معتصم أقرع

تمثل أزمة الخليج الحالية بين معسكر السعودية – الامارات – مصر من ناحية , وقطر – تركيا من ناحية اخرى ازمة أكبر لنظام البشير . حاول النظام البقاء على الحياد الايجابي , وهو موقف صحيح , ولكن ربما لن يقبل المعسكران بـهذا الحياد وقد يعتبرونه تخاذلا عن نصرتهم في قضية من صميم أمنهم القومي واستراتجيتهم لترتيب الاوضاع في الشرق الأوسط . فلو مارس أي من المعسكرين الضغط على نظام البشير للانحياز له فسوف يكون النظام في موقع لا يحسد عليه اذ ان الانحياز لأي طرف سوف يكون ثمنه غاليا على نظام الآكلين على كل الموائد.

ففي حالة انحياز نظام البشير للمعسكر السعودي فسوف يفقد العون الملياري السخي من دولة قطر وسوف يكون النظام قد خرج على التنظيم العالمي للاخوان المسلمين الذي ترعاه قطر وتركيا . ومن المؤكد ان الفاتورة السياسة والاقتصادية لمثل هذا الخروج سوف تكون باهظة على نظام لا يملك هامش اقتصادي أو سياسي يتيح له المناورة والتلكؤ والتنفس بحرية نسبية.

ومن الجانب الاخر فلو انحاز نظام البشير لصالح قطر والتنظيم العالمي للاخوان فانه سوف يجني غضب المملكة والامارات ومصر والبحرين وهذا تكتل يملك ثقلا سياسيا واقتصاديا ودوليا هائلا وقد لعب دورا مهما في تخفيف حدة العقوبات الأمريكية ضد السودان. فقد اعتمد السودان على هذه الدول الِى حد بعيد للالتفاف حول العقوبات المصرفية والتجارية التي فرضها الغرب . كما ان الاستثمارات والمساعدات الاقتصادية السعودية والاماراتية وتدفقات تحويلات المغتربين من هذه الدول تلعب دورا مهما جدا في الابقاء على الاقتصاد السوداني في غرفة الانعاش.

إذن ترمي ازمة الخليج بنظام البشير في مأزق شيطاني سوف يخرج منه خاسرا في كل الظروف بغض النظر عما إذا اختار الانحياز لطرف ام اختار الحياد الذي قد يغضب الطرفين . وما الاطاحة بالفريق طه , المساعد الشخصي للرئيس وكاتم أسراره ورجل المهمات القذرة , وعبدالغفار الشريف رجل الأمن الأكثر ذكاءا ودموية إلا دليلا قاطعا علي عظمة وفداحة الازمة الخليجية التي يمر بها النظام . فالمعروف ان طه هو رجل السعودية والامارات داخل النظام . إذ تربطه علاقات شخصية مع جيل الشباب الذي بات يسيطر على مقاليد الامور في السعودية والامارات , ولا شك ان ابعاد طه ومجموعته لا بد ان يكون نتيجة لصراع داخل النظام اختلط بالازمة الخليجية بما ان طه قريب من من المعسكر السعودي -الاماراتي وربما حاول جرجرة السودان الِى موقف ينحاز لصالح هذا المعسكر الشيء الذي ربما اثار حفيظة المعسكر القطري – التركي وهو الشيء الذي يخشى النظام ان يقود الِى رد فعل قطري مكلف .

من المؤكد ان تداعيات الازمة الخليجية على المسرح السوداني سوف تتواصل ولن تقف عند الاطاحة بطه وجماعته. فالوضع السياسي والاقتصادي السوداني شديد التأثر بالعلاقات مع مصر ودول الخليج . ولا ننسي حساسية النزاع المصري-السوداني وقضية حلايب واتهام نظام البشير لمصر بدعم الحركات المسلحة في غرب السودان واتهام مصر لنظام البشير بدعم الاخوان والارهاب الاسلامي في مصر. التأثير السياسي والامني والعسكري للعلاقات مع مصر لا يقل اهمية عن التأثير الاقتصادي الخليجي. إذن فان النظام غارق الِى اذنيه في ازمة سوف تسبب له خسارة في كل الاحوال , فالسؤال الوحيد بالنسبة للنظام هو اين تكمن الخسارة الاقل. ولكن لا مجال للشماتة في النظام بما انه من المؤسف ان الشعب السوداني سوف يدفع ثمنا غاليا ايضا , فارتباطات السودان الاقتصادية متينة مع كل دول النزاع وخسارة العلاقات مع أي من هذه الدول سوف يفاقم من معاناة المواطن السوداني داخل وخارج السودان. فهناك الاف وربما ملاييين الاسر السودانية التي تعتمد اعتمادا مباشرا على تحويلات المغتربين في هذه الدول , كما ان هذه التحويلات التي تقدر بـ 6 مليار دولار في السنة هي اهم مصدر للعملة الصعبة التي يعتمد عليها الاقتصاد في استيراد السلع الأساسية ومدخلات الانتاج. فاي تراجع في تدفق هذه التحويلات سوف يضعف من قيمة الجنيه السوداني ويزيد من وتيرة الفقر والتضخم واختناق العملية الانتاجية. من المهم ان ننظر للازمة الخليجية كتحدي لمصالح المواطن السوداني , وان لا ننظر اليها كازمة تخص النظام وحده . الدبلوماسية السودانية تواجه تحديا حقيقيا وضخما , فما هي فاعلة؟