د. الواثق كمير

 

  1. مُنذ فجر الأحد 27 نوفمبر الماضي، لازال يتدفّق مدّاد كثير حول مُبادرة “العصيان المدني”، وتدور سِّجالات إسفيرية مُطولة بيّن عُدة فرق تتنازع حول المفهوم نفسه (عصيان أم اعتصام)، وحول إثبات نجاح التجربة أو فشّلها، وتحديدًا نسّبة المشُارّكين وهل هي عالية أم منخفضة. يرى كل فريق الحدث من منظوره وبحسّب تصوره، ورغم اتفاق الجمِّيع على أن قطاعات شبّابية مُستنّيرة ومُسّتقِلة سياسياً (من ناحيةِ التنّظيم والولاء) هى التى قادت المُبادرة، إلا أن غُموض هوية الجهة/ الجهات المُنظمة قد “ترك أثراً سالباً على التجربة”، كما يَرىَّ الأستاذ كمال الجُّزولي (صحيفة الجريدة، 3 ديسمبر 2016، ص 4). إضافة إلى، أنه فى رأيه عدم إفصاح أصحاب المُبادرة عن أهدافهم، خاصة بعيدة المدّى، جعل الدعوة إلى العِصيان تبدُو وكأنها تُبطِن فى ثَناياها تيارّين نَقِيضّين، أحدهما إصلاحي والآخر ينشّد التغيّير الجذرى. 

 

  1. وبالرغم من هذا الجدل، فلا يمكن إلا لمكابر أن يُنكِر نجاح مُبّادرة “العصيان”، ولو بمعيّار واحد فقط هو التوفيق فى شّق طريقها من الأسّافير إلى أرض الواقع، وما وجدته من تجَاوب لا تُخطِئه عين، لقطاعات مُقدرة من السُّودانيين. ولو أن توابع العصيان غير معلومة، إلا أنه يظل جهد مُنسّق من شّباب مُدركين، وعلى درجاتٍ عاليةٍ من التعليم والوعي، اثبتوا أنهم قادرين على الحشّد والتنِظّيم وفرض وجودهم، واستِنفّار الطاقات المُعطلة، تعبيراً عن هُموّم وشوّاغل الوطن. الحِراك الشّبابي السُّوداني ليس بوليد اللحظة أو مُنّبت الجُذور، بل لا يُمكن فصله عن ما شهده عدد من مجتمّعات أوروبا الغربية، فى أواخر القرن الماضي (ولاحقاً فى عددٍ من المُجتمعات العربية والأفريقية) من حركات احتجاجية تخطت الأُطر التقليدية السّياسية، وقواعدها الاجتماعية، وأدخلت تجديداً ملحوظاً فى الحياةِ السًياسيةِ لهذه المُجتمعّات. 

 

  1. ومن جهةٍ أُخرى، يَعكس الرُكون للاعتصام هذه المرة تطوراً وامتداداً لِهبة سبتمبر 2013، حينّما تجاوزت المجموعات الشّبابية، حتى من جانب العُضوية المُلتزمة، أُطرها التنظيمية، بعد أن تبين لهم من تجربةِ يونيو 2012، أن الأحزاب عاجزة عن قيادة تحركهم ضد النظام. وكما عزّفت الحركات الإحتجاجية فى أوروبا عن الانخراط فى النشّاط السِّياسي، خاصة العمل الحِزبي الرسمي، تدور نِقاشّات ساخِنة وسط شبكات الشباب المنظمين للعِصيان بين رافض لفكرة العمل المُشّترك مع الأحزاب والتنظيمات السِّياسية، ومتطلع لإقامة علاقات مع القوي السِّياسية، ولو أقله على مستوي التنسِّيق وتبادل المعلومة.

 

  1. لابد من الاعتراف بأن هذا الحراك الشّبابي؛ يُمثل نقلة نوعية فى التعبير السِّلمى، المكفول دستورياً، عن تطلعات الناس للتغيير ومطالبهم المشّروعة لحياةٍ كريمةٍ. وبنفسِ القدرِ يُؤشّر هذا الحراك “التراكُمي” إلى تَخلُق ونُشُّوب قوة اجتماعية مُستقِلة تَبعث بِرسائِل تَحدي للحُكومة، والى الأحزاب والتنظِيمّات السِّياسية، وتُبرِز تفوق مُنظمات المُجتمع المدني “التقليدية”. فهل وصَّلت الرسَّائِل إلى بريد هذه القُوي؟

 

