رشا عوض

————————-

،،الحرب هي تسلية الزعماء الوحيدة التي يسمحون لأفراد الشعب بالمشاركة فيها،،  

هنري برجسون- فيلسوف فرنسي

————————————-

،،الحرب مجزرة تدور بين أناس لا يعرفون بعضهم البعض لحساب آخرين يعرفون بعضهم البعض ولا يقتلون بعضهم البعض،،

بول فاليري

——————————-

 

لا شك في أن الحروب الأهلية المتطاولة في السودان المستقل والتي انطلقت شرارتها قبيل عهد الاستقلال منذ عام 1955م هي أكبر تجليات أزمة الدولة السودانية، وأهم عناصرها “المنهج المعطوب” الذي أُديرت به علاقة المركز بالأقاليم المهمشة جنوبا وغربا وشرقا، إذ ظلت هذه الأقاليم محرومة من التنمية والخدمات حرمانا متلازما مع نظرة استعلاء عرقي وثقافي كامنة في “الوعي الجمعي” في “الشمال والوسط” وفي العقلية السياسية “للشمال السياسي” مما خلق “غبنا وطنيا” يتجاوز مجرد الغضب من التمييز السلبي في الحقوق الاقتصادية والتنموية إلى الغضب من “انتهاك الكرامة الإنسانية وحق المواطنة المتساوية” لمجموعات سكانية أصيلة في البلاد، وهذا الغبن كان هو وقود الحروب!    ولذلك فإن نجاح أي مسعى للسلام المستدام والوحدة الوطنية في السودان رهين للتغيير الجذري في “منهج الحكم” المسؤول عن توليد هذا “الغبن الوطني”  ومن ثم تحقيق “المصالحة التاريخية” بين مكونات الشعب السوداني على قاعدة “مشروع وطني” جديد يخاطب جذور هذه الأزمة .

لا بد من الدخول إلى حقل الألغام!

الأسئلة  التي تطرحها هذه المقالة هي “ما جدوى العمل المسلح في خدمة قضايا الهامش السوداني؟” وهل “الحركات المسلحة” التي تصدت لقيادة ما أسمته “بالثورة” أو “النضال المسلح” تمتلك مشروعا فكريا وسياسيا مؤهلا لخدمة القضايا العادلة لمواطني دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق(المناطق التي ما زالت تعيش حربا أهلية) وقبل ذلك مواطني جنوب السودان الذي استقل بدولته عام 2011؟ هل تم جرد حساب الأرباح والخسائر لهذه الحروب انطلاقا من واقع حياة المواطنين الذين كانت مناطقهم ميدان الحرب وأجسادهم وقودها، فسددوا فاتورتها من دمائهم ودمرت آثارُها كل حاضرهم وبعض مستقبلهم؟

إن الكوارث الإنسانية المروعة والخسائر الفادحة الناتجة عن الحرب الأهلية في السودان على مختلف الأصعدة، تستوجب أن تكون الأسئلة السابقة مدخلا مفتاحيا لبلورة رؤية نقدية “للعمل المسلح كوسيلة للتغيير السياسي في السودان ” في سياق  مساءلة تاريخية للنخب السياسية التي أشعلت  هذه الحروب، بشرط ان تنطلق هذه المساءلة من سياق البحث عن مصالح المواطنين السودانيين في المناطق المهمشة الذين اشتعلت هذه الحروب باسمهم والتمست مشروعيتها من أهداف تخصهم على رأسها  الدفاع عن هويتهم وكرامتهم  وتحريرهم من التهميش السياسي والثقافي والاقتصادي.

ولكن الخوض في مثل هذه التساؤلات في المناخ السياسي المحتقن حاليا يحتاج إلى عملية أشبه ما تكون “بنزع الألغام”، لأن “نقد العمل المسلح” في ظروف السودان الراهنة غالبا ما يُتهم بأنه ضرب من “التواطؤ السياسي أو الآيدولوجي” مع “الشمال السياسي” بوجه عام، ومع “نظام الحكم الإسلاموي(1989- حتى الآن) بوجه خاص!

ولذلك لا بد أن تكون “الرؤية النقدية للعمل المسلح في السودان ” جزءاً  من النقد الشامل والجذري للدولة السودانية التي استقلت عن الاستعمار البريطاني عام 1956 والاعتراف بفشلها في تحقيق أهداف ما بعد الاستقلال نظرا لنهجها الاستبدادي، لا سيما في التعامل مع مظالم الأقاليم المهمشة، فكما قال  سيمون بوليفار(سياسي وعسكري فنزويلي) : “إذا كانت الحرب خلاصة كل الشرور، فالاستبداد خلاصة كل الحروب”!

