ركن نقاش

عيسى إبراهيم*

* كتب د. أحمد محمد عثمان إدريس عن زواج الجمهوريين (سودانايل – 13 أبريل 2017 – زواج الجمهوريين) كتابة طيبة في مجملها، يقول فيها: “ في ظل تلك الظروف الصعبة والتداخل بين القبائل العربية والافريقية تم احياء فكرة الزواج الجمهوري لرائد الفكر الجمهوري الشهيد محمود محمد طه“، وذكر أن مدينة ودمدني شهدت زواجاً لفت أنظار رواد مواقع التواصل الاجتماعي بالسودان جرى على طريقة تبسيط الجمهوريين للزواج..

* يقول د. أحمد أن تجمع حلقات التواصل الاجتماعي إن هو إلا واحدة من “وسائل نشر هذه الفكرة وفي ظل وضع اقتصادي فاشل وحكومة افشل فما من الطرفين الا القبول بتلك الشروط الخاصة بالزاوج“، ونقول لدكتور أحمد أن تلك الشروط ليست خاصة البتة وإنما هي عامة لصور مشرقة مجمَّعة ومتوافقة مع نصوص الفقه المتداول بين الناس (المالكي، والشافعي، والحنبلي، والحنفي)، فهي إذن شروط عامة، وليست خاصة، غفل عنها الكثيرون في وقتنا الحاضر، وسنأتي لإيراد ذلك في ما نحن بصدده من ظروف اجتماعية واقتصادية وفقهية وقانونية وهي بمثابة “خطوة نحو الزواج في الاسلام”، ولمن أراد الاستزادة والتعرف على الزواج في الاسلام، عليه الاطلاع على كتاب الأستاذ محمود “تطوير شريعة الأحوال الشخصية”، ويمكن تنزيله مجاناً من موقع الفكرة الجمهورية على الشبكة العنكبوتية: (www.alfikra.org)..

شروط “خطوة” شرعية وقانونية

* يقول د. أحمد: “وقد شاهدت نفس المراسم قبل اكثر من عشرين عاما بمدينة بورتسودان، والايام تعيد نفسها لظروف اقتصادية كبيرة كان هذا اللجوء الى مثل هذه الزيجات، قد يقول قائل بانها فيها العديد من المخالفات الشرعية ولكن الظروف الحالية اقسى من تلك المخالفات”، ونطمئن الدكتور الباحث، أن الشروط التي أخذ بها مشروع خطوة نحو الزواج في الاسلام شرعية وقانونية وسنرى!..

تقييم المحاولات السابقة لحل أزمة الزواج

* جرت محاولات عديدة، بعضها قديم، لحل أزمة الزواج .. و قد فشلت كل هذه المحاولات في النفاذ إلى جوهر المشكلة .. ثم إنها اتسمت بانعدام كرامة المرأة في الصورة التي يتم بها الزواج.. وهي، إذ نظرت إلى المشكلة وكأنها لا تنبع إلا من غلاء المهور، لم تزد على أن سعت في تقليلها .. و لم تهتم بأن تترجم هذا التقليل إلى شروط كرامة، وعزة، للمرأة مما يعود بالاستقرار لعش الزوجية ..

و إذا نظرنا إلى واحدة من محاولات حل أزمة الزواج ـ زواج (الكورة) مثلا ـ نجد أنها تعاني من كل ما ذكرناه، كما أنها فشلت في الوصول لما سعت إليه، وهو ترخيص الزواج على الصعيد المادي .. و يعزى فشلها أساساً إلى تأخير تسليم الزوج زوجته، مما يجعله، في الفترة بين العقد وإتمام الزواج، فريسة للتقاليد البالية، والطلبات الغالية الكثيرة التي تجعل الزيجة كغيرها من الزيجات باهظة التكاليف ..

فطنة الجمهوريين إلى أس المشكلة

* أدرك الجمهوريون جوهر المشكلة وسعوا إلى حلها من داخل محيط الشريعة الاسلامية، حيث عملوا على إعادة بعض الكرامة للمرأة، بإعطائها حق الموافقة على شريكها، وحق الطلاق، وبعدم إشراك امرأة أخرى معها في زوجها إلا برضائها، و تحت ظروف قاهرة كالعقم مثلا .. و إلا فإن تقليل المهر المادي، دون ترجمته لكرامة، لا يزيد على أن يكون تبخيساً للمرأة … و ما ذاك إلا لأن المهر المادي أصبح يمثل عزة المرأة، وغلاءها، بالرغم عن أنه قد كان يمثل ثمن شرائها عند نشأته ..