  1. ومع ذلك، فإن مَبلغ هَمّي فى هذا المقّال بالذات هو محاولة تقديم عرض موضُّوعي لتداعِيات المُوقف من العِصّيان من قِبَّل التحالف الحاكم، والقوي السِّياسية المُعارضة، بشّقَيها المدني والعسكري، على الصراع السّياسِي المُحتدم بالبلاد، وعلى مُجمل العملية السِّياسية، خصوصاً على قضيتي السَّلام والحِوار. فلا يُخفى على المُراقِب تسَّابق كل القوي السِّياسية لتدبِيج البيّانات النارية لدعم العِصّيان وبِناء مواقفهم السِّياسية على الحدث، وإستغلال ما خلقه من زخمٍ وحراك، خاصة على مُسَّتوي الأسافير. فمِن الطبيعي أن لا تقف القُوى السِّياسية مكتُوفةِ الأيدي، مُديرة ظهرها لعِصَّيانٍ “جاهز” لم تعّترِف أيٍ منها بتبنيهِ أو أنها الداعية لتنظيمهِ، بل من واجِبها بذل كل ما تِسّتطيع من جهدٍ للدفعِ بأجندةِ التغيَّير، كلٍ بحسّب رؤيتهِ وأهدافهِ. ففى تصّور القوي السّياسية المُعارضة أن الكرة قد أضحت “مقنطرة”، كما يقُول: أهل الرياضة، لإحراز الهدف فى شِّباك النظام. لكن، يبدو أن قوي المُعارضة التقليدية لم تأخذ العِصّيان كسّانحة تَحملهم إلى إجراء المُراجعات اللازمة لإستراتجياتها وخُططها لإحداث التغيير، خاصة استِبعّاد وعزّل العناصِر الشّبابية الصَّاعدة من هياكلِ القيادة. فالتحدِّي الحقيقي الذي تواجهه الأحزاب والقوى السياسيَّة كافة، هو الخروج من حالة العُزلة التي تعيشها حالياً، وتعبئة قُدراتها وحَشْدِ كُلِّ طاقاتها، وتسخير إمكانيَّاتها، لبناء هياكلها وإعداد برامجها وسياساتها.

 

  1. فهكذا، افتتحت قوى الإجماع مزاد البيانات بمُذكرة دفَّع بها التحالف مطالباً بتنَحِيّ الرئيس البشير، وبحل السُلطة القائمة، وتسليمها فوراً إلى الشّعب السُّوداني لإقامة سلطة انتقالية تؤسّس لدولةٍ مدنيةٍ ديمقراطية. وللإنصاف، ينسّجِم هذا الموقِف تماماً مع الخط السِّياسي الذى ظلت تنتهجه  قوى الإجماع، خاصةً بعد مُغادرة حزب الأمة والمؤتمر الشّعبي للتحالف.

 

  1. أما تحالف نداء السُّودان، فى شقهِ المدني، حزب الأمة القومي وأحزاب النِداء بالداخل، فقد شرعت مكوناتهِ بإصدار بياناتٍ مُنفصلة، وإن كانت مُتلاحقة، تماهت فيها تماماً مع موقف قوى الإجماع الوطني، وكأنها تتسَّابق على مِلكية الحدث، ووضع بصماتها عليه، وامتلاك زمام قيادة المُعارضة. ولم يصّدُر بيان بإسم التحالف إلا بعد انتهاء العِصّيان، فى 4 ديسمبر، يستنّهض فيه كل “قواه وجماهيره للعملِ من أجلِ دفع المقاومة السِّلمية وضمان الوصول إلى تغييرٍ شاملٍ عبر انتفاضةٍ شعبية سّلمية عارمة”. ولعل تأجيل السيد الإمام لعودته المُرتقبة للبلاد، والمتوقعةِ فى 19 ديسمبر، مرة أخرى، قد تُفهم فى هذا السِّياق. 

 

  1. على الضفةِ الأُخرى، فالقوى الأُخرى المُعارضة، مُمثلة فى المؤتمر الشعبي وتحالف قوى المستقبل (بجناحيه)، تَميل إلى الضغط باتجاه إنفاذ مُخرجات الحِوار الوطني كمخرج وحيد آمن، لإخراج البلاد من أزماتِها المُركبة. فهذه القوى لا تضع إسقاط النظام فى أجندتها، بل تقف ضد هذه الدعوة، كما لا تؤيد أي عِصّيان يُفضي إلى هذه النتيجة. ومع ذلك، فقد نبه د. غازي صلاح الدين الحكومة إلى خطأ التهوين من عصيان 27 نوفمبر، داعياً إلى ضرورة مراجعة حوارها وإستراتيجيتها للإصلاح السِّياسي. وبالرغم من الخلاف على الرؤية، إلا أن مبادرة الإصلاح والنهضة (سائحون) وصفت دعوات العصيان بأنها طريقة حضارية ومحترمة، وأضافت بأنه ينبغي الفرح بها ومؤازرتها.

