التغيير: بروفايل               

المعركة قديمة، والإيمان بالقضية أكثر قدماً وتجذراً عند خلف الله العفيف.. حق الإنسان في العيش الكريم، وصون كرامته، والعدالة والمساواة وإشاعة الخير والحب والتسامح بين الناس، جوهر ما يؤمن به.

بإجماع من كلمونا عن سيرة الرجل الشجاع، الذي حبس في زنازين وسجون الأمن لأكثر من تسعة أشهر٬ لذات الأشياء التي يؤمن بها إيمانا لا يقبل المساومة، سجينا كمتهم أول في قضية مركز تراكس للتدريب الذي بطشت به أجهزة الأمن وداهمته في ٢٩ فبراير ٢٠١٦، واعتقلت كل من فيه وفي مقدمتهم خلف الله.

إدارة العائدين من الحرب

أشرنا إلى أن المعركة قديمة، لكون أنها بدأت قبل ٢٧ عاما، أي يوم أن وقع انقلاب الإسلاميين من جماعة حسن عبد الله الترابي في ١٩٨٩، وذاع بيانه عمر حسن البشير.. الليلة كانت دهماء حالكة السواد، وقبل أن يسفر الصبح عن الحقيقة، تأكد خلف الله وكل من يؤمن بقيم الديمقراطية والعدالة، بأنهم مقبلين على سنوات عجاف. وبالفعل كانت مواجهته مع الانقلابيين في شهورهم الأولى. وقتها٬ أي يوم وقع الانقلاب٬ كان خلف الله مديرا لإدارة شؤون العائدين من الحرب في وزارة السلام، التابعة لمجلس الوزراء. ويروى بأنه كان شديد الانفعال بإدارة شؤون هؤلاء العائدين، يبتكر الحلول والمعالجات، لدمجهم في المدنية والسلام، فكانت الإدارة ومهمتها تتوافق مع قناعاته وما يؤمن به.

ولكن الإنقلابيين كان لهم رأي مخالف، وتقرر نقله من إدارة العائدين من الحرب إلى إدارة التدريب بمجلس الوزراء كأولى حلقات المواجهة.

الصالح العام “أحب إليَ”

خمس سنوات قضاها خلف الله في إدارة التدريب بمجلس الوزراء، عانى فيها مضايقات جمة من الذين مكنهم الانقلابيون من المناصب إذ تعمدوا تهميشه. وأخيرا وضمن حمى الإحالة للصالح العام، أحيل خلف الله مطرودا من وظيفته بخطاب مقتضب لا أسباب فيه ولا شكر على سنوات الخدمة ولا حقوق، تاركا كرسيه لقادم جديد، مؤهلاته ولاؤه للانقلابيين والجبهة الإسلامية القومية. 

تقبل خلف الله الإحالة للصالح العام فهو كان ينتظرها كقدر محتوم تنبئ عنه معاملة النظام له، حتى أن طرده من الخدمة دون حقوق كان أحب إليه من العمل في الظروف الجديدة التي تسوق البلاد إلى الهاوية. وكثيرا ما كان يقول على طريقته ” أفضل أن نبقى في بيوتنا من المشاركة في هذا التدمير المنظم للخدمة المدنية”.

بعيدا عن السياسة

المعركة لم تنتهي بطرد خلف الله من الخدمة، بل في الحقيقة بدأت، وبالذات عندما لم يتخلى عن خدمة حقوق الإنسان. وكيف يفعل وهو يعد من أوائل الذين اهتموا بهذه القضية في البلاد. وفرت له خدمته في وزارة السلام وإدارة شؤون العائدين من الحرب قبل ٢٥ سنة فرصة كبيرة للتعرف على أوضاع حقوق الإنسان في السودان. أهَّله لذلك تخصصه في العلوم الإنسانية وتحديدا بكالوريوس التخطيط الاجتماعي الذي حصل عليه من جامعة حلوان بالقاهرة في عام ١٩٨١. ولكن إهتمام خلف الله منصبا على تدريب وتأهيل مدافعين عن حقوق الإنسان، لحماية حقوق الناس البسطاء، في كافة المجالات. والمفارقة المدهشة تتمثل في أن المتهم الأول في قضية تقويض النظام الدستوري، المفضي للإطاحة بالنظام لا ينتمي إلى تنظيم سياسي يطمع في السلطة بطبيعة الحال. ولكن همه الدفاع عن حقوق الإنسان الأساسية، وإشاعة العدالة والتسامح وفق القيم الإنسانية وتعاليم الدين الإسلامي كما يفهمه.

مركز تدريب بالقانون

ظل خلف الله يتردد على أجهزة الأمن، في إستدعاء بعد إستدعاء، بسبب أو دونه، وخاصة بعد توليه تنسيق المشروعات بمركز الخاتم عدلان. غير أن إجراءات الأمن لم تزحزحه ولا إدارة مركز الخاتم عن رسالتهم. وأخيرا لم تحتمل السلطات رسالة الإستنارة التي تبناها مركز الخاتم عدلان وقررت السلطات إغلاق المركز نهائياً وقد كان. 

