صلاح شعيب

استحقاق شعوب الأرض جميعها للحرية، والديموقراطية، لا مهرب منه، وكاذب من قال إن الجبروت أيا كان نوعه قد هزم إرادة الشعوب.

ففي التاريخ القديم الذي قل فيه انتشار الوعي سيطر الإقطاع، والنبلاء، بتعاونهم مع الملوك، والقياصرة، والأباطرة، على أوروبا، ولكن ذهبوا كافة إلى مزبلة التاريخ غير مأسوف عليهم. ولو أن الأوروبيين تخلصوا من هذه الأنظمة الجرثومية فإن بقية القارات ما تزال تعاني من عسف، وجبروت، الرؤساء، والملوك، والأمراء. إنهم قضوا على وحدة شعوبهم فما أنتجوا إلا آلام ودمار الحروب، والكوارث، وضعف مؤشرات التنمية، وغيرها من العقبات التي تمنع تحقيق الاستقرار، والتقدم، وشفافية نظام الحكم، والإسهام في مجمل الحضارة الإنسانية المعاصرة.

ومع ذلك فإن حركة التاريخ تسير الآن باتجاه التخلص من الديكتاتوريات المتخثرة في آسيا، وأفريقيا، وأميركا الجنوبية. ولا يظنن مكابر، أو مؤدلج استبدادي، أو ديماموجي رمادي، أو قومجي شمولي، أو شعوبوي متنطع، أو انتهازي يستطعم من نفايات الشمولية، أن هناك إمكانية للتحايل على رغبات الشعوب في التحرر من الاستعباد بمزيد من شحذ القوة الفتاكة للمظاهرات، أو زرع أجهزة التنصت على التلفونات، أو اختراق قوى النضال، وتمزيق وحدتها، أو الاستناد على الإعلام المحلي لغش المواطنين، أو التواطؤ هنا وهناك مع جهات خارجية لتدعيم السيطرة الداخلية، أو تجييش المليشيات القبلية، أو غيرها من الأساليب التي تهزمها تلك الإرادة المجتمعية في خاتم المطاف، مهما بلغت سنوات الاستبداد، مثلما دلت التجارب.
في الثلاثة عقود الأخيرة ارتفعت رايات الديموقراطية في أدغال أفريقيا، وسفوح آسيا، وتخوم أوروبا. رفرفت تلك الرايات في داخل الأبنية التي أنشأتها الديكتاتورية نفسها. وفي أمكنة أخرى لاحظنا أن الديكتاتور وقع تحت رحمة من عذبهم، وفتك بأقربائهم. تحولت قوته المنتفخة إلى شخص أضعف مما هو متصور ليستجدي العطف، متمنيا أن تبقى روحه سليمة. ذلك رغم أنه كان يقف أمام الكاميرات ليرسل الوعيد، والتهديد، ومحذرا بأنه سوف يفتك بآلاف الأرواح التي كانت جريرتها فقط أنها تنادي بالحرية.
إن المكان الوحيد الذي لم تلفحه رياح الديموقراطية هو حيز الدول العربية التي تتعقد فيها أسباب الاستبداد. ورغم أن هذه الشعوب قد نهضت وثارت ضد ديكتاتورييها، وأسقطت بعضهم لكن انتهت ثورات الربيع العربي إلى تراجع يستبطن عدم استقرار الأوضاع في تلك البلدان. وآية الموقف هو أن في هذه الدول تتراجع في كل يوم الأفكار الشمولية لصالح بروز وعي جديد لجيل جديد مدفوع بحركة التطورات الجديدة في قنوات التواصل، والإعلام. وهذا الجيل الذي صنع الثورات في تونس، وسوريا، وليبيا، واليمن، والبحرين، ومصر، رغم خيبة أمله فإنه يتابع الأوضاع بكثير من التأمل، وحتما سيحقق وثبته الحقيقية مهما طالت السنوات ليحقق تطلعاته إلى القضاء على الاستبداد.
نضال القوميات السودانية لاستحقاق كامل الحرية والديموقراطية عبر نظام حكم وطني لا ينفصل عن حركة شعوب الأرض الدائبة لحكم نفسها بنفسها. فقد بدأ هذا النضال وأثمر بإنجاز نظامين ديموقراطيين في وقت لم يكن فيه الوعي منتشرا في قرانا ومدننا مثلما هو الحال الآن. لقد تقدمنا أمام شعوب أوروبية، وآسيوية، وأفريقية، في فهم أهمية التضحية لنيل الديموقراطية، وكان المهر هو الدماء. ولكن لأسباب شتى عادت قوى الاستبداد، واستردت السلطة. وما يزال ممثلو سطوتها يكافحون للحفاظ على موروث الاستبداد، إذ يهددون الناس بالقتل، والاعتقال، والتعذيب، إن جنحوا للمقاومة من أجل الحرية.