 

  1. وعلى نفس طول الموجة، لم تتخلف الحركات المسلحة من هذا الحراك، عن صوغ خطاب محتشد، ولو اختلفت درجات حدته، فى تمجيد العِصّيان المدني والنضال السِّياسي السِّلمي، فحسب، بل البعض سارع للتبرع بتوجيه مساراته وتحديد مالآتها ومنتهاها. كنت أحسب أن تجربة العِصّيان/الاعتصام السِّلمية، وما وجدته من بعضِ تجاوب شعبي، تعد درسا كبيرا يوفر سانحة لهذه الحركات لإعادة النظر فى جدوى العمل المُسلح وكلفته العالية. 

 

  1. فالحركة الشعبية شمال، على وجه الخُصوص، لم تكتف بمؤازرة العِصِّيان، قدمت تشخيصاً متكاملاً للحراك السِّياسي بعد تجربة العِصّيان، في بيان تفصيلي، 1 ديسمبر، وصفت فيه العِصّيان بـ”زلزال يدشّن عصر جديد للجماهير ويدخل بلادنا مرحلة نوعية مختلفة”، وتبعت التحليل بتقديم برنامج عمل من ثمانِ نقاط. من أهم هذه النقاط الإتفاق على برنامج مُشّترك ومطالب موحدة، مع بناء مركز موحد ومعلوم ومعروف ومتفق عليه لقيادة كل الخطوات القادمة. أما علي صعيد التفاوض والحوار، فقد سبق وأن اتخذت قيادة الحركة الشعبية قراراً بتجميد التفاوض. التفاوض “سياسياً”، بعد اتهام الحكومة باستخدام السلاح الكيميائي فى جبل مرة، مع استعدادها فقط لمخاطبة الأزمة الإنسانية في المنطقتين. أما الآن، واتساقاً مع عِصّيان 27 نوفمبر، فقد طورت الحركة موقفها إلى سقف أعلى مطالبة بـ”تنحي الرئيس والاتفاق على ترتيبات انتقالية كهدف تتفق عليه قوى التغيير كافة، وأن لا حوار إلا في ظل ترتيبات انتقالية جديدة تحت نظام جديد وإننا سنتمسك بعدم مناقشة أي قضية سِّياسية مع قادة النظام مجددا،ً فيما عدى معالجة الأوضاع الإنسانية على أساس القانون الإنساني الدولي”، على حد كلمات بيان  الحركة الصادر فى الأول من ديسمبر. 

 

  1. وهكذا، تعويلاً على عصيان نوفمبر، وتعزيزاً لموقفها الداعم لدعوة العِصّيان المفتوحة فى 19 ديسمبر، تواترت بيانات قوى الإجماع الوطني، ومكونات نداء السُّودان المدنية والمسلحة، مُناشدة جماهيرها للمشاركة الفاعلة في العصيان كخطوة متقدمة لاسقاط النظام. 

 

  1. هنا تثور عِدة أسئلة مفتاحية ينبغي على القوى “السياسية” الداعية لإسقاط النظام الإجابة عليها. على رأسها، هل أمعنت القوى المعارضة النظر جيداً فى الظروف الموضوعية والذاتية اللازمة للانتفاضة، التي توفرت فى 1964 و1985، مقارنةً بواقع المشّهد السِّياسي الراهن وطبيعة وموازين القوي السِّياسية والاجتماعية؟ حينئذ، توحدت كل هذه القوى، مع اختلافاتها الفكرية من أقصى اليسار، إلى أقصى اليمين وانتظمت في جبهةٍ واحدةٍ، في مواجهة نظام حكم عسكري بحت، أو قائم علي حزب مهيمن صنعه النظام نفسه. ولم تشذ ثورات الربيع العربي، خاصة فى مصر وتونس، عن هذه القاعدة، إذ أجمعت كافة القوي السِّياسّية والمجتمعية على الإطاحة بالنظام الحاكم.

 

  1. أما الآن، فالوضع جد مختلف على صعيدي المعارضة والحكومة، على حدٍ سواء. فلا شك أن تجربة 27 نوفمبر قد ألقت بظلالٍ كثيفةٍ على الصراع السياسي المُحتدم، مما أفرز اصطفافاً جديدا يُنذر باستقطابٍ سياسيٍ حاد بين القوى المُتصارعة. فمن جهةٍ، اصطف المؤتمر الوطني مع حلفائه في التحالف الحاكم: الحزب الاتحادي الديموقراطي (مولانا الميرغني) والأحزاب المتناسلة من الأمة القومي والاتحادي الديموقراطي والحركات المسلحة الموقعة على اتفاقيات سلام مع الحكومة، وكذلك يضم التحالف التنظيمات السِّياسية (المؤتمر الشعبي، قوى المستقبل)، والحركات المسلحة، المُنخرطة فى الحوار الوطني. بينما تصطف، على الضفة الأخرى، قوى الإجماع الوطني، فى مقدمتها الحزب الشيوعى، وقوى نداء السُّودان التي تضم حزب الأمة القومي والحركات المسلحة، وقوى نداء السُّودان بالداخل، ومنظمات مجتمع مدني، وشرائح فئوية إبداعية ومهنية، وعلى رأسها حزب المؤتمر السُّوداني. خُلاصة الأمرِ: هل توفر شرط تحقيق إجماع القوى السِياسية والمُجتمعية، أم أن هناك عوامل أخرى أكثر قوة وفعالية ترجح كفة قوى الانتفاضة، وما هي؟    