وبالتالي فإن المسؤولية عن اندلاع الحروب الأهلية في السودان تتحمل قسطا كبيرا  منها النخب الفاسدة والمستبدة الحاكمة منذ عام 1956م  ولا سيما الأنظمة العسكرية التي حكمت البلاد لمدة خمسين عاما من عمر الاستقلال البالغ 61 عاما.

ولكن “نخب الهامش” التي اختارت بكامل وعيها “العمل المسلح” كوسيلة لمواجهة  حكومات الخرطوم، هي الأخرى شريكة في المسؤولية عن اندلاع الحرب  لأنها اختارتها وفضلتها على خيار نضالي آخر متاح وهو النضال السياسي المدني بالوسائل السلمية، وما دام الأمر كذلك فلا بد من مساءلة هذه النخب عن حصاد الحروب في الجنوب (الحرب الأولى عام 1955م – 1973 بقيادة حركة “أنانيا الأولى” ،  والحرب الثانية 1983 -2005 م، والحرب الثالثة 2011 – حتى الآن وكلاهما  بقيادة “الحركة الشعبية لتحرير السودان”، والحرب المشتعلة منذ عام 2003 وحتى الآن في دارفور بقيادة “حركة تحرير السودان” و”حركة العدل والمساواة” وما تفرع عنهما، إذ لا يكتمل تشخيص الأزمة السودانية ومن ثم استشراف أفق سياسي جديد للخروج منها دون التفحص النقدي في الخيارات السياسية لكل النخب ذات التأثير المباشر في الشأن العام، وفي هذا الإطار لا يمكن بأي حال استثناء الحركات المسلحة. فلا بد من تقييمها بمعيارين مترابطين، الأول: تكلفة خيار العمل المسلح نفسه من الناحية الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية والتنموية، أي الثمن الذي دفعه وما زال يدفعه مواطنو الأقاليم الذين كانت مناطقهم مسرحا للحروب، والمعيار الثاني هو مدى تأهيل الحركات المسلحة  فكريا وسياسيا لانتزاع حقوق المواطنين الذين دفعوا تكلفة الحرب ومن ثم تغيير حياتهم بكل مفرداتها نحو الأفضل، أي في اتجاه الكرامة  والعدالة والحرية والتنمية.

ومثل هذا التقييم يستوجب بحثا أكاديميا مستقلا تدعمه الإحصائيات الدقيقة والبيانات الكمية والوصفية، والتحقيقات الاستقصائية التي تغوص في أعماق حياة ضحايا الحروب، وهو ما لا تتسع له هذه المقالة التي ستكتفي باستعراض مؤشرات “أزمة العمل المسلح في السودان”، ممثلة في مآلاته السياسية وحصاد تجربته في جنوب السودان ودارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، إذ أن هذه المآلات الشاخصة تستوجب إعادة التفكير في  جدوى العمل المسلح، من موقع منحاز لضحايا الحروب وقضاياهم العادلة، لا من موقع الدفاع عن أنظمة الحكم الفاسدة المستبدة وعلى رأسها “نظام الإنقاذ” وتبرير جرائمها إذ أن هذه الأنظمة ضالعة بشكل كبير في الدفع بالبلاد إلى الحروب.     

العمل المسلح في السودان ومعضلة الحقوق السياسية والاقتصادية:

افتقرت الحركات المسلحة في السودان إلى الرؤى والبرامج السياسية والاقتصادية الواضحة للتصدي لمشاكل الفقر والأمية وحالة التنمية غير المتوازنة، فهناك سلاح مرفوع ضد مركز السلطة وقوده  خطاب احتجاجي عن  التهميش الاجتماعي والثقافي والسياسي والاقتصادي  والمظالم والغبائن التاريخية للأقاليم المهمشة جنوبا وغربا وشرقا، ولكن لم تطرح هذه الحركات على نفسها السؤال عن كيفية معالجة هذه المشاكل المزمنة والمعقدة إذا نجح السلاح في الإطاحة بسلطة المركز أو على الأقل أجبرها على تسوية مع حملة السلاح كما حدث عام 2005 بتوقيع”اتفاقية السلام الشامل” المعروفة إعلاميا باتفاقية نيفاشا بين الحكومة والحركة الشعبية  وما أعقبها من اتفاقيات سلام دارفور المختلفة.

