سيف الدولة حمدنا الله

التكييف السليم لإختيار الدكتور علي الحاج السفر والبقاء في ألمانيا لما يزيد على 15 سنة هو أنه كان في حالة “خَندَقة”، وهي تعبير شعبي ظهر في عهد الإنقاذ ويعني تواري الشخص عن الأنظار لتفادي ملاحقة السلطات أو مطاردة الدائنين حتى تهمد القضية، والخندقة وسيلة ناجِعة بحيث يستطيع الشخص الذي يُلاحق قضائياً في قضية شيك – مثلاً – بقيمة مليون جنيه وهو ثمن منزل أن يختفي عن الأنظار في بلد مثل ليبيا التي يذهب إليها على ظهر شاحنة ويبقى بها ثلاث سنوات ثم يعود عن طريق مطار الخرطوم ليجد أن قيمة الشيك لا تُساوي ثمن طبلية سجاير، فقد إختفى علي الحاج بألمانيا حتى جاء وقت أصبحت فيه مثل المخالفات التي حملته على ذلك من التواضُع بحيث أصبح صاحبها يُمنح نجمة الإنجاز.

 

كما أن الذي ساعَد على تنامي هذه الظاهرة – أعني الخندقة – هو الثغرة التي أوجدتها القوانين التي إستحدثتها حكومة الإنقاذ والتي أصبحت الجرائم بموجبها تسقط بالتقادم بمضي خمسة سنوات من تاريخ إرتكابها في الجُنَح (الجرائم البسيطة) وبمضي عشر سنوات في القضايا الكبرى ودون النظر إلى الضرر الذي يحيق بضحية الجريمة، ففي قضايا التزوير – مثلاً – تسقط ملاحقة الشخص الذي يقوم بتزوير توقيع المالك وبيع منزله في غيابه ودون علمه إذا نجح المجرم في الإختباء خلال مدة سقوط الجريمة بالتقادم دون أن يُعالِج القانون الوسيلة التي يعود بها العقار المُباع بالتزوير لصاحبه وتستقِر ملكيته للمجرم.

 

نظام الحكم الديمقراطي الذي خرج عليه الدكتور علي الحاج ورفاقه كان من الشفافية بحيث جعل منه صاحب أشهر قضية في زمانه برغم أنها تُعتبر قضية بسيطة بمقاييس اليوم، وهي ما عُرفت بقضية “القصر العشوائي”، وتتلخص وقائعها في أن الدكتور علي الحاج بنى لنفسه فيلا فخمة على أرض زراعية من أملاك الدولة بمنطقة شبه خلوية بالجريف غرب (حالياً في قلب شارع الستين) وقام بتوصيل الكهرباء للمنزل من وقف عام (مسجد)، وقد حصل الدكتور علي الحاج على البراءة مع ثبوت هذه الوقائع تأسيساً على أسباب لم يتيسّر لنا الحصول عليها، ولا يزال العقار في ملكه برغم أن الدولة كانت قد نشطت في تلك الفترة – ولا تزال – في إزالة عشرات الألوف من المنازل التي شُيّدت دون الحصول على تصديق مسبق من الدولة (السكن العشوائي)، بيد أنه لا غرابة في حصول الدكتور علي الحاج على البراءة، ذلك أن هناك أكثر من وسيلة قانونية يُمكن أن تُؤدّي إلى براءته من بينها إجراء تسوية مع سلطات الأراضي أو إبراز سند تسجيل مجلسي صادر عن شيخ الحلة أو ضابط البلدية .. إلخ.

 

بالحق، مثل قضية القصر العشوائي ليست سبباً يُوقِف مسيرة شخص أو تنال من مركزه سواء في الزمن الذي مضى أو في الوقت الراهن، وقد دفع الدكتور علي الحاج في هذه القضية ثمن التناطُح السياسي الذي كان يجري بين الأحزاب المُتنافِسة (وهو عَرَض حميد ومطلوب) في ظل مناخ الديمقراطية وحرية الصحافة، التي كانت تؤدي، بالنتيجة، لأن يُفكّر المسئول ألف مرة قبل أن يخطو نصف خطوة في مخالفة القانون، فمهما قيل حول القضية، فقد إنتهت بتقديم المتهم مع مركزه ونفوذه للمحاكمة أمام محكمة قانون، وأُتيح لكل صاحب مصلحة فرصة الطعن في الحكم إلى أعلى درجة تقاضي ممكنة.