 

  1. ينطرح هناك سؤال آخر، وربَّما الأكثر أهميَّة، يتصل بعمليَّة انتقال السُّلطة، ومن ثمَّ، نقلها لمن؟!  فكيف تنتقل السُّلطة من النظام الحاكم إلى أيدى الثوار، وضمان مشاركتهم الفاعلة فى سلطة الانتقال؟

 

  1. فى أواخر عام 1997، وفى معرض تحليله وتقييميه لاحتمالات حدوث الانتفاضة الشعبية، وفى قت كان فيه التجمع الوطني فى قمة تماسكه وقوته، حدد الزعيم الراحل جون قرنق كيفية انتقال السُلطة كأحد العقبات الرئيسة أمام الانتفاضة. فعلى حد تعبيره (يمكن الاستمرار في التظاهُر لمدَّة أسبوع أو لشهرين أو ثلاثة أو لستة أشهر، ولكن لا بُدَّ من أن تسقط الحكومة».. ولكن، كيف تسقط؟!  فسُقُوطها يُحدِّده الموقف الذي يتخذه الجيش. فهكذا، في عام ١٩٦٤ أعلنت حكومة عبُّود وقف إراقة دماء السُّودانيين في شوارع العاصمة، وأصدرت الأوامر للجيش بالعودة إلى ثكناته. هذه هي الطريقة التي سقطت بها الحكومة. فلابُدَّ أن تكون هناك وسيلة لتغيير الحرس القابض على السلطة. وفي 1985، أذاع سوار الذهب بياناً في الإذاعة والتلفزيون أعلن فيه قرار الجيش بالانحياز لجانب الشَّعب، ومع أنها كانت كذبة، إلا أن حكومة نميري سقطت بهذه الطريقة. فإن لم تتخذ قيادة الجيش ذلك الموقف الواضح، لما سقطت الحكومة. ففي زائير كانت هناك انتفاضة أضخم ومظاهرات أكثر حشداً مِمَّا حدث في الخرطوم في أي وقتٍ من الأوقات، ومع ذلك لم تسقُط الحكومة، لأن الجيش ظلَّ داعماً للرئيس موبوتو حتى النهاية، وبالتالي لم تنجح الانتفاضة. أما في الوقت الراهن، فلدينا في السُّودان جيشان في داخل ما دُرِجَ على تسميته بــ“الجيش السُّوداني”، فهناك مُكوِّنُ الجبهة الإسلاميَّة وعناصر الجيش “القديم”. فإن حدثت مواجهة صداميَّة بين المُكوِّنين، فستكون الغلبة لعناصر الجبهة الإسلاميَّة، إذ لديهم “ميزة تفضيليَّة).. (الواثق كمير، جون قرنق ورؤيته للسُّودان الجديد وإعادة بناء الدولة السودانيَّة، دار رؤى، القاهرة، ٢٠٠٥). 

 

  1. إذن، فلنفترض أن الانتفاضة قد اندلعت ووصلت إلى الذُروة، هل نتوقع أن ينحاز الجيش، الذي تشكِّك خطابات المُعارضة نفسها في قوميَّته، إلى “قوي التغيير”؟!  وهل هذا هو نفس الجيش السُّوداني في ١٩٦٤ و١٩٨٥؟! ذلك، إضافة إلى أنه، ومنذ حديث جون قرنق في ١٩٩٧، أنشأت قوَّات مُوازية جديدة، بما فيها قوَّات الدَّعم السَّريع وقوَّات الدِّفاع الشّعبي، وتحوَّل جهاز الأمن الوطني لقوَّة عسكريَّة ضاربة.. وفوق ذلك، المليشيات القبليَّة المُنتشرة.. فكيف يتم انتقال السُّلطة في ظِلِّ هكذا أوضاع سائبة؟! وما هي القُوى التي ستتكفَّل بعملَّية الانتقال في ظِلِّ تعدُّد القوى المسلَّحة والمتصارعة على السُّلطة؟! لعل ما يجري فى سوريا جدير بالتأمل. 

