباط” مع جماعة الأخوان المسلمين, في مقابل تدفق الإستثمارات العربية ورفع العقوبات الأمريكية وإعادة إدماج السودان في المجتمع الدولي.

بقاء القائد العسكري في دست الحكم لحوالى ثلاثة عقود مكنَّه من إجادة لعبة الإستمرار عبر توظيف التناقضات داخل الحزب الحاكم الذي أصابه الوهن جرَّاء الصراعات والإنقسامات والتنافس بين مجموعات المصالح وفقدان المشروع لبريق الآيدلوجيا وهجر الكثيرين له, مما أدى لتركيز القرار في يد الرئيس ومجموعة صغيرة جداً تتحلق حوله.

كذلك فإنَّ القائد العسكري, والذي أبدى كثيراً رغبته في الرحيل بعد أن “فتر” من مسؤولية الحُكم على حد تعبيره, لا يرغب في مغادرة الكرسي قبل أن يطمئن على مستقبله الشخصي في المرحلة التالية, وهو الأمر الذي لن يضمنه في ظل خلافة أية فرد من الحزب الحاكم, فقد رأى بأم عينيه كيف أنَّ تلاميذ الدكتور الترابي الذين إصطنعهم لنفسه قد تنكروا له قبل صياح الديك مرتين, فلماذا لا يكررون ذات الشيء معه هو ؟

تلفت القائد العسكري يُمنة ويسرة, فلم يجد سوى رفيق دربه في “المظلات” وسنده الأول ليلة إنقلاب يونيو 1989 والوحيد الذي تبقى بجواره من مجلس العسكر, بكري حسن صالح, فالرئيس في هذه المرحلة لا يبحث عن خليفةٍ مرَّ عبر حلقات الذكر ومدارس الكادر و معسكرات و خلوات الأخوان, ولكنه مدفوعٌ بالكلمة السحرية الأهم في هذا التوقيت : الثقة, وهى الكلمة التي لا تتوفرُ في شخصٍ آخر أكثر من نائبه الأول.

من أهم ما أسفرت عنه المرحلة الثالثة من مراحل حكم الإنقاذ وسعى له القائد العسكري هو أن يجعل من نائبه الخيار الأفضل حتى بالنسبة لعضوية المؤتمر الوطني التي تأملت في وجوه قادتها الحاليين ولم تجد بينهم منافساً للفريق بكري يصلح لأن يصبح رجل البلاد الأول, وكانت رحلة تمكين النائب قد بدأت منذ أن إحتل موقعاً متقدماً في “الحركة الإسلامية” ثم هاهو يصبح رئيساً للوزراء, وقبل ذلك نائباً لرئيس الحزب والدولة.

غير أنَّ أهم ملامح هذه المرحلة على الإطلاق تمثل في التهميش الكبير لدور الحزب وتقوية مركز القائد العسكري, وليس أدلَّ على ذلك من أنَّ القرارات المصيرية الكبرى لم تمر أبداً عبر القنوات الحزبية ولو من باب المشورة وأخذ الرأي, وقد قرأنا في حوار “اليوم التالي” رواية مدير مكتب الرئيس للطريقة التي تم بها إتخاذ قرار المشاركة في عملية “عاصفة الحزم”.

لا شك أنَّ القائد العسكري بات مُمسكاً بزمام الأمور بالكامل, وقد أصبح مبدأ “تفويض” الرئيس لإتخاذ القرارات هو المبدأ السائد داخل أروقة الحزب والحكومة, ومؤخراً تم تفويضه لتشكيل الحكومة القادمة التي لا شك أنه سيعمد لإختيار عناصرها بالطريقة التي تعِّزز من أهداف ومطلوبات المرحلة الحالية, وقد رأينا كيف أنه وجَّه رسالة دالة لأعضاء الحزب الحاكم  قال فيها أن المؤتمر الوطني سيتحمل النصيب الأكبر من التضحيات في التشكيل الوزاري القادم.

إنَّ المرحلة الحالية شديدة الدقة والحساسية ولا تقلُّ خطراً عن مرحلة إقصاء عرَّاب النظام الراحل “الترابي”, فالرئيس يعلم أنَّه ليس من السهل التخلص من حلفائه بضربةٍ واحدةٍ قاضية, فمهما تكن حالة الضعف التي آلت إليها أحوال حزب المؤتمر الوطني وأنصاره, فإنهم ربما لم يفقدوا مصادر قوتهم بالكامل, فقد ظلوا متواجدين بكثافة في مفاصل الدولة ومؤسساتها وأجهزتها لحوالى ثلاثة عقود هى عُمر حكم الإنقاذ.

ولكن من الناحية الأخرى, فإنّ الكثيرين من أتباع الحزب الحاكم أضحوا يتنافسون في التقرُّب و إظهار الولاء للطرف الأقوى, كما آثر أخرون الإنزواء بعد الفشل الذريع الذي أصاب المشروع الآيديلوجي, بينما بات الحفاظ على الوضع الراهن على علاَّته هماً كبيراً لطيفٍ واسعٍ منهم خوفاً من وقوع تغيير جذري يضرب الجميع.

قد حُسم أمر خلافة الرئيس بعد ملء منصب رئيس الوزراء, وهذا الأمر لا شك سيصبُّ في خانة الإشارات التي يُراد إرسالها للحُلفاء الجدد في معسكر الإعتدال, وهؤلاء –خصوصاً دولة الأمارات – لهم حساسية واضحة ضد تواجد الأخوان المسلمين في الحكم, وهو كذلك ينبيء بتعزيز لدور العساكر في المرحلة القادمة, وهو الأمر الذي قد تكشف عنه الوجوه التي سيختارها الرئيس لقيادة حكومة الإنتقال.

في إجابة واضحة لمن يقولون أن مدير مكتب الرئيس هو الشخص الذي يقف وراء جميع القرارات السياسية الكبيرة, نفى الأخير في حواره المذكور هذا الشىء, وقال أن الرئيس يقول عن نفسه أنه “يفلق ويداوي”, في إشارة لإمساكه بزمام الأمور, وهو الأمر الذي أثبتته التجربة حتى الآن, حيث إستطاع البقاء في سدة الحكم لثلاثة عقود وأبعد جميع منافسيه – شأنه شأن النميري وحافظ الأسد وغيرهم – وهو أمرٌ ما كان ليتأتى له لولا سيطرته على مصادر القوة, وإتباعه لسياسة عملية وواقعية جعلت منه الرقم الأصعب في المشهد الراهن.

أمَّا الحزب الحاكم فقد أضحى في وضعٍ لا يُحسدُ عليه, فقيادته السياسية التي أعدها منذ سنوات طويلة قد أُجبرت على النزول للمعاش المبكر, وقيادته الشبابية المفترضة ليس لها حولٌ ولا قوة, وقد إكتفت من غنيمة السلطة بوجاهة المناصب الإسمية والمكاسب المادية المصاحبة لها, وبات الكل يتحلقون حول القائد العسكري ويتفرجون على الكيفية التي يُدير بها شأن البلاد ويبتسمون – في دهشة و حنق – إبتسامات مُرَّة و كأنهم يستلون من الشوك ذابلات الورود.

   boulkea@gmail.com