نبيل اديب

أخيراً وبعد معاناة طويلة تم تشكيل حكومة الوفاق الوطني، بمن وافق على الحصة المقررة، ضمن الأقلية التي شاركت في الحوار الوطني. إسم حكومة الوفاق الوطني هو اسم إختاره الدستور للحكومة التي تم تشكيلها في أواخر مساء الجمعة الماضي، وذلك وفقاً للمادة 79 من الدستور، بعد أن تم تعديلها بموجب التعديلات لدستورية الأخيرة . ورغم أن الدستور المعدل قد منح الحكومة ذلك الإسم، إلا أن ذلك يبقى مجرد هدف  على الحكومة نفسها أن تسعى لتحقيقه. الثابت هو أن الوفاق الوطني لا يقرره الدستور، ولكن الوفاق الوطني في نهاية الأمر يتحقق بالإرادة السياسية للفاعلين القادرين على إنتاجه وعلى رأسهم الحكومة. وهذا يعني أن حكومة الوفاق الوطني، كما يدل على ذلك إسمها، كان يجب أن تتشكل من الفاعلين الأساسيين في المجتمع السياسي السوداني، ولكن التشكيل الذي أذيع على الناس في أواخر مساء الجمعة الماضي، لا يمكن لنا مهما جمح بنا الخيال أن نعتبره كذلك.

ومع ذلك فإن هذا في حد ذاته لايجب أن يمنع  الحكومة من أن تسعى للوفاء بمهمتها الدستورية في أن تجعل من نفسها حكومة وفاق وطني، وذلك بأن تقوم بدعوة الفاعلين السياسين ممن تخلفوا عنها بالإنضمام إليها. ولا يكفي لتحقيق ذلك دعوة لفظية توجه لهم، بل يجب أن يدعمها أطروحات تمنح هذه الدعوة  قدر من الجدية، يجعلها مقبولة لمن رفض الإنضام إلى الحوار في إثناء جريانه.

هذه الأطروحات تبدأ ببيان جديتها في تنفيذ مخرجات الحوار الوطني التي جاءت على أساس منه، وهو أمر تؤكد الجاحة له أن ترجمة تلك المخرجات في التعديلات الدستورية بما شابها من إنتقاص من فاعلية تلك المخرجات، قد أكدت شكوك بعض القوى الفاعلة في جدوى الحوار نفسه. بالإضافة لذلك فإن على الحكومة أن تضمن أن الحوار الوطني لم ينته بعد، وأنه مازال قابلاً للإضافة من قبل الذين لم يشاركوا فيه. ولكن الأهم من هذا وذاك، ان تطرح حكومة الوفاق سياستها للفترة السابقة للإنتخابات القادمة، فيما يتعلق بجعل الوفاق الوطني حقيقة تمشي بين الناس .

معنى الوفاق الوطني

 الوفاق الوطني يتطلب أن يتم الإتفاق على الملامح الرئيسية للتعامل مع المشاكل المطروحة، أي على برامج سياسية محددة. وذلك يختلف بشكل أساسي في تقديرنا عن ما شهدناه في تشكيل الحكومة حتى الآن، والتي إقتصرت مفاوضاتها على تحديد حصص المشاركة دون أن يكون هنالك أي إشتراطات أو مفاوضات متصلة بالبرامج. لا يقولن أحد أن ذلك يعود إلى أن الجميع متفقون على مخرجات الحوار كبرنامج للحكومة ، لأننا نعلم أن هنالك تفسيرات مختلفة للحوار ويؤكد ذلك ما شاهدناه من صراع حول تفسيرها في التعديلات الدستورية بين المؤتمرين (الوطني والشعبي)، والذي نعلم جميعا أنه صراع حسمه المؤتمر الوطني بإرادته المنفردة، والتي قبل بها في نهاية الأمر المؤتمر الشعبي في إنتظار الجولة القادمة، أو على الأقل هذا ما برر به رضوخه لها. يقودنا كل ذلك للقول بأن مفاوضات تشكيل الحكومة لم تشهد إتفاق حول برنامجها، وهنا تكمن خطورة إعادة إنتاج الأزمة.

