ركن نقاش

عيسى إبراهيم *

* كتب د. أحمد محمد عثمان إدريس عن زواج الجمهوريين (سودانايل – 13 أبريل 2017 – زواج الجمهوريين) كتابة طيبة في مجملها، ونواصل في ما يلي استكمال شرحنا لمشروع “خطوة” نحو “الزواج في الاسلام”..

حماية عش الزوجية

أول ما يجب ملاحظته هو أن السعادة لا تنبني على القانون، وإنما تنبني على المعرفة بطبائع الناس، المستمدة من التربية الصالحة التي تفك المواهب الطبيعية، العقل والقلب، من أسر الأوهام والأباطيل .. وما القانون إلا محاولة لسد ثغرات التربية ..

إذا أدركنا هذا، فإننا نرى أن حماية عش الزوجية تقع على مستويين: مستوى التربية، ومستوى القانون .. فالتربية، أساساً، لتوفير حسن الاختيار .. و القانون، في أغلب الأحيان، لمعالجة سوء الاختيار..

مستوى التربية

فعلى مستوى التربية، نجد أن الشريعة الإسلامية وضعت الأسس العريضة لاختيار الشريك .. قال النبي )عليه أفضل الصلاة والسلام( “تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولجمالها، ولحسبها، ولدينها .. فاظفر بذات الدين، تربت يداك”، و قال )صلى الله عليه و سلم(: “إذا جاءكم من ترضون دينه، وخلقه، فزوجوه .. إلا تفعلوا، تكن فتنة في الأرض، و فساد كبير ..”، وللاستيثاق من توفر هذه الشروط، تتيح الأسرة الجمهورية لفتياتها، وفتيانها، فرصاً طيبة، في لقاءاتها الفكرية، مثلا ً، للتعرف على بعضهما، في جو كله صحة، وعافية، ودين ..

من ما لا شك فيه أن الزوجين يحتاجان لفترة يتواءمان فيها مع حياتهما الجديدة، ومع بعضهما البعض .. وفي هذا الأثناء قد تنشأ مشاكل ربما تفضي إلى الطلاق .. ولكن التربية تحلي الإنسان بالصبر الذي يورثه التريث والأناة، من ما يجعله يقتصد في اللجوء إلى الطلاق، لأنه يعلم: “إن أبغض الحلال إلى الله الطلاق”، و يعلم أيضاَ : “أن الطلاق يهتز له عرش الرحمن” ..

كما أن التربية تكسب الإنسان الخلق الحسن، وتعلمه حفظ العشرة .. وهذا من ما يجعل الرجل يكتفي بزوجة واحدة، ما لم تطرأ ظروف قاهرة تحوجه للزواج بامرأة ثانية..

مستوى القانون

كما ذكرنا، فإن تقليل المهر المادي يعني أنه لابد من ترجمته إلى شروط كرامة للمرأة .. وهذه الشروط تثبت في وثيقة تعاقد الزواج، وتلزم الطرفين قضاءً، لحماية هذا الزواج بسيط التكاليف من الإستهتار .. والشروط هي:

1/ يجب أن تكون العصمة بيد المرأة، كما هي بيد الرجل، فلا يستأثر بها أحدهما .. ولا يهولن أحداً هذا الكلام، فإنه جائز شرعاً، ومعمول به قضاءً .. وهو مسنود بأصل الدين، ومستمد من مبدأ التفويض الذي بواسطته يملِّك الزوج زوجته أن تطلق نفسها .. ففي صفحة 334 من الطبعة الأولى لكتاب (الأحوال الشخصية حسب المعمول به في المحاكم الشرعية المصرية والسودانية والمجالس الحسبية) للأستاذ معوض محمد مصطفى سرحان جاء ما يلي: “ثم أن التفويض عند الحنفية يصح قبل العقد، وعند إنشائه، وبعد تمامه في أي زمن كان حال قيام الزوجية . وصورة التفويض قبل حصول العقد أن يعلق التفويض على المتزوج بها، كأن يقول إن تزوجتك فأمرك بيدك تطلقين نفسك متى تشائين. فإنه إن تزوجها ثبت التفويض غير المقيد بزمن، وكان لها الحق في تطليق نفسها متى أرادت”.  وصورة التفويض عند إنشاء العقد أن تقول إمرأة لرجل يحل له التزوج بها: زوجت نفسي منك على أن يكون أمري بيدي أطلق نفسي متى شئت، أو كلما شئت فقال لها: قبلت، صح الزواج، و كان أمرها بيدها على الصورة التي قالتها، و قبلها الزوج“.