 

قضية القصر العشوائي لا شأن لها ب “خَندقة” الدكتور علي الحاج في ألمانيا، فالذي دفع بالرجل لأن يهرب بجلده ويتوارى عن الأنظار هو خشيته من بطش رفاقه به و”تلبيسه” قضية سرقة وضياع أموال طريق الإنقاذ الغربي بسبب العداوة التي خلّفتها المفاصلة بين الفريقين (الوطني والشعبي) ووقوف علي الحاج في صف الدكتور حسن الترابي، وما ظل يقوله ويُعيده علي الحاج صحيح، فالذي ينبغي أن يبدأ به السؤال عن تلك الأموال هو الأستاذ علي عثمان محمد طه، بصفته رئيس اللجنة العليا للمشروع (تولّى الرئاسة عقب وفاة اللواء الزبير محمد صالح)، والذي يُناط به الإشراف على أعمال لجان المشروع وهي ثلاثة: اللجنة المالية وهي الجهة التي تملك سلطة صرف الأموال وقد تعاقب على رئاسة هذه اللجنة وزيري المالية عبدالله حسن أحمد ثم الدكتور عبدالوهاب عثمان، والثانية هي الهيئة التنفيذية للطريق والتي كانت تستلِم الأموال بإذن وتصديق اللجنة المالية وتقوم بالصرف منها على دفعيات المقاولين وشراء المواد .. إلخ وهي اللجنة التي كان يرأسها اللواء الحسينى عبدالكريم. أما اللجنة الثالثة والتي كان يرأسها علي الحاج (اللجنة الشعبية)، فقد إقتصرت مهمتها على إستقطاب الدعم المالي الشعبي للطريق.

 

سبق علي الحاج الدكتور حسن الترابي في توجيه الإتهام الصريح للأستاذ علي عثمان بمسئوليته عن ضياع الملايين التي جُمِعت وكانت تكفي لتشييد طريق الإنقاذ الغربي الذي يبلغ طوله 1230 كيلومتر ويبدأ من الأبيض وينتهي بالجنينة ويعبر عدد من المدن من بينها النهود ونيالا وزالنجي والفاشر، فقد ذكر الترابي في خطاب ألقاه أمام أنصاره، ويمكن مشاهدته بالصوت والصورة على هذا الرابط ( https://www.youtube.com/watch?v=870DG9Kj0q0)، قال فيه: علي عثمان وليس علي الحاج هو المسئول عن ضياع أموال طريق الإنقاذ الغربي، لماذا لا تسألوا علي عثمان؟ ثم أضاف مُتهكماً: “ولّ عشان بتخافوا منو؟” ويقصد من ذلك أن علي عثمان كان حينئذ صاحب سلطة ونفوذ.

 

أيّ شخص عاقِل في محل علي الحاج كان لا بد له أن “يَخندِق” في باطن الأرض إن لم يجد سبيلاً للجوء إلى دولة مثل ألمانيا، فالذي وجّه له الإتهام بسرقة تلك الأموال هو رئيس الجمهورية بنفسه والذي كان قد ذكر في إحتفال أقامه أبناء محلية الطينة بالخرطوم لتكريم وزير العدل في ذلك الوقت محمد بشارة دوسة قال في الخطاب:  “علي الحاج إستلم نص سكر التموين الخاص بولايات دارفور وكردفان لمدة عامين ووعدنا بتنفيذ الطريق خلال ثلاثة أعوام، وعندما دعانا للإحتفال بفتح الطريق ذهبنا إلى نيالا وإفتكرناه إكتمل، ثم إكتشفنا فيما بعد أنه لم تتم سفلتة سوى المنطقة التي زرناها فقط وهي مسافة 110 كليومتر من أصل 1230 كيلومتر (صحيفة آخر لحظة 7/8/2010).

 

الثابت ولا خلاف عليه أن هناك مئات الملايين قد نُهبت، فقد كشفت لجنة التحقيق الأولي الذي لم تعقبه محاكمة أن هنالك 6 مليون دولار و14 مليون جنيه لم تورد فى خزينة الهيئة من الأساس، وأن هناك أحد المقاولين “كونسورتيوم بلغاريا” قد إستلم 30% من قيمة العقد دون أن يُنفذ أي مرحلة منه، وأن ترسية العقود قد تمت بطريقة مباشرة لشركات معينة ودون منافسة، فأين ذهبت هذه الأموال ومن الذي سطى عليها؟

 

كفى بالدكتور علي الحاج أن يناوش غيره بالمسئولية بمثل هذه التصريحات الصحفية، فهذه أموال عامة وليست ملك حزب أو جماعة، ويعود معظمها للأهالي الذين دفعوها بشكل مباشر، فقد جاء الوقت لأن يتقدم الدكتور علي الحاج بما لديه من معلومات للنائب العام ليقوم بفتح التحقيق في القضية، فالأموال لا تزال موجودة في حرز من وضعوا أيديهم عليها، وهي التي نراها اليوم في بيوتهم ويخوتهم وزيجات كريماتهم وأنجالهم.

 

 

سيف الدولة حمدناالله

 

saifuldawlah@hotmail.com