صلاح شعيب

 

واضح لكل ذي بصيرة أن الأزمة الناشبة الآن بين نظامي الخرطوم والقاهرة تكتسب دلالات عديدة. الدلالة الأولى هي أن الأزمة متصلة بالصراع الإقليمي الدائر في المنطقة بين النظامين المصري والقطري، وهو صراع تجذر لتنافسهما منذ حين للتأثير في مجريات الواقع العربي، وخدمة كل طرف لأجندته، ومحاولة محو أي نفوذ عربي، أو إسلامي، أو دولي لبعضهما بعضا. وقد هدأ الصراع بعد وصول الإخوان المصريين إلى السلطة وتلاشي الضرب تحت الحزام السري والعلني بين النظامين.

بل إن قطر لعبت دورا كبيرا في السعي إلى تثبيت دعائم الوضع الجديد الذي أعقب ذهاب الرئيس مبارك. ولكن سرعان ما عاد التوتر في العلاقة بين البلدين حين وصل السيسي إلى السلطة بعد إزاحة الرئيس مرسي. والدلالة الثانية للأزمة المصرية ــ السودانية هي أن نظام الخرطوم، ونظرا لطبيعة تحالفه الإستراتيجي مع النظام القطري، وفقدانه لحليف استرتيجي آخر متمثلا في نظام مرسي متورط في صراع القاهرة ــ والدوحة. أما الدلالة الثالثة فهي أن نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي لديه أيضا تحالفاته الإستراتيجية في المنطقة، والتي قد تتناقض مع تحالفات النظام السوداني، فوقا على ذلك تخوفاته من الطبيعة الإخوانية التي تسم نظام الخرطوم، والذي هو أيضا يتعامل بحذر مع القاهرة، نظرا لموقفها المعروف من الأنظمة الإخوانية.

 

والحقيقة هي أنه بقدر اقتراب نظام الخرطوم من الدوحة تتباعد مودته تجاه القاهرة التي تتهمه بإيواء إخوان مصريين، أو دعم جهات ليبية، واضف إلى ذلك الموقف المصري من سد النهضة، إذ يحاول نظام الخرطوم الوقوف على الحياد في الأزمة الناشبة بين مصر وإثيوبيا. وربما في هذا يسعى نظام البشير إلى توجيه رسالة مباشرة بأن ضيمه إزاء فقدان حليفه الإيديولوجي مرسي يمكن أن يشكل عقبات أمام مصالح مصر الحيوية. لكن نظام الخرطوم أيضا له مآخذه على نظام السيسي، إذ اتهم الرئيس البشير القاهرة بإيواء معارضين له، وهناك جهات في النظام السوداني تضخم شكل العلاقة بين مصر وجنوب السودان للدرجة التي فيها نشرت وسائل إعلام سودانية اتهاما لمصر بقصف مواقع رياك مشار، وهو كما نعلم حليف استراتيجي لنظام الخرطوم، حتى اللحظة التي سبقت مغادرته الخرطوم إلى جنوب أفريقيا. فضلا عن ذلك فإن الاتهام طال المصريين كذلك بأنهم يخططون لإقامة دائرة تحالف تحيط بالسودان، أشبه بإحاطة المعصم بالسوار. إذ ظلت صحف وقنوات فضائية سودانية تُحدِث اتهامات مبطنة لمصر بأنها تتبنى تكوين دائرة تحالف من القاهرة، وجوبا، وكمبالا، وأسمرا، لتتقصد التأثير على إثيوبيا والسودان معا. وقد استند المحللون إلى الزيارة التي قام بها السيسي لجنوب السودان ويوغندا وتنامي العلاقات بين مصر وإريتريا، وحللت صحف وقنوات الخرطوم إمكانية تأثير هذا التحالف الجديد على النظام القائم.

 

هذه الخلفية ضرورية لفهم أسباب نشوب الأزمة الماثلة بين الخرطوم والقاهرة، ومن دونها يظل وعينا عاجزا عن فهم ظاهرة التراشقات الإعلامية بين بعض المصريين والسودانيين، إعلاميين ومواطنين. فما قبل زيارة السيدة موزة إلى السودان كانت المناوشات الإعلامية بين مناصري نظام السودان ومصر تتم هنا وهناك ولكنها لم تصل إلى هذا التصاعد الخطير.

بل إن قياديي النظامين كانا يرسلان تطمينات إعلامية ذات صبغة دبلوماسية لبعضهما بعضا كلما التقيا بعد ذهاب مرسي ومن ثم تعود حالة العلاقة إلى طبيعتها. ومع ذلك ظل كل طرف يضمر في جوفه ما يضمر. أما بعد زيارة موزة الفجائية إلى السودان وما صاحب زيارتها للآثار السودانية وكتابتها بأن “السودان أم الدنيا” كما أشيع، وتسريب صورة ذلك التوقيع لوسائل الإعلام فقد تكهرب الجو، وبدا أن انتشار هذا التعليق بكثافة، والذي قيل إنه استزرع في السودان لا يخلو من غرض ويعيدنا إلى دائرة الصراع المصري ـ القطري المشار إلى جذوره وأسبابه عاليه. وتبع هذا التعليق الذي لم تنفه موزة تناول بعض الصحف والقنوات الفضائية المصرية زيارة موزة بكثير من السخرية. ولكن نصيب التقريع بإنسان السودان وتاريخه وآثاره كان كبيرا بشكل لا يقبله مناصرو النظام أو معارضوه.