 

  1. أما إن كانت القوى السِّياسية تُعول على تطوير تجربة الشَّباب فى العِصّيان المدني إلى انتفاضة كاملة الدسم، على نهج الربيع العربي فى تونس ومصر، فإنه من الجدير الانتباه، خاصة من قبل الشباب المنُظِم للعِصّيان، لما قاله: سليمان بلدو فى هذا الخصوص، واقتبس مطولاً (على ثوار الأسافير والمعارضة السِّياسية التقليدية أن ينتبهوا للتحذير الصادر من ثورات الربيع العربي. لا يوجد اليوم أي دليل ملموس أن أي منهما على استعداد لاستلام السلطة فى حال حدوث إنهيار مفاجئ للنظام، إما تحت وطأة الآثار التراكمية لحرب النظام الاستنزافية ضد نفسه، أو تحت ثقل الأزمة الاقتصادية. ومع عدم وجود خطة واضحة لخلافة الرئيس، معروفة لدينا، ونظراً للأضرار الهيكلية العميقة التى لحقت بالبلاد خلال عمر النظام، فإن غياب التحضير لانتقال مُنظم يُنذِر بمزيدٍ من زعزعةِ الاستقرار فى السُّودان)، سودانتربيون، 26 نوفمبر 2016. والحقيقة أن هناك سؤالا ظللت دوماً أوجهه لـ”قوى التغيير”، ما زال ينتظر الإجابة: هل حقيقة تمتلك هذه القوي زمام أمرِها، وهل تملك الأدوات، والقدرة على تحقيق التغيير المنشود وقيادة مسيرته، بعد سقوط النظام. 

 

  1. فهل مواقف القوى السِّياسية، المدنية والمسلحة، المطالبة بإسقاط  النظام، تُعبر عن طلاقٍ بائِن بينها وبين منصات التفاوض مع الحكومة والحوار مع التحالف السِّياسي الحاكم كطريق لا رجعة فيه، على نهج شعار التجمع الوطني الديموقراطي “اقتلاع النظام من الجٌذور”، عن طريق الانتفاضة والنضال المسلح، والذي تراجع عنه لاحقاً؟ فمقررات ِمؤتمر أسمرا للقضايا المصيرية (يونيو 1995) تبنت حصرياً الانتفاضة الشَّعبية والنضال المسلح كوسيلتين مُتلازمتين للإطاحة بالنظام. ومع ذلك، بعد تقييم موضوعي ودقيق للوضع السِّياسي داخلياً وخارجياً اتخذ التجمع الوطني الديمقراطي بالإجماع قراراً بالموافقة على تبنى المفاوضات السِّياسية كإحدى الوسّائل لإحداث التغيير المنشود في كل السُّودان (اعتمده مؤتمر مصوع، سبتمبر 2000). فبدلاً عن “اقتلاع” النظام من الجذور” اختار التجمع الوطني الديمقراطي هدفاً واقعياً يُرمى إلى “تفكيك” النظام من الداخل عن طريق التحول الديمقراطي الذي تتضمنه هذه التسّوية. إذن، فالفشل في اجتثاث الإنقاذ بواسطة الوسائل العسكرية والسياسية مهد الطريق للتوصل لتسوية النزاع سلمياً عن طريق التفاوض، وان اتخذ مسارات متعددة (نيفاشا، أسمرا، أبوجا، القاهرة). وللمفارقة، ظل استخدام المفاوضات حصراً على الحركة الشعبية لتحرير السُّودان، بل وأصبحت هي الوسيلة  للتوصل لتسّويةٍ سياسِّيةٍ شُّامِلة. 

 

  1. الثابت أنه هنا يكمن السؤال: هل ستصّمد القوى المعارضة أم ستتراجع أيضاً وتعود للقبول بالحل المتفاوض عليه، فى إعادة لسيناريو أسمرا – مصوع؟ لا شك، أن تشبُّث الحكومة بمواقف تفاوُضِيَّة عالية السُقوفِ يشكل عقبةً رئيس في طريق التوصُّل الي اتفاق سلام، ينهي حرباً يدفع ثمنها المُواطن السُّوداني البسيط، خاصَّة  في المناطق التي يدور فيها القتال. ومع ذلك، فقد نوّهت فى مقالٍ سابقٍ إلى أن “العديد من السُّودانيين المهمُومين والمُهتمِّين بالشأن الوطني، يميلون للاعتقاد بأن الحركة الشعبيَّة-شمال، فضلاً عن المُكوِّنات الأخرى لـ“الجبهة الثوريَّة” تماطل عمداً في مُداولات المُفاوضات، التي لن تحقق إلا بضعة مكاسب متواضعة، مقارنة بما منحته نيفاشا للحركة الأم، بينما عينها على الحِرَاك الداخلي المُحتدم، لعلَّ تحالُفِهَا مع القُوى السياسيَّة والمجتمعيَّة يُؤتي ثماره فتهُبَّ الانتفاضة ويسقُطَ النظام، بينما لا يزال السِّلاح في مُتناول اليد، مِمَّا يسمح بمساحة أكبر للمُساومة على نصيبٍ أكبر في حصَّة السُّلطة قد لا تطالها على مائدة التفاوض” (قوى التغيير: وضع كل البيض فى سلة البيان 456، سودانايل، 21 مارس 2015). 