 الوفاق المبني على البرامج يختلف عن الوفاق المبني على إقتسام السلطة والمحاصصة، لأن ذلك الوفاق الأخير قد يؤدي إلى تعقيد المسائل بدلاً من حلها. هكذا فعل إقتسام السلطة فى إتفاق إديس أبابا الذي قام على منح جزء من السلطة لحاملي السلاح والمعارضين في الجنوب، ولكنه لم يحوي إتفاقا على برنامج ولا طريقة لإدارة الصراع. تم ذلك في تجاهل تام لطبيعة النظام المايوي الدكتاتوري، والتوتر القبلي الجنوبي، وهو الأمر الذي أدى لحرب أكثر شراسة بعد عقد من الزمان. و تكرر الأمر فى المصالحة الوطنية في العهد المايوي والتى حملت فى طياتها عوامل صراع أكثر مما حملت من عوامل وفاق، فقادت محاولات النظام لتحجيم مصالحيه، لسقوطه فى مستنقع الدجل الديني والحرب الأهلية. فى الواقع إن كل المصالحات السابقة قد تم تأسيسها على طريقة العامل المنزلى الكسول الذى يدفع بالأوساخ تحت السجادة .

لابد لنا هنا من أن نفرق بين أمرين الوفاق الوطني نفسه، وحكومة الوفاق الوطني. يجب علينا أن نسارع فنقول أن الوفاق الوطني لم يتحقق بعد، واي حديث غير ذلك لايعدو أن يكون مغالطة لا تخدع أحداً، فجبهات القتال مازالت مفتوحة، وكل ماتم هو مجرد وقف لإطلاق النار. والإحتقان السياسي على أشده، فمازالت الصحف تصادر، وبعض كتابها ممنوعون من الكتابة، ومازالت الإتهامات الجنائية توجه لافراد فقط بسبب قيامهم بالتعبير عن رأيهم، أو بنشاط سلمي سياسي يكفله الدستور.

 ولذلك فإن كل مايمكن أن نقوله في هذا الصدد هو أن هنالك فرصة لتحقيق الوفاق الوطني. وواجب الحكومة هنا ليس تحقيق الوفاق الوطني، إذ أن الوفاق الوطني لا تحققه الحكومة، ولكن يمكن لها فقط أن تخلق الشروط اللازمة لتحقيقه، وعلى الحكومة ان تفعل ذلك حتى تصبح بالفعل حكومة وفاق وطني. فماهو المطلوب من الحكومة للتوصل لذلك ؟

دور الحكومة في تحقيق الوفاق الوطني

ما يتوجب على الحكومة القيام به الآن ليس هو التوصل لإنهاء الخلاف بين البرامج السياسية المختلفة، فهذا مستحيل لمخالفته لطبيعة الأشياء، و الإصرار عليه يؤدى إلى تغليب إتجاه واحد على باقي الإتجاهات، وذلك لا يتم إلا قهراً. والوفاق الوطني لا يعني أن تتجمع الإتجاهات المختلفة فى حكومة “لحم راس” لأن ذلك في حد ذاته لا يوجد برنامجا موحداُ وينقل الصراع برمته إلى داخل الحكومة وذلك ما لم تكن للحكومة مهمة محددة، وهذه المهمة تتمثل في طريقة إدارة الصراع للتوصل للوفاق الوطني . إذ أنه لا يوجد مجتمع فى العالم يخلو من الصراع، وهو صراع فى الأساس إقتصادي من حيث كونه يدور حول السياسات التى يتوجب على الدولة تبنيها لتوفير وضع إقتصادي للدوائر التى يمثلها أصحاب الخطاب السياسي، إلا أنه غالباً ما يحمل غطاءً سياسباً أوثقافياً. لذلك كله فإن دور الحكومة حتى التوصل لذلك يجب أن يكون إدارة الصراع بشكل يمنع العنف، ولا سبيل لذلك إلا بقبول الخيار الديمقراطي الحقيقي . وعندما أتحدث عن الخيار الديمقراطي فأنا أتحدث عن منع الهيمنة فتاريخ السودان منذ الإستقلال وحتى الآن محاولة لفرض هيمنة اتجاه سياسي واحد، أو عنصر واحد، أو دين واحد، ولا يقتصر ذلك على الأنظمة العسكرية، بل إستمرت محاولة الهيمنة حتى في أثناء الفترات الديمقراطية. ولعبت هذه المحاولات الدور الرئيسي في اسقاط الديمقراطيات الثلاث. ومحاولة الهيمنة هي  في النهاية رفض للخيار الديمقراطي الذي يتيح التعايش لكل هذه القوى بالإعتراف الحقيقي، وليس اللفظي، بالتعدد. وهذا يتم بحرية التنظيم والتعبير ودورية وحرية الإنتخاب وتداول السلطة ، وبالإعتراف الحقيقي بتعدد الثقافات والسماح للثقافات المختلفة بالتعبير عن نفسها دون حجر أو وصاية بما في ذلك حق إستعمال لغاتها في دواوينها ومدارسها المحلية، والتطور الإقتصادي المتوازن. وبغير هذا كله سنظل في دائرة العنف الذي لم نخرج عنه منذ الإستقلال والذين يتحدثون عن المجتمع السوداني المسالم لا يرون الدم المراق بعيداً عن كاميرات الصحافة والتلفزيون.