“أزمة الرؤية” هذه تجسدت بشكل واضح جدا في أداء الحركة الشعبية بعد ان أصبحت شريكا في الحكم (2005-2011) ثم حزبا حاكما في جنوب السودان المستقل منذ عام 2011 ففي الحالتين لم تقدم نموذجا للحكم مختلفا عن نموذج “المركز” الذي صمت آذاننا بهجائه! بل استنسخت سياسات المركز وفي نسخته الأكثر استبدادا وفسادا ورعونة ممثلة في “المؤتمر الوطني”! ففي جنوب السودان الذي تصل نسبة الأمية فيه إلى أكثر من 90% خصصت حكومة الجنوب طيلة سنوات الفترة الانتقالية أقل من 3% من ميزانيتها للتعليم!! بينما خصصت 65% من الميزانية للصرف الامني والعسكري!

وصراعات قادة “الحركة الشعبية” سواء مع المؤتمر الوطني أو فيما بينهم وحتى داخل مؤتمر الحركة الشعبية في 2008 كلها كانت حول “كعكة السلطة” ولم تكن على الإطلاق حول مناهج الحكم والإدارة أو الخطط الاقتصادية والتنموية للنهوض بحياة “المهمشين” وإنصافهم بشكل ممنهج ومدروس من المظالم التي عانوا منها! فظهر جليا ان النخبة السياسية التي تزعمت قضايا الهامش أسقطت جماهير المهمشين من حساباتها بشكل تام وتفرغت لمنافسة نخبة المؤتمر الوطني في تكديس الأموال وتهريبها للخارج واقتناء القصور الفاخرة والسيارات الفارهة خصما على مصالح شعب يسحقه الجوع والمرض.

أما حركات دارفور فهي أضل سبيلا من الحركة الشعبية في “الهزال الفكري” وفساد النخب القائدة وخلو الذهن من أي تصور لحل قضايا الجماهير وتبلد الإحساس تجاه معاناتهم.

ولكن الأزمة أعمق من مجرد “تصدي محامين فاشلين” لقضايا عادلة، فالصراع المسلح بين الحكومة والمعارضة والذي لا ينتهي بهزيمة ساحقة لأحدهما على الآخر وينتهي إلى المساومات والتسويات كما هو الحال في السودان، بطبيعته يخلق وضعيات مضادة للتنمية والتطور باتجاه مصالح الشعوب، وضعيات تستنزف الموارد الاقتصادية في “الحفاظ على السلام” بغية تحقيق الاستقرار السياسي،وذلك عبر “رشوة” النخب المسلحة بامتيازات ضخمة لتكف يدها عن الحرب مجددا! يتضح ذلك من مآلات اتفاقية “قسمة الثروة” بعد نيفاشا، إذ قسمت الثروة على النخبة السياسية المسلحة التي انفقتها على مزيد من التسليح والرشاوى السياسية “للمسلحين المحتملين” بهدف إحكام السيطرة على “غنيمة السلطة”

هذه المعضلة تناولها كتاب بعنوان”في ظل العنف.. السياسة والاقتصاد ومشكلات التنمية” الذي طبق الاطار المفاهيمي الذي قدمه دوغلاس نورث وجون جوزيف واليس وباري وينجاست في كتابهم “العنف والأنظمة الاجتماعية” على تسعة بلدان نامية هي بنغلاديش، الكنغو ، زامبيا وموزنبيق ، المكسيك، كوريا الجنوبية، الفلبين، الهند، تشيلي،   

  وقد وضحت الحالات المذكورة كيفية استخدام السيطرة السياسية على الامتيازات الاقتصادية في الحد من العنف وإقامة ائتلافات بين التنظيمات القوية داخل النظام الاجتماعي، وقدم الكتاب فكرة “النظام المقيد” باعتباره نظاما اجتماعيا ديناميا يظل العنف فيه مصدر خطر مستمر وتتحقق فيه النتائج السياسية والاقتصادية بدافع السيطرة على العنف وليس بغرض تعزيز النمو الاقتصادي او الحقوق السياسية، والدرس الذي خلصت إليه دراسات الكتاب هو “ان نجاح الانظمة المقيدة في تحقيق السلام ربما يعتمد على السماح للنخب بتحقيق ريوع ضخمة ودعم التنظيمات التي تسهل تواطؤ تلك النخب”.