 

  1. هكذا، وكأنما سانِحة العِصّيان المدني جاءت تطرق على أبواب الحركة الشعبية (وقعت ليها فى جرح)، فلم تتوان عن قطفها. فاتساقاً مع عِصّيان 27 نوفمبر، طورت الحركة موقفها إلى سقفٍ أعلى مطالبة ب “تنحي الرئيس والاتفاق على ترتيبات انتقالية كهدف تتفق عليه كآفة قوى التغيير، وأن لا حوار إلا في ظل ترتيبات انتقالية جديدة تحت نظام جديد وإننا سنتمسك بعدم مناقشة أي قضية سياسية مع قادة النظام مجدداً فيما عدا معالجة الأوضاع الإنسانية على أساس القانون الإنساني الدولي”، على حد كلمات بيان  الحركة الصادر فى الأول من ديسمبر. بل قررت أن تدفع بهذه المطلب للآلية الرفيعة والاتحاد الأفريقي والجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية ومجلس الأمن الدولي كمطلب وحيد للشعب السُّوداني. 

 

  1. فهل ستشارك الحركة الشعبية شمال فى جولة قادمة للمفاوضات إن دعاهم الوسيط الأفريقي، وهو على وشك القدوم للبلاد؟ أم ستتمسّك بموقفها فى انتظار تنحى الرئيس، مما يتناقض مع موقفها الثابت من التفاوض مع حكومة الأمر الواقع؟ وكيف تكيّف الحركة رفضها للتفاوض مع التزامات ومرجعيات المفاوضات تحت رعاية الاتحاد الأفريقي، من خلال الآلية الأفريقية رفيعة المُسّتوى، بدعمٍ مباشرٍ من المُجتمع الدولي. أم ستسّتجيب الحركة للجُلوس على طاولةِ التفاوض، ولكن كمجرد أداء واجب لتفادى الحرج، وربما التوبيخ، بينما النية معقودة على عدم التوقيع على أي إتفاق؟ إن السير فى مثل هذا الطريق وتقديم التكتيكي على الإستراتيجي، سيفقد الحركات المسلحة مصّداقيتها. 

 

  1. المعارضة، مدنية ومسلحة، أدلت بدلوها، وكشفت عن أهدافها وخُططها ومطالبها، فكيف تفكر الحكومة وأي خطوات ستتخذها؟ يبدو أن رسالة العصيان/العصيان، أيضاً، ضلت طريق بريد الحكومة، التي عدت التجربة مجرد حدث عابر، وليس حلقة من عملية تراكمية ستستمر وتتطور، واعتبرته بمثابة الحرث فى البحر من قبل معارضة ضعيفة ومنقسمة على نفسها، تعمل لتجيير الحدث لخدمة أجندتها فى إسقاط النظام. ومع ذلك، فقد جاءت ردة فعل الحكومة عنيفة، إذ استهدفت خطأ بعض القيادات الحزبية والناشطين السياسيين، وشرعت فى حملة مسعورة لتقييد حرية النشر ومصادرة الصحف، مما ينم عن فهم خاطئ للحراك الشبابي ودمغه بالتبعية للأحزاب والتنظيمات السياسية، وتنفيذ أجندتها، فى إغفال تام لطبيعته ومواصفاته (الفقرات 2-4). كما تبارت القيادات السياسية والتنفيذية للتحالف الحاكم، تتويجاً بخطاب الرئيس فى كسلا، فى الاستخفاف بالعصيان والتهوين من شأنه ووصف المعتصمين ومؤيديهم بالمخربين. 

 

  1. على الحزب الحاكم، وحلفائه، إدراك أن تجربة العصيان قد كشّفت، حتى ولو دمغها كثيرون بالفشل، ما خفي تحت قمة جبل الجليد. فبالرغم من أن هذا “التمرين” فى العصيان ربما قد لا يُسقط الحكومة إلا أنه خلق واقعاً جديداً، وصاحبته مُستجدات متمثلة فى حراك مجتمعي وسياسي، ليس بوسع مخرجات الحوار الحالية أن تستوعبه، مما يدعو إلى مقاربة جديدة لمخاطبة الأزمة السًّودانية المُركبة. أولاً، الرياح لم تأتِ بما تشتهي سَّفن الحوار، إذ تشككت فى مخرجاته القوى “الإسلامية” المُتحمسة والمُساندة للحوار منذ انطلاقه، كما أبدت امتعاضاً شديداً من التفافِ التحالف الحاكم حول التعديلات الدستورية والنكوص عن ما تم التوافق عليه بشأنها.  