الإلتزام بالدستورية

” السلطة تميل لإفساد صاحبها والسلطة المطلقة تفسد صاحبها بشكل مطلق . لذلك فإن الرجال العظماء هم فى الغالب الأعم رجال سيئين. ليس هنالك إعتقاداً أكثر فساداً من الإعتقاد بأن المركز الذى يتولاه الشخص يمنح صاحبه حصانة” لورد اكتون فى خطاب للاسقف ما نديل كريتون

أساس العملية الدستورية هو نفس الأساس الذي قامت عليه مخرجات الحوار الوطني وهو الأساس الوحيد الذي يمكن أن يقوم عليه الوفاق الوطني، ونعني به إخضاع السلطة العامة لحدود معلومة، وذلك ليس فقط عن طريق تشريع يحدد تلك الحدود، بل أيضا عن طريق خضوع السلطات لأحكامها وعدم السماح لسلطة واحدة بأن تنفرد بالأمر بل التقيد بالفصل بين السلطات مع منحها سلطة أن تراجع بعضها البعض، وأن تخضع للمحاسبة عندما تتجاوز تلك السلطة المحددة . هذا يتم فى كل أنظمة الحكم بدرجات متفاوتة، ومفتاح المسألة هو من صاحب السلطة فى المحاسبة. إن النصوص لا تعنى شيئاً بل تظل حبيسة الكتب عندما لا تتوفر لها الأجهزة والآليات القادرة والراغبة فى إنفاذها، ولعل الفترة التي تم حكم السودان بموجبها بالدستور الحالي هى أكثر الفترات فى تاريخ السودان دلالة على أن النصوص لا تعني شيئا طالما أن الجهات المنوط بها إنفاذها راغبة عن إنفاذها.  فقد كان السودان وما زال طوال الفترة التي تلت صدور الدستور يُحكم بدستور ديمقراطي هو الأحسن ضمن ما خبرنا من دساتير فيما يتعلق بالحريات العامة. فقد تضمن وثيقة حقوق رغم ما شابها من بعض القصور، إلا أنها إنتجت المادة 27 والتى أعتقد أنها أحسن نص دستوري فى مسألة الحريات العامة فى كل الدساتير السودانية، فقد فسرت جملة “فى حدود القانون” تفسيراً يتسق مع الفهم العالمي الديمقراطي، من حيث أن تلك الجملة لا تعني مصادرة الحقوق والحريات العامة، ولا الإنتقاص منها، ولكنها تجيز للقانون سلطة تنظيم تلك الحقوق فحسب. وأضافت للدستور أحكام العهود الدولية المتصلة بحقوق الإنسان، التى صادق عليها السودان وتضمنت أيضا المادة 48 التى ألزمت المحاكم العادية بصيانة الوثيقة وحمايتها وتطبيقها. بالإضافة لإشتمالها على حقوق الإنسان المعترف بها فى الفكر العالمى، أو أغلبها إن شئنا الدقة. ومع ذلك فإن الحكم فى هذه الفترة قد شابه إهدار لكثير من الحقوق الدستورية التى حملتها الوثيقة، ولم يستخدم القضاء بشقيه الدستوري والعادي سلطة المراجعة القضائية ولا مرة واحدة، رغم أن الحكومة نفسها أكدت لدى بداية الفترة الإنتقالية أن عدداً من القوانين يحتاج لإعادة إصدار، وبعض آخر للتعديل، حتى يتوافق مع الأحكام الدستورية ولم تفعل ولم يراجعها القضاء فى ذلك.

