خالد فضل
هنالك عادة سودانية لاتخطئها العين ولا يمكن أن يتجاوزها النظر، فالمتأمل في مسيرة حياتنا العامة يلحظ دون عناء أن هنالك حملات تقزيم مستمرة لكل ارثنا الثقافي والفكري والسياسي، بل حتى مساحة وطننا تقزمت بالفعل وماتزال حملات تقزيمها مستمرة حتى الآن وربما جاءت أجيال سودانية لاحقة في رقعة ما من أرض السودان الحالية تحمل اسما آخر وتدرس في التاريخ أن مليون ميل مربع كان اسمها السودان انتهت الى ما انتهت إليه، وليس ذلك ببعيد وقد أطلق العرب لفظ السودان على كل بلاد السود في قارة أفريقيا من غرب البحر الاحمر إلى شاطئ الاطلنطي بمحازاة جزيرته، ندرس هذا اليوم في التاريخ بينما الواقع يقول ان عشرات الدول المستقلة بحددوها الجغرافية ورموز سيادتها المختلفة تشغل ذلك الحيز الجغرافي الموسوم لدى العرب ببلاد السودان.
أول المشاريع التي تعرضت للتقزيم هو مشروع بناء الدولة المستقلة نفسه، وعوضا عن السير على طريق التحرر التام وبناء دولة تتطابق واقع شعبها في تعدده العرقى والديني والثقافي واللغوي ساد اتجاه حمل البلاد كلها على وجهة المكون العروبى الاسلامي فيه، ورغم أن رواد الاستقلال كانوا من المثقفين والمتعلمين والقادة المحليين لمجتمعاتهم إلا أنهم لم يديرو الشأن الوطني كما تقتضي سمات الكبار والقادة الافذاذ لشعوبهم، لم يتجاوز معظمهم النظرة البدائية في تقسيم السودانيين إلى ثنائيات (أحرار وعبيد)أو (مسلمين وكفار)الشاهد أن تلك النظرة قد أفرزت ومنذ فجر الاستقلال وجهتين مختلفتين كلاهما تحمل الأخرى وزر ماحاق بالبناء الوطني والقومي من هزال، فالذين حازوا على السلطة وامتيازاتها المعروفة كانوا في غالبيتهم من الذين ينتمون او يزعمون بالأصح انهم من طبقة الأحرار(العرب)ويدينون بالإسلام ولو بصوره شكلية وفطرية،فلم يروا فى الآخرين من غير ذوي الانتماءين السابقين سوى اتباع عليهم التماثل والتماهى مع الوجهة التي حددها أرباب السلطة مسبقا، وتم النظر بريبة وشكوك لمطلب بسيط ولكنه عظيم الفائدة في مستقبل بناء الوطن الموحد هو مطلب أن يكون الحكم فيدراليا يوحد أقاليم السودان ويمنحها خصوصياتها في ذات الوقت،هذا المطلب اعتبر خيانة دون أن يسأل أحد السؤال البدهى خيانة لماذا أو لمن؟وقد كان من نتاج هذه النظرة أن وسم أقوام سودانيون بالمتمردين والإضافات اللاحقة التي تناسب أدبيات كل نظام حكم تعاقب على الخرطوم وبأي وسيلة جاء والحقت صفات الارتزاق تارة وصنائع الاستعمار والخوارج والصليبيين…. الخ بكل حركة مسلحة أو سلمية نادت بالعودة إلى منصة التأسيس لاختيار الطريق القويم لبناء وطن يناسب طبيعة اهله.
أن حدث انفصال الجنوب لم يكن وليد نتائج استفتاء يناير 2011 بل كانت تلك اللحظة الحاسمة التي أعلن فيها الجنوبيون بكل صراحة وبما يقارب الإجماع التام عن زهدهم في مشروع الوطن الكبير.