 

  1. ثانياً، بالرغم من الاتهامات الموجهة للمعارضة الداعية لإسقاط النظام أنها المدبر والمحرض للعصيان، وأن مناضلي “الكيبورد” و”الواتساب” مجرد أشباح فى فضاء الأسافير، إلا أن حيثيات الواقع تبدو مختلفة. فجمهور مقدر من “الإسلاميين”، بالرغم من إدراكهم لمخاطر سقوط النظام على أنفسهم، ليس على قلب رجل واحد فيما يلي الإستمرار فى الاستئثار بالسُّلطة. فمن الملاحظ أن البعد “الجيلي” لم يتم وضعه فى الحسبان، إذ إن الأجيال الجديدة منهم، من هم فى سن قادة الاعتصام، فى العشرينات والثلاثينات من العمر، تتذمر من استشراء الفساد وسوء إدارة الدولة.  فهم يعترفون بأن معالجة هذه الأوضاع ليست بالضرورة حكراً على من هم فى سدة الحكم من الجيل “القديم”، أو حتى من الأحزاب الأخرى، بل ولهم عشّم فى مقدراتهم وقدرتهم على المساهمة مع أقرانهم فى صناعة غدٍ مشرقٍ لهم ولغيرهم من أصحاب الرؤى السياسية الأُخرى. حقاً، فقد غرد أحدهم أن (من يحمل هم الوطن قليلون وهم ما بين إسلامي ويساري وحزب أمة وديمقراطي، أتمني أن تكون لهم الكلمة العليا فى شأن الوطن).   

 

  1. بينما فى الجانب الآخر، هناك قطاعات من الإسلاميين لا يرون أنهم قد سعوا لبناء دولتهم وتمكنوا فى كل مفاصلها ليقوموا ببساطة بتسليمها بسبب التحديات الماثلة. هؤلاء يتوقون، بل وينشطون ما أجل استدامة التمكين، وتجميع قدامى المحاربين ومن ترك العمل العام، واحيانا يجهرون بضرورة التغيير، بيدهم لا بيد عمرو. أليس من المحتمل أن تفتح توابع العصيان، وزيادة حدة الاستقطاب السياسي والمجتمعي، للمغامرين والمغبونين لاستلام السلطة وإدارة الانتقال، درأ لفقدان مكتسبات أكثر من عقدين من الزمن، وهي مكاسب لما تحققت بدون التمكن من سلطة الدولة؟  

         

  1. وعلى خلفية هذا المشهد، قفل التحالف الحاكم باب الحوار بـ”الضبة والمفتاح”، وأنه ما على الآخرين إلا التوقيع على “الوثيقة الوطنية” والبصم على مخرجات “الحوار الوطني”، وهم صاغرون، كحل وحيد للأزمة السودانية. ظللت أكرر فى أكثر من مقالٍ بأن أمر الحوار الوطني لا يستقيم ولن تقود نتائجه إلى توافق وطني حول كيف يمكننا الانتقال بالبلاد الى مستقبل أفضل، إلا إذا اتفقت كافة القوى السياسية وقوى المجتمع الحية علي مدي(scope)”التغيير” المطلوب في البنية (البنيات) السياسية والمؤسسية للدولة السُّودانية بعد أكثر من ربع قرنٍ من الزمان من حكم الحزب الواحد. فمن الواضح أن المؤتمر الوطني، وحلفاءه، من جهة، وبقية القوي السِّياسية، من جهة أخري، لا يقرأون من نفس الصفحة في ما يتصل بالنتائج والمخرجات المتوقعة. 

 