2/ يشترط أن لا يقع الطلاق إلا بعد أن يرفع الأمر إلى حكمين عدلين، موثوق بهما من الطرفين، أو كل طرف، على الأقل، واثق من حكمه الذي ارتضاه .. قال تعالى : “وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله، وحكماً من أهلها، إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما، إن الله كان عليماً خبيرا”ً  وقد نصت المادة الخامسة عشرة من المنشور الشرعي السوداني رقم 17 على اللجوء إلى الحكمين (أنظر كتاب معوض صفحة 389.(

و يرى الجمهوريون في مسألة التحكيم ما يلي : ـ

أ- أن أهم ما يميز الحكمين هو الدين، ثم تأتي القرابة، والجيرة، والخبرة، مع ثقة الزوجين فيهما .. وذلك لأن صاحب الدين لا يسعى في هذا الأمر إلا وهو واثق من أنه يريد الإصلاح ..

ب ـ مهمة الحكمين أن يعيدا الصفاء، والمودة، وحسن العشرة، إلى الحياة الزوجية بكل وسيلة ممكنة .. و خلافاً لما جاء في المنشور سالف الذكر، ليس من حقهما أن يحكما بالطلاق، لأن حق الطلاق ملك للزوجين لا يستعمله سواهما .. جاء في صفحة 390 من كتاب معوض ما يلي : “ففهم الحنفية، والظاهرية والشيعة الإمامية، والشافعي، أن مهمة الحكمين مقصورة على الإصلاح بين الزوجين، وليس لهما أن يفرقا بينهما، إذ التفريق لا يكون إلا بتفويض من الزوج، وتوكيل من الزوجة بقبول الخلع، إذا دعت إليه داعية.”

ج ـ إذا أصر الطرفان المتعاقدان، أو أصر أحدهما، على الطلاق فإنه لا محالة واقع .. ولا يملك الحكمان أمر تعليقه، كما لا يملكان الحكم به .. و لكن من حقهما أن ينصحا الطرف المصر، بالترك، أو بالتريث .. كما لهما أن يفرضا تعويضاً، إذا رأيا، يقدر حسب حال الزوجين، و يأخذه الجانب المضرور، وهو، في الغالب، الذي يقع عليه الطلاق .. وحكم الحكمين بالتفويض ملزم قضاءً ..

د ـ إذا اختلف الحكمان، فيمكنهما أن يختارا، في مثل شروطهما، إذا أمكن، حكماً ثالثاً للترجيح ..

هـ ـ في حالة وقوع الطلاق، فإن على الحكمين تحديد من تكون له حضانة الأطفال، حيث تتوفر الرعاية والشفقة .. والقاعدة المتبعة هنا أن تكون الحضانة للأم ما دامت صالحة .. فإن فقدت الأم صلاحيتها، جعلا الحضانة لمن يليها، حسب الترتيب الشرعي .. و نفقة الأطفال على الزوج، و يحددها الحكمان ..

3/ ينص في العقد أنه لا يصح تعدد الزوجات إلا لضرورة قصوى، كالعقم، أوالمرض الذي لا يرجى منه شفاء، مثلاً .. ولا يقع إلا بعد إستئمار الزوجة المضرورة، وإلا بعد تدخل الحكمين، اللذين عليهما أن يراجعا الزوج، إذا رأيا ذلك .. وللزوجة أن تطلق نفسها إذا لم تقبل في زوجها مشاركة ..

وهذا الشرط لا يتنافى مع أصل الدين، إذ أن الدين قد نفر من تعدد الزوجات .. فكأن عدم تعدد الزوجات، في نظر الدين، أفضل من تعدد الزوجات .. فإذا إشترط عدم تعدد الزوجات، إلا لضرورة ملجئة، فإن هذا الشرط تدعيم للأحسن، و الأفضل في نظر الدين (خطوة نحو الزواج في الاسلام، www.alfikra.org)..

توضيح مهم

* من ما جرى من شرح لمشروع الجمهوريين للزواج يتضح أن المشروع لا علاقة له بزواج “المسيار” إذ يقوم الزوج بالانفاق على أسرته ويساكنها ولا يكتفي بتغشيها متى ما شاء له ذلك، كما ليس له علاقة بزواج التراضي إذ أن ولي الزوجه يباشر عقد نكاحها رغم أن الجمهوريين يقرون للمرأة حقها في مباشرة تزويج نفسها وتزويج غيرها حسب ما ورد في رأي الأحناف، وليس له صلة بالزواج العرفي فزواج الجمهوريين يجري في العلن وبالاشهار التام ووثائقه حاضرة!..

*  eisay@hotmail.com