زيجة جمهورية

* و لقد تمت داخل الأسرة الجمهورية زيجة أعادت للمرأة بعض كرامتها، و فتحت باب دخولها لمقام عزها، ونتج عنها تحطيم لكل المظاهر الجوفاء البالية، كما حلت مشكلة ارتفاع تكاليف الزواج.. و لقد أثارت هذه الزيجة إهتمام، وإعجاب الكثيرين مِنْ مَنْ سمع عنها، ومن سكان الحي، وأصدقاء، و أهل العروسين، الذين حضروا عقد الزواج، مما دفعنا لإخراج هذا الكتيب (خطوة نحو الزواج في الاسلام) ليحكي صورة هذه الزيجة، وشروط الكرامة التي نقترحها إذا رأي غير الجمهوريين الإقتداء بما تم ..

فبعد فترة خطبة دامت ثلاثة أسابيع، و في الساعة الخامسة من مساء الجمعة 13 شوال سنة 1390 هـ الموافق 11 ديسمبر سنة 1970م، و في حي الموردة بأم درمان، تمت الزيجة المذكورة .. و لقد بدأت المراسيم بتلاوة ما تيسر من القرآن الكريم، أعقبها حديث قصير في التعريف بالنهج الجديد الذي سيتم به الزواج .. ثم عقد الزواج بحضور الوكيلين والشهود، وعلى مهر قدره جنيه واحد . ثم بارك العقد جميع الحاضرين بتلاوة فاتحة الكتاب، و تناولوا شيئاً من البلح ومشروب الليمون، و تبادلوا التهاني، ثم صلوا المغرب في جماعة وانصرفوا.. وفي نفس الليلة دخل العروسان ببعضهما، بملابسهما القديمة، في غرفة مؤثثة بالأثاث القديم، ومفروشة بالفرش القديم، في بيت والد الزوجة الذي استضافهما لحين رحيلهما لمنزلهما .. و في صباح اليوم التالي صار الزوجان مسئولين عن شؤون بيتهما، وباشرت الزوجة عملها في المنزل ..  

خطوات الزواج

من ما تقدم، يمكننا أن نستبين الخطوات الرئيسية التالية:

1/  إختيار الطرفين لبعضهما عن رضى و قبول من كليهما ..

2/ فترة خطبة قصيرة يرتبط الطرفان عقبها بعقد زواج شرعي .

و يلاحظ أن الخطبة ليست سوى إخطار الزوج أهل الزوجة بنيته الاقتران بها .. وليس فيها أي أثر للتقاليد الجوفاء، و التكاليف الكثيرة المعروفة لدينا ..

3/ العقد على مهر قدره جنيه واحد ؟ قال النبي صلى الله عليه و سلم: “أخير النساء أحسنهن وجوهاً، و أقلهن مهورا .” .. و قال عليه أفضل الصلاة والسلام : “من يمن المرأة تيسير خطبتها، و تيسير صداقها، و تيسير رحمها ..”

4/ تسليم الزوج زوجته والزوجة زوجها، على حد سواء، في نفس ليلة العقد.

5/ دخول العروسين ببعضهما، بملابسهما القديمة، في حجرة مؤثثة بالأثاث القديم، و مفروشة بالفرش القديم، الموجود بالمنزل ..

6/ قيام الزوج بالصرف على منزله، والزوجة بإدارة بيتها، منذ صباح اليوم التالي للزواج ..

هذه الخطوات ما هي إلا عودة للشريعة الإسلامية في بساطتها التي بعُد عنها الناس، مجاراة للمظاهر الفارغة الجوفاء .. و في الفقرات التالية نوضح الأسس التربوية، والشروط القانونية، التي تمنع الاستهتار بمثل هذا الزواج، و تهيئ له أسباب الاستقرار ..نواصل..

* eisay@hotmail.com