  1. إذن، فإن عملية الحوار لم تأت بما تشتهى سفن الحكومة، بعد أن قاطعتها قوى سياسية عديدة، بما فى ذلك الحركات المسلحة، بينما لم تفلح خارطة الطريق، حتى بعد توقيع كل الأطراف المعنية، فى الجمع والتنسيق بين المسارين. فقد تجمدت العملية السلمية ولم تمض خطوات خارطة الطريق فيما يلي المفاوضات مع الحركات المسلحة، فى مساري أديس والدوحة، وعجز الطرفان عن التوصل إلى وقف العدائيات وتوصيل المساعدات الإنسانية، ولو أعلن عن قدوم الوسيط الأفريقي للبلاد فى العشرين من الشهر. فمن المهم هنا، الإشارة إلى مقال سابق شددت فى خاتمته (أن مجلس السِّلم والأمن الأفريقي قليلُ الحيلة، لا حول له ولا قوَّة، في مواجهة الحكومة السُّودانيَّة، فالمجلس يظل نادٍ للدول. في حقيقة الأمر، هناك عقبات رئيسة تعترض مسيرتي التفاوض مع الحركات المسلحة، والحوار الوطني الشامل، هي من صُنع قُوانا السياسيَّة ونُخَبِنَا وحُكُومَاتِنَا، وليس (لأمبيكي) فيها ناقة ولا جَمَل). لا أميل للاعتقاد بأن (أمبيكي) يحمل جديدا فى جُعبته هذ المرة، بل لربما يصل إلى قناعة أن المستجدات المصاحبة للحراك الاحتجاجي لا شك قد أدخلت متغيرات على مسرح الصراع المجتمعي والسياسي، لا يسعها جلباب الاتفاقات الإطارية القائمة على تنفيذ ما تبقى من اتفاقية السلام الشامل. ولو أن الحل يظل بيد السُّودانيين، بيد أن الشركاء الإقليميين والدوليين قد يعيدوا النظر فى تفويض وإستراتيجية الآلية الأفريقية رفيعة المستوى ومدى مواكبتها لمخاطبة الواقع المتغير. فبعد أن فشلت الإيقاد فى إحلال السلام فى جنوب السودان، تمت إضافة وسطاء جدد تحت مسمى (IGAD Plus).        

 

  1. وسبق أن شددت فى أكثر من سانحة على أن الحزب الحاكم يسعى للإبقاء علىَ الوضع الراهن (the status quo)، على مقاس التعديلات الدستورية المطروحة، ومخرجات الحوار المختلف عليها، بتغييرات فى بعض السياسات والشُخُوص، دون مساسٍ جوهري ببنية السلطة وتركيبة الحُكم. وأضفت أنه من الصعب والمكلف، إن لم يكن من المستحيل، استدامة هذا الوضع. فببساطة، هذا السيناريو لا يؤدي، بأي حالٍ من الأحوال، إلى التحوُّل الديمقراطي، كما لا يُعَدُّ أو يُشكِّل مخرجاً آمناً من الأزمة الوطنية المستفحلة والمتفاقمة في البلاد، طالما ظلَّ المؤتمر الوطني يحتكر السُّلطة ويسيطر بالكامل على مؤسسات الدولة ويقمع حرية التنظيم والتعبير. (الكرة فى ملعب الرئيس: تفكك الدولة السودانية .. الخيار الأكثر ترجيحاً، سودانايل، 11 فبراير 2013).  

 

  1. وفى نفس الورقة، خلصت إلى أن التسوية السياسية الشاملة هي السيناريو الوحيد الذي من شأنه أن ينقذ البلاد من الانزلاق إلى الفوضى، ويحول دون إنهيار الدولة، ويحافظ على وحدة أراضي السُّودان. ومع ذلك، يتعيَّن علينا هنا أن نعترف بأن نجاح هذا السيناريو يتوقف على قدرة الحزب الحاكم لتغيير سياساته ومواقفه، إما نتيجة لحراك وديناميات داخلية في صفوفه أو بفعل العمل المعارض، أو استجابة لضغوطً خارجية. فبالرغم من من التردُّد الملحوظ للمجتمع الدولي في دعم هدف المعارضة المدنية والعسكرية المُعلن لإسقاط النظام، وتقاربه اليه فى ملفات الإرهاب والهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر، مع الوعود بتخفيض العقوبات، ينبغى على التحالف الحاكم إدراك أن المجتمع الدولي دوماً له أهداف متحرِّكة بحسب الوضع السياسي المتغيِّر على الأرض. فمثلاً، بعد رد الفعل الحكومي المتسم بالعنف وتهديد المعارضين، خاصة على لسان رأس الدولة، سيعطى رسالة سالبة تشكك فى قدرة الرئيس البشير على المساهمة فى تحقيق الاستقرار فى المحيط الإقليمي، يهدد هذا التقارب بالانتكاسة. وكأنه توارد خواطر، إذ علمت بعد كتابة هذه السطور أن الخارجية الأمريكية أصدرت تصريحا صحفيا مساء اليوم، 16 ديسمبر، عبرت فيه عن قلقها إزاء خطاب التهديد الحكومي والحملة الضارية ضد وسائل الإعلام.     

 

  1. فى هذا السياق، كنت أحسب أن لدى الرئيس البشير فرصة ذهبية في لعب دور تاريخي حاسم، يقود من خلاله عملية توافُقٍ سياسي على برنامج وطني يستجيب للتحديات الجسام التي تكتنف الأزمة الوطنية الماثلة، الأمر الذي لم يتحقق بعد. فيا تري، هل ما زال الرئيس يحتفظ بالكرة فى ملعبه؟

 

 

تورونتو 12 ديسمبر 2016 

د. الواثق كمير

kameir@yahoo.com