فالسلام الذي يكون حالة طبيعية مجانية قبل يوم واحد من اندلاع اي حرب، يتحول بعد عشرات السنين من الحرب إلى سلعة غالية ونفيسة ومكلفة جدا إذ نحتاج لدفع “ريوع ضخمة” لمن لديهم القدرة على إشعال الحرب كي لا يسلبوا منا السلام مجددا!

أليست هذه الحقيقة المرة جديرة بأن تجعلنا نعيد النظر مرات ومرات في “العمل المسلح” كوسيلة للتغيير؟ أليست الحرب خيار مفلس وأكبر دليل على ذلك ان الأجندة التي تتصدر مفاوضات السلام هي وقف إطلاق النار توصيل الإغاثات  وإعادة اللاجئين والنازحين إلى قراهم أي باختصار إعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل يوم واحد من اندلاع الحرب بعد مقتل وتشريد وإعاقة ملايين الأبرياء!!   ليس هذا فقط بل إنفاق مليارات الدولارات ليس على تنمية وتطوير ضحايا الحروب بل على رفاهية “لوردات الحرب” حتى لا يشعلوها مجددا!  

حروب السودان: ثورات بلا ثوريين!

افتقرت “ثورات الهامش” للأفكار الملهمة وتبعا لذلك غابت عنها التقاليد والتربية الثورية لمنسوبيها! فالفساد المستشري وسط قيادات الحركة الشعبية جنوبا وشمالا واستخفافهم المأساوي بمعاناة شعبهم وتعاملهم مع “الدولة الجديدة” بعقلية الغنيمة، كل ذلك انعكاس لعيب كبير في الثقافة السياسية والتقاليد التنظيمية  للحركة الشعبية وتحديدا للجيش الشعبي الذي بخلاف جيوش التحرير يعتمد نظام الرتب(وآخر بدعة الإحالة للتقاعد)!!، والرتبة الأعلى تعني امتيازات أكثر! والقائد يتميز عن جنوده حتى في نوعية الطعام!

 فضلا عن ذلك لا وجود لثقافة الشفافية والمحاسبة وليست هناك اي تدابير في التربية التنظيمية للتحصين ضد الفساد واستباحة المال العام، وتأسيسا على ذلك هناك فرز واضح في الجيش الشعبي بين لوردات كبار أثرياء جدا والثراء لم يبدأ بعد اتفاقية السلام بل هناك ثوار امتلكوا ملايين الدولارات قبل السلام واستقلال الجنوب!! ليس غريبا أن ينتج عن جيش كهذا قادة أنانيون وفاسدون لا يخطر ببالهم مطلقا ان في اعناقهم واجب تجاه شعبهم فهم مبرمجون على ان الشعب يجب ان يكون في خدمتهم لا العكس! لأنهم  منذ نعومة أظافرهم الثورية لم يتربوا على المساواة وعلى فكرة ان القيادة عطاء وتضحية لا تسلط وامتيازات!!

بالطبع هذه الحقائق المرة لا تعني أن الجيش الشعبي والحركة الشعبية وحركات دارفور تخلو من الثوار الحقيقيين الذين قدموا أرواحهم في سبيل ما حسبوه مشروعا للتحرر، وهؤلاء بالآلاف! وبالتأكيد ما زال هناك آلاف النبلاء في صفوف هذه الحركات وجماهيرها ممن ينشدون الحكم الراشد والحرية والكرامة والعدالة لشعبهم، ولكن المشروع السياسي للحركة الشعبية المسمى “السودان الجديد”  في محصلته النهائية سقط سقوطا مدويا، أما حركات دارفور التي لا نحصيها عددا من كثرة الانقسامات فلم نسمع لها بأي مشاريع فكرية أو سياسية من أصلو، فهي تتمايز عن بعضها البعض بأسماء قياداتها.

أزمة الرؤية وأزمة القيادة في العمل المسلح في كل الجبهات المشتعلة حربا في بلادنا والتي ترتب عليها الفشل الذريع في تحقيق اي هدف لصالح التغيير، مقرونة بأزمة النتائج المأساوية والمعضلات المعقدة على الصعيد الإنساني والأمني والسياسيى والبيئي والاقتصادي والاجتماعي والديموغرافي التي أفرزتها الحروب، كل ذلك يؤكد الحاجة لمشروع وطني يحرر ما تبقى من “الدولة السودانية” من استبداد السلاح، وهذه معضلة كبيرة إذا أخذنا في الاعتبار ان الحزب الحاكم نفسه أكبر حزب مسلح وأكبر مفرخ للمليشيات.