د خالد التيجاني النور
على عكس ما يفترض أن تنبئ به التطورات السياسية والاقتصادية التي يشهدها السودان في الآونة الأخيرة، والتي تصب بوجه عام لصالح النظام السياسي الراهن بعد انتهاء »الحوار الوطني « بما يتوافق وأجندته، فضلاً عن الانفراج الملحوظ في السياسة الخارجية وانعكاساته المأمولة على الوضع الاقتصادي الذي أعقب صدور القرار بالأمريكي بالتخفيف الجزئي والمشروط للعقوبات، في مقابل تراجع واضح في حيوية حراك المعارضة المناهضة لشروط التسوية الراهنة، على عكس كل هذا التطورات اللافتة لا يبدو أن البلاد تسير فعلاً باتجاه تحول حقيقي حثيث نحو السلام والاستقرار المفضي للانتقال لأوضاع سياسية جديدة قادرة على تجاوز حالة الغموض التي تكتنف مستقبل الوضع في السودان.

ولعل التطور الأكثر أهمية في خضم هذه الأوضاع الملتبسة إعلان الرئيس عمر البشير عن مغادرته الرئاسة بحلول العام ۲۰۲۰ بنهاية ولايته، وتأكيده على عدم عودته للترشح مرة أخرى استناداً على اعتبارات دستورية لا تمنحه حق الترشح لدورة أخرى. ليس سراً أن هذا التعهد الذي قطعه الرئيس البشيرعلى نفسه يواجه بقدر غير قليل من الشكوك في أوساط الرأي العام على
خلفية تعهد مماثل بعدم خوض انتخابات الرئاسة السابقة، وبغض النظر عن ملابسات تراجعه حينها، إلا أنه ظل يعيد تأكيد عدم ترشحه مراراً منذ حديثه ل « بي بي سي » في أبريل الماضي، ثم ترديده مراراً لوسائل إعلام أجنبية.
أفضت طبيعة نظام الحكم القائم الممتد لثلاثة عقود التي شكلّت توازنات السلطة الراهنة إلى معطى بالغ الأهمية وهو أن النظام الحاكم أصبح مرتبطاً عضوياً ومصيرياً بالبشير نفسه، وظلت تدور حول وجوده في مركز السلطة الوحيد كافة التفاعلات، وقد كان نتاج ذلك واضحا من خلال الإطاحة بالحرس القديم بكل الوزن الذي كانوا يمثلونه في العام ۲۰۱۳ الذي كان صراع أقطابه
على وراثة العرش الإنقاذي سبباً مباشراً في إخراجهم جميعاً من المعادلة نهائياً التي ظلوا أطرافاً فاعلة فيها لحين من الدهر.

صحيح أن الاحتمالات كافة تبقى مفتوحة في عالم السياسية وتقلباتها ومفاجآتها، ولكن من الصعوبة بمكان عدم الأخذ في الحسبان بجدية ما ألزم به الرئيس البشير نفسه في ظل كثير من المعطيات الذاتية والموضوعية التي أملت عليه إعلان عدم بقائه في الحلبة بعد العام ۲۰۲۰ ، وكذلك في ظل عدم وجود أي ضغوط في الوقت الراهن تجبره على المبادرة بتأكيد هذا الموقف
لأكثر من مرة خلال الأشهر الماضية، وقبل ثلاث سنوات من حلول موعد الانتخابات المقبلة.

ولعل السؤال الذي يجب طرحه في ظل هذا التطور الأكثر أهمية من سائر التطورات الأخرى على الساحة السودانية، مع الإقرار بإمكانية حدوث تفاعلات خارج السياقات الحالية، هل هناك ما يشير إلى وجود ترتيبات تتفق مع هذا التوجه بالنسبة للرئيس البشير من باب تهيئة البلاد لأوضاع سياسية ودستورية ومؤسسية حقيقية أكثر رسوخاً وقدرة على الانتقال بالسودان من مربع الأزمة المستدامة إلى آفاق التسوية التاريخية المرجوة، ذلك أنه لم يعد ممكناً بأي حال إعادة إنتاج الوضع المأزقي الراهن دون أن يعني المزيد من تفتت السودان.

والشاهد أن التعاطي السياسي الرسمي مع مخرجات «الحوار الوطني» بعد مرور أربعة أشهر عليها، يدور في الفلك ذاته الساعي لتكريس الأوضاع الراهنة والمفترض أن هدف الحوار المعلن كان الخروج منها إلى أفق أرحب، والمفارقة الأكثر وضوحاً هنا أن التعديلات الدستورية التي سارعت السلطات إلى تمريرها قادت إلى نقيض ما كان منتظراً منها، فمنصب رئيس الوزراء
مثلاً الذي استحدث كأحد أهم توصيات ذلك الحوار سُلبت صلاحياته إلى درجة أفقدته معنى وجوده، وفي مقابل ذلك جرى ضخ المزيد من الصلاحيات الواسعة أصلاً لرئيس الجمهورية على نحو كرّس المزيد من السلطات في يده، وهو ما يثير تساؤلات حول جدية التأسيس لمرحلة جديدة تتجاوز رهانات السلطة على مدار ثلاثة عقود.

والدلالة الأخرى عل وجهة تكريس الأمر الواقع الإصرار على المحاصصة أو بالأحرى إرداف أكبر عدد من المتطلعين للسلطة والثروة في تشكيل الحكومة المزمعة، على حساب الكفاءة والجدارة، وهي إعادة إنتاج لصيغة فاشلة بامتياز لم تفلح على مدار ثلاثين عاماً في تحقيق السلام والاستقرار بل قادت للمزيد من الصراعات، لقد تبخرت كل تلك المزاعم التي اعتبرت أن سؤال «الحوار الوطني» هو كيف يُحكم السودان فإذا به لم يغادر محطة الصراع على « حلب بقرة تُحتضر» . ولذلك كله فإن أمام الرئيس البشير تحدياً كبيراً لجعل نيته للتنحي ذات معنى لمستقبل السودان.