حاقت حملات التقزيم لكل مشاريعنا الكبرى المادية منها والمعنوية فقد انتهت الجمعية التأسيسية والحياة النيابية والتنظيمات السياسية التي ولدت في كنف الاستقلال وسنواته الأولى إلى قزم اسمه المجلس الأعلى للقوات المسلحة والمجلس المركزي على أيام سلطة الفريق عبود العسكرية، وانتهى مشروع الثورة الشعبية فى اكتوبر 1964 وتوقها المشبوب للنهوض بالوطن وبنائه حرا قويا موحدا كما عبرت عن ذلك اهازيج الشعراء والمغنيين الاكتوبريين كل ذلك الحلم بددته واقعة حل الحزب الشيوعي السوداني وطرد نوابه المنتخبين من الجمعية التأسيسية وماصاحب ذلك من حملات التشهير والتحطيم لفكر سامق ونواة صلبة لبذرة من بذور الوعي ولم ينتهي فصل التقزيم حتى حدود 1968 عندما اجيز الدستور الاسلامى فى وطن التعددية الدينية مما عنى لغير المسلمين في السودان أن نواتهم قد تم لفظها من جوف تمرة الوطن المظنون، وعندما جاءت مايو و ألغت ذلك الدستور المزعوم وبشرت الناس ببناء اشتراكية سودانية من واقعنا وما من أكتر صحبت تلك البشري مؤشرات التحطيم للارث النيابي والتنظيم الحزبي المستقل والنقابات الحرة وبدأ وكأن التاريخ سيبدأ من هنا وتم تشويه واغتيال الشخصية لـرموز وطنية عالية القيمة رغم اخطائها، فإن كانت جريرة الأزهرى مثلاً تمثلها مواقفه من حل الحزب الشيوعي السوداني فإن استقامته ونظافة يده في أوقات تسلمه للحكم تؤهله لمصاف الكبار مما لا يجوز تحقيرهم والزج بهم في المعتقلات حتى الموت، لقد أخطأ الأزهري بموقفه السياسي ذاك لكنه لم يقتل الناس ولم يتبجح بسطوته عليهم كما فعل خلفه المرحوم النميري والذى في عهده وقعت افدح الجرائم فى حق بناء الوطن وتقدم شعبه إذ أعدم نفرا من أعلى القمم السودانية فكرا ونزاهة وبسالة، بفضل عبد الخالق المحجوب ورفاقه أصبحت الشجاعة معدية، كما في مقطع شعري لأحد الشعراء.
وإن بدأت ملامح تصحيح الأوضاع ومحاولة بناء الوطن من جديد رغم الجراح الغائرة وغياب المحجوب ورفاقه البواسل بابرام اتفاقية أديس ابابا 1972 ومن ثم محاولة صياغة دستور علمانى 1973 إلا انه سرعان ما تم نقض الغزل والعودة إلى مربع التقزيم بالتحالف المريب مع جماعة الإخوان المسلمين لتجئ الثمرة المرة بقوانين سبتمبر 1983 الموسومة بالشريعة،وشرعتها كانت باغتيال أكبر المفكرين المسلمين السودانيين الأستاذ الشهيد محمود محمد طه يناير 1985، كما كان من ثمار تقزيم الوطن وحشره قسرا في ضيق أفق التنظيم الإسلامي أن انفجرت الثورة الشعبية مرة أخرى في جنوب السودان منادية بالتحرير كواحد من أكبر المشاريع السياسية والفكرية فى البلاد، مشروع بناء السودان الجديد.
أما حقبة الإنقاذ من يونيو 1989 وحتى الآن فحدث ولا حرج،انتهى كل حلم إلى كابوس وكل هرم إلى حجر على المستوى المعنوى والمادى وصار الوطن شبحا في نظر الكثيرين ممن نالوا نصيبهم فيه قتلا وتشريدا وتجويعا، انتهى مشروع النهضة الإسلامية الحضارية إلى أفراد مشوهين يتمنطقون بالاحزمة الناسفة ويحشون فوهات البنادق بالرصاص ليمارسوا القتل الاعمى.
اما أخطر ما افرزته الأيام فهو مايحدث الآن لمشروع بناء السودان الجديد من تقزيم إلى حدود العرق أو الجهة بأيدي بناته أنفسهم مع الأسف،ويبقى الأسف!.