ولكن هذه ليست هي القضية في المقام الأول. فنحن ندرك أن حكوماتنا المتعاقبة هي التي أهدرت الاهتمام بالإنسان السوداني وحاولت التخلص من التاريخ القديم لبلادنا لصالح تجذير إيديولوجيات عربية إسلامية. فآثارنا التي تقبع في الشمال ظلت مهملة من كل الحكومات وصارت في زمان الإنقاذ نهبا للصوص الآثار الدوليين بالتواطؤ  مع جهات داخلية. وإذا أردتم أن تعرفوا تجاهل حكوماتنا المتعمد لآثارنا أبحثوا عن رجل يدعى عبدالله محمد أحمد وهو الذي أراد تكسير تماثيل المتحف القومي من موقع مسؤوليته عن وزارة الإعلام، وأعقب ذلك إهمال المشروع الحضاري لأي تاريخ يربطنا بما حدث قبل الدولة السنارية. والحقيقة أن وضع المتحف القومي الذي يضم هذه الآثار التي تتباكى حكومتنا للدفاع عنها الآن لا يمكن وصفه إلا بأنه أشبه بإسطبل للحصين. وثانيا هذه ليست هي القضية لأن الهدوء الذي يجمع العلاقة بين البلدين لأسباب التطابق في استرتيجيتهما العروبية أو الإسلاموية هو الشئ الطبيعي في العلاقة. وما تلك التراشقات الإعلامية التي تتم بين الفينة والأخرى إلا عارض سرعان ما ينجلي بإنجلاء المسبب، وتعود المودة بين الشعبين بعد وصول الطرفين إلى درجة تعقل، وتعاون، في الملفات الاستراتيجية التي تجمعهما.

الشئ المهم الذي ينبغي أن ينتبه له الناشطون في البلدين هو أن التراشق الإعلامي مهما كانت حدته لا يخدم إلا الأنظمة وليست الشعوب التي تعود بعد استدراك الحكمة إلى البحث عن سبل لتجاوز الخلافات والمظالم التاريخية. والخلافات بين مصر والسودان وما صاحبها من ظلم كبير للسودان تاريخيا ينبغي أن تحل وفق وجود إرادة سودانية ــ أولاً ــ تتعامل مع مصر من موقع الندية لا التابعية، وألا تكون لعبة المحاور الإقليمية والدولية سببا لتهييج مشاعر الناس هنا وهناك. فالنظام السوداني يريد إقحام خصامه الإيديولوجي مع النظام المصري ليستنصر بالسودانيين، كما هو شأن النظام المصري الذي يحاول أيضا إقحام الإرادة المصرية جميعها ضد نظام السودان الإخواني. أما بالنسبة لمآخذ مصر على النظام القائم الذي تورط في اغتيال رئيسها ما أدى للهيمنة المصرية الكاملة على حلايب فلا يمكن أن تشكل سببا لتعكير صفو العلاقة بين الشعبين. وهذان الموضوعان اللذان صارا مصدرا للابتزاز هنا وهناك لا يحلان إلا وفق حكمة العقلاء في مصر والسودان.

على المستوى السوداني المعارض ينبغي ألا نتورط في الاستجابة للاستفزازات المصرية المتعلقة بالتقليل من شأن السودان باستفزازات مضادة كما قرأنا في بعض المواقع. فمتانة العلاقة بين السودان ومصر ستظل محورية كما هي علاقة السودان بإثيوبيا، وليبيا، وتشاد، وإريتريا، وجنوب السودان. ولعل الذين يتخذون مواقف أيديولوجية في البلدين هم الذين تتقاصر نظرتهم لعمق علاقة مصر والسودان الضاربة في التاريخ. وفي حقل العلاقات الدولية اليوم لا تنبني روابط الشعوب على الضيم التاريخي، وإنما تقوم على أساس راسخ من الندية لصالح الدول، وإلا لكان موقف السودانيين من بريطانيا وتركيا اللتين استعمرتنا وأذاقتنا العذاب هو مقاطعة الدولتين للأبد. وإذا أخذنا نموذج البناء الحديث لدولتي جنوب أفريقيا والولايات المتحدة فإننا نلحظ أن هناك تسويات تاريخية مرة أجبرت القوميات الأربعة للتعايش وفق أسس عادلة لبناء المصلحة العامة، وعبر هذه التسويات وحدها يمكن للإرادة السودانية أن تجني فعلا مصالحنا المشتركة بقدر لا غموض فيه. ولكن المؤسف أن الإخوة السودانيين الذين يتهمون مصر باستعلائها تجاه السودان محقون في رأيهم، ولكن يجب ألا ينسوا أنه لولا انحناء ظهر الحكومات السودانية لما حدث الظلم الذي وجده السودانيون من مصر، والتفاصيل عديدة وتحتاج إلى مرافعات والحيز لا يسمح هنا.

إن لدى السودانيين والمصريين كل الأسباب التي تحملهم للطفو فوق بحيرات الصراعات الإقليمية التي تتخذ طابعا مذهبيا وتنافسيا. والتحدي الأساسي أمام نخب البلدين يكمن في إقامة علاقة ندية تتعمق جذورها عند قواعد الشعبين، وتتجاوز المماحكات الأيديولوجية، وسقاية أنظمة الاستبداد التي تختطف إرادة الشعوب، وتجيرها للتصادم أثناء تحكمها في السلطة. ولا نعتقد أن انحياز السودانيين لنظامهم القائم أثناء تصادمه مع مصر، أو انحياز المصريين لنظامهم القائم أثناء تشاكسه مع السودان، هو المطلوب وكفى، حتى تثبت وطنيتك هنا أو هناك. الموقف الحق هو إطفاء جذوة الشقاق في العلاقة بكثير من الحكمة، والعقلانية، والصبر.