الآن وحده وصل التراكم النضالي لقمة ذروته التي لا بد أن تثمر عن ثورة ثالثة. فمعظم السودانيين تيقنوا أن لا مناص من التواثق لهزيمة الاستبداد الذي ارتدى هذه المرة ثوب الدين، وجزأ القطر إلى اثنين، ودمر البنيات الاقتصادية، والاجتماعية، والبشرية، للدولة، وجعل من الحرب سببا لاستقرار الطغمة الحاكمة، وعادى دول الجوار والعالم. فضلا عن ذلك فإن نظام المجرم البشير هرب مواطنين البلاد بالملايين، وجعل الفساد وسط الحاكمين وسيلة لشراء ذمم المنافقين، والانتهازيين، الحريصين على استمرار الأوضاع كما هي. إذ هم يثرون حد التخمة بينما تفتك الأمراض بآلاف البشر.
إن الدعوة للعصيان المدني الثاني المقرر تنفيذه يوم الغد يمثل خطوة مبشرة تنحو إلى تضييق الدائرة على البشير، ونظامه الإجرامي، الذي أوصل البلاد إلى حافة الهاوية. ومهما تكن النتيجة فإن البلاد مقبلة آن عاجلا أم آجلا إلى تغيير جذري أساسه القضاء على نظام الديكتاتور المتدثر بالدين، وإحلاله بنظام تتوفر فيه أول ما تتوفر حرية الفرد، وديموقراطية تداول السلطة، وتحقيق المساواة، والسلام، والتنمية، والعدالة بلا تمييز في النوع، أو العمر، أو الانتماء لفكرة، أو لون. باختصار هو نظام بديل يحقق التسوية مع ماضي البلاد الآسن لصالح تفجير طاقاتها التي امتصها الانتهازيون الذين دعموا كل الأنظمة الديكتاتورية.
المثير في الأمر أن جولات البشير الانهزامية في بعض ربوع البلاد التي دمرها أسفرت عن تهديدات ترقى إلى الاستناد عليها كشواهد قضائية على دمويته. ولئن كانت سوابقه القمعية، ومسؤوليته، عن كل ما تفعله قواته الجوية، والأمنية، ومليشياته القبلية، مما لا خلاف عليه فإنه تهديداته الأخيرة تنم عن دموية محترفة لديكتاتور لا يبالي بأرواح البشر. ضف إلى ذلك أن أحاديثه هذه تتضمن اعترافا صريحا بأن ما حدث من اغتيالات منظمة لثوار سبتمبر هو مسؤول عنها بشكل مباشر. ولكل هذا فإن حرصه على الدفاع عن نظامه الاستبدادي بالتهديد على الهواء مباشرة يمثل رسالة لكل قواته بارتكاب جرائم ضد كل من تسول له نفسه التظاهر. وربما يجد كل دعاة الحوار في تصريحاته فرصة عظيمة لمعرفة إلى أي مدى يمكن لشخص مثل هذا أن يكون رئيسا، ومأمونا على إخراج البلاد من أزمتها الكأداء.
لا سبيل أمام المؤمنين بالاستمرار في خط النضال حتى إسقاط الطغمة الحاكمة في البلاد إلا مواصلة السير في ابتداع الوسائل الخلاقة التي تقلل صدام المواطنين مع قوات ومليشيات البشير المجرم. ولعل وسيلة العصيان المدني قد أثبتت للسلطة أنها أكبر مهدد من المظاهرات، والتي ينبغي ألا تكون أمرا محبذا، على الأقل في هذا الوقت، في ظل الإرهاق والخوف الذي سيطر على أعوان النظام. ولعله متى ما أثمر العصيان فحينها لن يجد سدنة النظام مجالا غير الهروب. ولكن هيهات، فعندئذ لا يجد البشير، ومجرمو حربه، أنفسهم إلا بين خيارين: قفص المحكمة السودانية أو غرفة الجنائية الدولية.