وما كان لخلف الله وعدد من العاملين في مركز الخاتم عدلان بدا من تأسيس مركز تدريب، وهو صاحب خبرة في هذا المجال، وكان مديرا بالمركز القومي للتدريب بمجلس وزراء السودان قبل ٢٠ عاما. وبالفعل حصل خلف الله وزملاؤه على تصديق للمركز بالطرق القانونية. وهو مركز تراكس للتدريب والتنمية البشرية، واختير خلف الله مديرا له. ولكن هل ستتركه الأجهزة الأمنية في حاله؟

حبس سيء

في مركز تراكس، كانت المراقبة من الأجهزة الامنية أشد، والأوضاع أكثر سوءا، والإستدعاءات والمضايقات لخلف الله مستمرة، إلا أن الأمر بلغ حد المداهمات، وفي يوم الخميس ٢٦ مارس ٢٠١٥، وأثناء دورة تدريبية على الحاسوب هاجمت قوة مدججة بالسلاح مركز تراكس. وبطريقة مداهمة أوكار الجريمة إنتشر أفراد الأمن في المركز يحملون بنادقهم الآلية، ويتعاملون بصلف. طلبوا من العاملين في المركز والدارسين في الدورة التدريبية تسليم هواتفهم النقالة وأجهزة الحواسيب الخاصة. خلف الله ظل يتردد على مكاتب جهاز الأمن مطالبا بالأجهزة والممتلكات الخاصة بتراكس، والأمن يماطل ويسوف، وتعطل عمل المركز وتعطل التدريب. وبعد أحد عشر شهرا أعادوا له الأجهزة. إلا أنهم عادوا بعد أربعة أيام فقط للمداهمة مرة أخرى، بصورة أعنف. صادروا جميع الأجهزة، مرة أخرى، واعتقلوا كل من كان متواجدا في المركز، مرة أخرى. اقتادوهم مخفورين لمكاتب الأمن. وفي آخر الليل أخلوا سبيلهم على أن يحضروا للتحقيق صباح اليوم التالي. إستمرت الاستدعاءات على هذا المنوال لثلاثة أسابيع. وفي صباح يوم ٢٢ مايو ٢٠١٦، استدعوهم لجهاز الأمن. وبعد أن أبقوهم في الانتظار لساعات، دون أي سؤال، ثم حملوهم إلى نيابة أمن الدولة، حيث أودعوهم في الحبس دون حتى إخطارهم بأنهم في الطريق إلى الزنزانة. إكتشفوا أمر حبسهم بعد حدوثه.  أي بعد أن وجدوا أنفسهم داخل الزنزانة. أما الزنزانة فهي شديدة الضيق، سيئة التهوية، مزدحمة، بلا ماء ولا أي نوع من الخدمات، وقد منعوا عنهم الزيارة. يسمح لهم بالذهاب للحمام مرتين في اليوم، الأولى في السادسة صباحا والثانية في السادسة مساء. أما ما بين ذلك فعليهم أن يأمروا الطبيعة ألا تناديهم، ولكنها كانت تناديهم، وتنادي المصابين منهم بأمراض السكر بإلحاح. وفي هذه الحالات تكتسب زجاجات الماء الفارغة أهمية قصوى.

ظل خلف الله وستة من منسوبي مركز تراكس٬ ومدير منظمة الزرقاء مصطفى آدم في تلك الزنزانة السيئة لمدد متفاوتة٬ أقصرها ثلاثة أسابيع وأطولها لثلاثة أشهر. خلف الله يعاني من ارتفاع الضغط، ومشاكل في القلب. تعرض لعدد من الوعكات الشديدة. نقل ثلاث مرات إلى مشفى جهاز الأمن تحت حراسة مشددة. ثم بدأ فصل جديد من المعاناة مع خلف الله ورفاقه عندما بدأت إجراءات المحكمة، التي يتعمد فيها جهاز الأمن ونيابته إهانة كرامة خلف الله ورفاقه، إلا أنهم ظلوا يواجهونهم بقوة وجلد.

خلف الله في سجن الهُدَىْ

المعركة القديمة لا تزال مستمرة أذ يواجه خلف الله ورفاقه تهما تتعلق بتقويض النظام الدستوري والتجسس وتصل عقوبتها الاعدام. آما التهمة الحقيقية فهي التدريب على توثيق انتهاكات حقوق الانسان ورفع وعي الشعب السوداني بحقوقهم كبني آدميين. خرج خلف الله من سجن الهدى، بعد آن قضى فيه تسعة أشهر ونصف الشهر. لسان حاله يقول لا مناص من الصمود والمواجهة. يؤمن بأن لا شيء يذهب هدرا. وأن الحق سينتصر نصرا أبلجا. يتقوى برفاقه الأقوياء في الحبس، رغم إعتلال صحته جراء ما يلاقي.

خلف الله من مواليد مدينة الحوش بالجزيرة. وهو الثالث في الترتيب ضمن أشقائه وشقيقاته. تلقى تعليمه الأولي والمتوسط بالحوش، والثانوي بحنتوب، والجامعي بمصر. والدته المقعدة كانت دائمة السؤال عنه. أفراد الأسرة لم يخبروها أن ابنها في السجن الى آن خرج. زوجته آمنة التجانى. له منها ولدان محمد الخاتم ١٦ سنة ومحمود ١٠ سنوات. قالت زوجته “صحة خلف الله تدهورت كثيرا خلال السجن”. طفلاه كانا في غاية القلق على وضع والدهما الذي عاش أوضاعا إنسانية سيئة في حبس سيء. والمعركة مستمرة، طرفها الأول رجل صامد كالصخر اسمه بالكامل خلف الله العفيف مختار. وطرفها الآخر حكام طغاة غاشمون متجبرون. وموعده معهم الصبح. أليس الصبح بقريب؟