حياد أجهزة الدولة بالنسبة للصراع السياسي

” إذا  كان البشر ملائكة لن تكون هنلك حاجة لحكومة، وإذا كان الحكومة مشكلة من الملائكة ، فإنه لا حاجة لوضع كوابح على سلطتها لا من داخلها ولا من خارجها . ولكن عندما يكون الأمر متعلقا بحكومة يتولاها بشر لحكم بشر آخرين، فإن الصعوبة تكمن فى أنه يجب أولا تمكين الحكومة من السيطرة على المحكومين، ويجب ثانيا أن نلزمها بأن تسيطر على نفسها . لا شك أن إختيار الحكومة بواسطة الشعب هو أساس الرقابة على الحكومة، ولكن الخبرة الإنسانية تؤكد ضرورة وضع تحوطات إضافية ” جيمس ماديسون

إذا فإن قبول نظام ديمقراطي تعددى لا يتم بالإعتراف اللفظى بذلك فى نصوص ميتة، بل يتطلب التخلص من كل مظاهر السلطوية التى ما زالت تكبل الحريات العامة، ولعل أهمها الخلط الشمولي السلطوي بين الدولة والحزب. على حكومة الوفاق الوطني ليس فقط أن تضع نهاية لذلك. إذ أن ما يميز الدولة الديمقراطية هى ذلك التقسيم الواضح بين الدولة كمؤسسة دائمة وبين الحكومة كمؤسسة مؤقتة مفوضة بإدارة المؤسسات الدائمة للدولة لفترة محدودة . وهو تمييز يقوم على الحياد الذى تتميز الدولة به تجاه الحكومات المتعاقبة من جهة ، وتجاه التكوينات السياسية القانونية داخل الدولة الواحدة من الجهة الأخرى .  لذلك فإن حياد القائمين على أجهزة الدولة، كالقضاة وأعضاء القوات النظامية والخدمة المدنية، بالنسبة للصراع السياسى التى تكون الحكومة جزء منه، هو أمر أساسى لإقامة نظام ديمقراطى. إن النزاع السياسى بين الحكومة والمعارضة فى الأنظمة الديمقراطية، هو جزء من العمل السياسى لا تتدخل فيه أجهزة الدولة المحايدة، والتى لا تخضع لتعليمات الحكومات التى تتعاقب عليها، إلا فيما يتعلق بتنفيذ مهامها كأجهزة للدولة لا صلة لها بالنزاع السياسى القانونى. طالما ظل هنالك خلط بين الحزب والدولة، لن تكون هنالك حريات عامة مهما كانت درجة تضمينها فى النصوص الدستورية، لأن تلك النصوص تبدأ وتنتهي بالمؤسسات التى تطبقها، والتى لا تستطيع أصلاً أن تطبقها ما لم تكن سلطات محايدة فوق الصراع السياسي .

رغم إقتناعنا بأن إحترام الحقوق لا ينتج فقط عن الدستور بل عن الدستورية، والتي تعني إقتناع الحكام بأنهم يخضعون للمحاسبة شأنهم شأن من يحكمونهم، إلا أن خلق الآليات القادرة على مراجعتهم حين يخرجون عن ذلك مهم لضمان المحاسبة. لذلك فإن الضمان الأساسي لإنفاذ الحقوق يتمثل في أجهزة عدلية مستقلة وقادرة على مراجعة السلطات الأخرى في الدولة.

فى خطابه لماديسون تأييداً لإقتراح الأخير بتعديل الدستور، ليتضمن وثيقة حقوق، ذكر توماس جيفرسون ” فى حججك التى قدمتها من أجل الدعوة لإصدار وثيقة الحقوق أغفلت حجة هامة، وهى حجة تكتسب لدى وزناً كبيراً، وأعنى بها أن وجود وثيقة الحقوق يتيح للقضاء سلطة لمراجعة السلطات الأخرى صيانةً لتلك الحقوق . إن القضاء المستقل، والذى يقتصر إهتمامه على أداء عمله، هو موضع ثقة كبيرة لما يتمتع به من علم وتماسك أخلاقي “.

إذا تمكنت الحكومة من تحويل كل ذلك من نصوص دستورية إلى واقع معاش فإنها ستكون حسمت مسألة كيف يحكم السودان بشكل يحقق الوفاق الوطني حولها، وهو أمر في حد ذاته يخلق أرضية صلبة لحل أزمة الحكم بشكل يحقق الوفاق الوطني، ولكنه لا يعني نهاية الحوار الوطني لأن مسألة الحوار الوطني هي مسألة دائمة ومستمرة في المجتمعات الديمقراطية. 

نبيل أديب عبدالله

المحامي